page contents
الحدثملفات

المجتمعُ المَدنيُّ.. أدوارٌ وحِساباتٌ !

الرّئيسُ يراهِنُ عَليهِ لإحدَاثِ القَطيعَة والأحزابُ تَتحفّظْ

منذ اعتلائه سدّة الحكم، أعلن الرئيس عبد المجيد تبون أنه لا ينوي تأسيس حزب سياسي يكون أرضية سياسية وتنظيمية يقف عليها، كما أعلن انسحابه من حزبه السابق وهو حزب جبهة التحرير الوطني الذي شغل عضوية لجنته المركزية لسنوات. بالمقابل، اتخذ الرئيس من المجتمع المدني مخرج نجدة لتنشيط الحياة السياسية، وإقحام الشباب في الحياة العامة كما ترافع لذلك حكومته، ويؤشر عليه إنشاء منصب مستشار مكلف بالمجتمع المدني والجالية. فما الغاية من هذا التوجه، وهل يمكن تعويض الأحزاب بالجمعيات؟

رياض هويلي

تذهب الكثير من المعطيات المتوفرة ميدانيا في اتجاه سعي الرئيس إلى التخلي على أحزاب السلطة التقليدية، وفي مقدمتها حزبا الأفلان والأرندي، اللذان شكلا لعقود أرضية سياسية وتنظيمية للسلطة. وظهر ذلك جليا في ترشح عبد المجيد تبون لمنصب رئيس الجمهورية حرا، ثم تأكيده أنه لم يعد مناضلا في الأفلان، وصولا إلى إعلانه رسميا أنّه لا يرغب في إنشاء حزب سياسي يكون سنده في حكمه.

 لكن الواقع يقول إن ممارسة الحكم أو السياسة دون حزب أو تحالف أحزاب من الصعوبة بمكان، فقد طرح الرئيس خيار تفعيل المجتمع المدني وإقحامه في الحياة السياسية، لأسباب أهمها أن جمعيات المجتمع المدني قريبة من المواطن، وتتشكل من عنصر الشباب في أغلبها، وهي أيضا لم تتورط في الفساد السياسي مثلما هي حال الكثير من الأحزاب، ومنهما الأفلان والأرندي اللذان توجد قياداتهما في السّجن وعدد كبير من نوابهما أيضا، ناهيك على امتزاج النضال فيهما بالمال السياسي.

لكن، هذا المعطى الذي تبناه الرئيس يراه الكثيرون من محترفي السياسة غير سليم، وأن نتائجه ستكون عكسية، ذلك لأن المجتمع المدني له دور في تأطير المجتمع وتنظيمه وهيكلته وتوعيته ومساعدته، وليس لممارسة السياسة أو خوض المعارك الانتخابية. وفي هذا الإطار، يقول بعض محترفي السياسة إننا قد نخسر المجتمع المدني كما خسرنا الأحزاب وحينها لن نجد ما نتكئ عليه.

النقطة الأخرى التي يتخذها معارضو فكرة تحريك المجتمع المدني سياسيا هي أن الجمعيات لا تملك برنامجا سياسيا، ولا نظرة شاملة للأوضاع، ما يعني أن حلولها محلّ الأحزاب قد لا يعطي النتائج المرجوة.

في تجربة سابقة، أنشأ محيط الرئيس المخلوع، عبد العزيز بوتفليقة، تنسيقة مساندة برنامج الرئيس، تضم في أحشائها جمعيات ومنظمات ولجان ومنتديات، لكنها مع مرور الوقت تحولت إلى ما يشبه جهاز بيروقراطي يتنافس على الريع والمناصب وضاع دورها الاجتماعي. فما الذي يجعل منظِّري السلطة الحالية لا يخشون تكرار النتائج نفسها ؟

بالأمس، أشرف مستشار الرئيس نزيه برمضان، بالمخيم الكشفي بالجزائر العاصمة، على تجمع “نداء الوطن”، ضم عشرات الجمعيات والمنظمات والنقابات، وقال المستشار ذاته في كلمة حماسية عدد فيها الإنجازات وسرد الآمال، إن هذا الفضاء مفتوح لمن يريد الالتحاق به إلا من أبى، وبطريقة تبدو براغماتية لا تخلو من المكر ربط برمضان هذا التكتل بأهداف المجلس الأعلى للشباب، في محاولة لاستقطاب الجمعيات المترددة أو التي تفضل النشاط خارج ملعب السياسة.

هذه الخطوة التي تأتي لملء الفراغ الذي أحدثه الحراك الشعبي السلمي في جسد المنظومة السياسية في البلد بصفة عامة، وأحزاب السلطة المتهالكة فكريا وسياسيا والمتهلهلة تنظيميا، ينبئ بأن الأيام القادمة قد تشهد ميلاد تحالف أحزاب لمساندة الرئيس، تغني الرئيس عن المبادرة بتأسيس حزبه، فيما يكون لتكتل المجتمع المدني سندا شعبيا. هي حسابات السلطة قد تصطدم بواقع سياسي متقلب، يعيش مخاض ميلاد الجمهورية الجديدة.

مستشار رئيس الجمهورية، نزيه بن رمضان:

“هناك مساعٍ لهدم وتكسير مبادرة نداء الوطن”

أكّد مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالحركة الجمعوية والجالية بالخارج، نزيه برمضان، أن “مبادرة “نداء الوطن” تجمع الخيريين من هذا الوطن لخدمة المجتمع وبناء مستقبل البلاد، مرحبا بمن تابوا عن آرائهم السابقة في دعم الأشخاص”، مضيفا أن “هذه المبادرة تمثل صدق نوايا رئيس الجمهورية بإشراك كل مكونات المجتمع، وعلى رأسها المجتمع المدني “.

وقال مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالحركة الجمعوية والجالية بالخارج، نزيه برمضان، في كلمته التي ألقاها أمس بالمخيم الكشفي الدولي بسيدي فرج، في اجتماع لمكونات المجتمع المدني الفاعلة، إن “المبادرة الحالية لن يباركها الجميع لأن أهداف هذه المبادرة نبيلة وهدفها الأساسي يجعلها مستهدفة لضربها وتشويهها بالنظر إلى العوائق الذهنية الموجودة حاليا”.

وأشار مستشار رئيس الجمهورية إلى أن “هناك مساعٍ لهدم وتكسير هذه المبادرة من خلال تمييعها ووضع صور قديمة لبعض المساندين لشخص في الفترة الماضية، ويقارنها مع هذه المبادرة. وهناك فرق تتفرق بين من يساند شخص ومن يساند وطن”.

واعترف المتحدث ذاته بأن “هناك عراقيل وبيروقراطية وبعض الممارسات والطريق ما يزال في البدايات والسلطة لم تصل بعد للأهداف المرجوة”، مؤكدا أن “الهدف الأسمى هو الإشراك الفعلي للمجتمع المدني مع مؤسسات الدولة”.

ودعا برمضان الشباب للإيمان بأن “الجمعيات لها دور في تنمية المجتمع في الجانب السياسي”، موضحا أن “العوائق والكوطة والتزوير التي كانت تواجه الشباب من طرف جهات سياسية أو أشخاص كانوا يريدون الاستغلال بنفوذهم وأموالهم لم تعد الآن موجودة والانتخابات الرئاسية واستفتاء الدستور دليل على عدم وجود شبهة واحدة للتزوير بشهادة الجميع”.

أسماء بوصبيع

المتخصص في القانون الدستوري، عامر رخيلة لـ”أخبار الوطن”:

“المجتمع المدني في الجزائر جنيني ولا يؤثر في الأحداث”

هل تعتبر أن مثل هذه المبادرات رهان يتكأ عليه الرئيس في المرحلة المقبلة؟

كان واضحا منذ تنصيب عبد المجيد تبون كرئيس للجمهورية أنه يتجه نحو الاستغناء عن الأحزاب السياسية، بالاعتماد على الحركة الجمعوية والمجتمع المدني. وقد أكدت عملية الاستفتاء في الدستور أن قراءة رئيس الجمهورية ومحيطه للمشهد التنظيمي في الشارع الجزائري قراءة غير موفقة؛ فالجمعيات لم تتفاعل مع إرادة رئيس الجمهورية، ومرد ذلك – في تقديري – لسببين أولهما أن الحركة الجمعوية في الجزائر حركة مطلبية تتفاعل مع الحدث بالقدر الذي تستفيد منه ماليا، ثانيهما لا وجود فعلي لمجتمع مدني بمفهومه السياسي، مجتمع قائم على المبادرة والتضحية والانتصار لسياسات اجتماعية وثقافية، فالمجتمع المدني في الجزائر مجتمع جنيني لم يصل بعد إلى درجة التأثير في الأحداث.

هل هي آخر أوراق السلطة في سياق البحث عن قاعدة جماهيرية؟

إذا كانت السلطة، اليوم، تشجع عقد هذه الندوة فإن مزامنة هذه الندوة لفتح الرئيس باب التواصل مع الأحزاب السياسية موالاة ومعارضة يؤكد حقيقة إدراك السلطة أنه لا يمكنها تجاهل الأحزاب، وفي الوقت ذاته المحافظة على طرحها بشأن الاعتماد على التنظيمات الاجتماعية والمدنية كقاعدة سياسية لها.

وما الغائب في هذه المبادرات؟

وما غاب عن مخططي سياسة الرئاسة أن المواطنين الذين تجمعهم في ندوات حتى وإن أظهروا الولاء لها فإن معظمهم متحزبون بل فيهم من هم قياديون المستويات المحلية والبقية الباقية من الحضور فإن اللقاء بالنسبة لهم “زردة” مجانية وإقامة سياحية ولقاء بالخلان وزيارات للأهل في العاصمة.

ما المطلوب لكي تتجاوز السلطة القائمة هذا الوضع؟

على السلطة السياسية إن أرادت نجاح خيارات سياسية أن تترك أمر التنظيم السياسي للأحزاب باعتبارها المعنية الأولى بالعمل السياسي ودور السلطة دور الحكم والتشريع والسهر على التطبيق السليم للقانون، لا أن تجعل نفسها طرفا في النزاع السياسي الحزبي مستغلة أدواتها من مال عمومي وآمن وإدارة يفترض فيها الحياد.

وإذا أرادت السلطة قيام أحزاب فعلية، فعليها أن تكون علاقتها بالأحزاب الفيصل فيها هو القانون لا من حيث التموين ولا من حيث الإعلام فلترفع السلطة يدها عن الأحزاب ولتترك الأمر للرأي العام وعن طريق صناديق الاقتراع.

ما هي تخوفاتكم ؟

الخطر كل الخطر أن يتم بناء مؤسسات يزعم أنها “شعبية” بناء على هذا القطيع البشري الذي يدعى ويستجيب لهكذا لقاءات ليكون غدا رئيس بلدية أو رئيس مجلس ولائي أو نائب أو حتى وزير، وهو الذي يعيش اليوم حالة بطالة وخواء فكري ومادي.

سألته: أسماء بوصبيع

رئيس المنتدى المدني للتغيير، عبد الرحمن عرعار لـ”أخبار الوطن”:

“مبادرة نداء الوطن استغلال سياسي للجمعيات”

رفض رئيس المنتدى المدني للتغيير، عبد الرحمن عرعار، الانخراط في مبادرة” نداء الوطن ” بحجة أنه يرفض الإملاءات، وبما أسماه بـ “الاستغلال السياسي”، وأن “هذه المبادرة غير مرحب بها”

وقال عرعار، في تصريح خص به “أخبار الوطن” “إن “لقاء أصحاب نداء الوطن ذكرنا بممارسات النظام السابق على غرار لقاء القاعة البيضاوية”، مذكرا بـ”وجود أحداث قطيعة كاملة مع هذه الممارسات”.

وقال رئيس المنتدى المدني للتغيير إن “مبادرة “نداء الوطن” مهما كان شكلها تعتبر استغلالا سياسيا للجمعيات، وهي مبادرة ولدت من رحم السلطة وأصحابها مسؤولة على هذه الممارسات”، مذكرا أنه “يجب أن تكون الجمعيات مستقلة في قراراتها، وأنه على السلطة أن تترفع عن هذه الممارسات القديمة”، مضيفا بالقول “كان عليهم إدراج هذه المبادرات في سياق التطوع، لا في سياق الاستغلال السياسي وفرض خريطة معينة”

وأشار محدثنا إلى أن الرهان الحالي هو إعادة كسب ثقة الجزائريين من خلال الإصلاحات، وهو رهان يلزم السلطة بالعمل عليه، وأنه من غير المعقول التحاور مع الحراك بهذه الأساليب القديمة بل يجب أن نخاطبه ونتحاضر معه”.

ويرى عبد الرحمن عرعار أن “منتدى التغيير سيشارك في المناسبات الانتخابية بكل استقلالية، وأنهم سيخوضون المعركة الانتخابية عن قناعة بدون أي إملاءات”.

أسماء بوصبيع

الباحث في علم الاجتماع السّياسي، زوبير عروس لـ”أخبار الوطن”:

“المجتمع المدني بالجزائر يعمل للوصول إلى منافع فردية

اعتبر الباحث في علم الاجتماع السياسي، زوبير عروس، دور المجتمع المدني في الجزائر على أنه “غائب ولا يلعب دور الواسطة النفعية بين الدولة والمجتمع.”

وتأسف الباحث زوبير عروس خلال تصريح أدلى به لـ”أخبار الوطن”، قائلا: “المجتمع المدني يعمل حاليا لمصالحه الضيقة من أجل الوصول إلى منافع فردية”، مضيفا أن “المجتمع المدني هو تنظيم مستقل يلعب دور الوساطة بين الدولة والمجتمع، قائم على فلسفة التسامح واحترام الغير”.

أسماء بوصبيع

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى