page contents
أقلام الوطن

المجتمع المدني والدولة: أي علاقة ؟

بقلم الدكتور مصطفى كيحل

يعد مفهوم المجتمع المدني منجزا من منجزات الحداثة السياسية الغربية ، و لقد ارتبط انبثاقه بالتحولات السياسية و النظرية التي عرفتها المجتمعات الغربية بداية من عصر الإصلاح الديني و عصر النهضة ، و قد جاء نتيجة الصراع الذي عرفته أوروبا بين السلطة الدينية و السلطة  السياسية ،و الانتقال من نظريات الحق الإلهي للحكام إلى نظريات العقد الاجتماعي ، و من هنا غلب ما هو مدني على ما هو ديني ، حيث شقت المجتمعات الغربية طريقا جديدا في الرقي و التطور بعيدا عن سلطة المقدس الديني ، و من خلال تكريس فكرة التعاقد الاجتماعي الذي شكل نواة الدولة الحديثة ، و عليه فإن المفهوم الفلسفي للمجتمع المدني يقوم على فكرة جوهرية و هي أن المجتمع المدني يقع على الطرف النقيض من ما هو ديني و مستقل عنه ، كما أن المجتمع المدني هو المجتمع الذي لا يخضع لسلطة العسكر و لمنطق القوة.

و إذا كانت دلالات مفهوم المجتمع المدني تختلف باختلاف المنظورات المذهبية الفكرية و السياسية في سرديات الحداثة الغربية ، خاصة في علاقته بالدولة ،بسب ما خضع له من تطور تاريخي و صيرورة دلالية ،  فالثابت أنه ارتبط بصعود الطبقة البورجوازية و خطاب حقوق الإنسان و المواطنة ، و هي التحولات التي قطعت مع الحق الإلهي و راهنت على الفرد باعتباره كائنا حقوقيا مستقلا بذاته و منخرطا في العقد الاجتماعي الذي يحدد حقوق و واجبات كل من الحاكم و المحكوم .

والمجتمع المدني هو مجموع التنظيمات و الجمعيات المختلفة كالجماعات المهنية و النقابات العمالية و المنظمات غير الحكومية و الصحافة الحرة … التي تتميز بالطوعية و الاستقلالية الذاتية حيث ينتمي إليها الأفراد بمحض إراداتهم ، و هي الجمعيات التي تملأ المجال القائم بين الأسرة و الدولة حسب الفيلسوف الألماني هيغل ، لان تلك الجمعيات تقوم على أساس تعاقد حر و مستقل عن مقتضيات العائلة و الدولة . و الإشكال المطروح هو حول علاقة المجتمع المدني بالدولة ، بمعنى آخر هل المجتمع المدني هو شريك للدولة و هدفه هو المشاركة في جهودها عبر المبادرات التي يقدمها و تخدم المصلحة العامة من خلال ما تضطلع به المنظمات غير الحكومية من أعمال و خدمات ؟ أم أن العلاقة بينهما هي علاقة صراع بحيث تسعى الدولة إلى جعل المجتمع المدني جزءا منها و وسيلة لخدمة أغراضها  وسياساتها كما هو الأمر في الدول الشمولية ؟ أم أن المجتمع المدني ليس غرضه منافسة الدولة في وظائفها و لا يقدم نفسه بديلا عنها و لكنه يسعى إلى الاستقلال النسبي عنها من خلال التصدي لانحرافات السلطة و مراقبة أدائها ؟ و بمعنى آخر هل المجتمع المدني هو من صنع الدولة ، فالدولة هي التي أنشأته حتى تستطيع أن تتحكم في توجيهه ، و عليه فإن الدولة و المجتمع المدني مفهومان متلازمان متكاملان أم أن المجتمع المدني هو شكل من أشكال مقاومة الدولة من خلال الحد من سيطرتها و هيمنتها على المجتمع ؟ و من ثمة وقف كل محاولات إلحاق المجتمع بالدولة و جعله تابعا لها ، لأن الدولة هي من نتاج المجتمع و ليس العكس ، كما أن المجتمع يتطور نحو الأحسن بمعزل عن مراقبة الدولة و أجهزتها الإيديولوجية المختلفة .

ففي التجربة الجزائرية نلاحظ أولا أن المجتمع المدني كان نتيجة الأحداث السياسية خاصة في العقد الأخير من القرن الماضي و لو شئنا التحديد أكثر أمكننا القول أن دستور 23 فيفري 1989 الذي جاء بعد أحداث 5 أكتوبر 1988 و الذي أقر الحق في إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي كان بداية ظهور المجتمع المدني  ، أو قبل ذلك بقليل و تحديدا سنة 1985 حيث ظهرت بعض المنظمات الحقوقية و نفس الأمر بالنسبة للجمعيات النسوية ، أما الاتحادات الوطنية المختلفة من مثل الاتحاد العام للعمال الجزائريين و الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات  و الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية ، فقد كانت و لا تزال أجهزة إيديولوجية في يد الدولة تستعملها في المناسبات الانتخابية لحشد الدعم الشعبي مقابل مزايا و مناصب معينة ، و هي ليست مستقلة عن الدولة تماما بل لها علاقة عضوية بها . و من هنا نستطيع القول أن الدولة الوطنية كانت هي الفاعل الرئيسي في المجتمع ، فهي رب العمل و هي التي تقوم بتوزيع الريوع على الأفراد و الفئات الاجتماعية ، فهناك قولبة لكل شيء في الدولة ، و هذا ما أدى إلى تغييب دور المجتمع في التغيير و ضمور جميع أشكاله التمثيلية الثقافية و الاجتماعية ، لأن بنية الدولة الوطنية كانت و لا تزال بنية سلطوية و هذا ما جعل النزاعات الاجتماعية تستمر و تتحول إلى سمة واضحة في الحركة الاجتماعية ، فلا تكاد تخلو فترة زمنية معينة من عمر الدولة الوطنية إلا و عصفت بها أزمات  و احتجاجات اجتماعية عنيفة أو سلمية ، و هذا الواقع الاجتماعي يجد تفسيره في عجز الدولة عن تحقيق مشروعية لوجودها و استمرار ممارساتها في المجتمع ، و لذلك بقيت الدولة تعمل على إلحاق المجتمع المدني بإرادة الفاعلين فيها حتى لا يتحول إلى قوة مضادة تسمح بتحقيق توازن نسبي في مواجهة النزعة السلطوية و الشمولية للدولة ، و لذلك لا زالت الدولة تلجأ إلى سياسة استخدام المنظمات الجماهيرية كما كان الأمر في زمن الحزب الواحد لتحقيق التأطير السياسي الناجح للمجتمع و من ثمة إحكام سيطرتها عليه من خلال ” دولنة ” المجتمع .

فالمجتمع المدني في الجزائر أخذ صورة المؤسسات الداعمة لديمومة و استمرارية الدولة ، و ذلك على حساب آمال و حقوق المجتمع ذاته ، و طموحه في تحقيق  التقدم و التنمية و الحريات ، فالكثير من جمعيات المجتمع المدني التي يفترض أنها تعمل في حقول اجتماعية مختلفة و بعيدة عن السياسة ، تتحول بقدرة قادر إلى دعم بقاء السلطة أمام كل حركة اجتماعية و سياسية جذرية ، فغداة وقف المسار الانتخابي في بداية التسعينات من القرن الماضي ظهرت ” اللجنة الوطنية لإنقاذ الجزائر” و ضمت إلى جانب الأحزاب السياسية جمعيات حقوقية و عمالية و نسوية للحفاظ على استمرار الجمهورية ، و هكذا فإن مصطلح المجتمع المدني عرف في  الجزائر رواجا كبيرا على ألسنة السياسيين و الرسميين في الدولة ، و لكنه كما يقول ” عبد الناصر جابي ” استعمل كوسيلة لإخراج النظام السياسي من أزمته سعيا إلى مساعدته على التخلص من مرجعيته القديمة ( الاشتراكية و التخطيط و الأحادية ) نحو مرجعيات أخرى كالديمقراطية و العولمة و اقتصاد السوق  ، كما وظف المجتمع المدني و لا زال في توسيع القاعدة الاجتماعية و الشعبية للنظام السياسي القائم و إبعاد الفئات الاجتماعية الأخرى المعارضة و تسويغ السياسات الحكومية بما فيها سياسات التقشف و رفع الأسعار و عدم تحسين أجور الطبقة العاملة و رداءة الخدمات التي تقدمها المرافق العمومية و التراجع عن السياسة الاجتماعية للدولة ، و اليوم يستعمل ما تبقى من شبه مجتمع مدني في إنجاح المواعيد السياسية و الانتخابية ، حيث تحولت السلطة القائمة إلى الاستناد على المجتمع المدني ، بعد أن كشف الحراك الشعبي عورات أحزاب الموالاة و كيف كانت شريكة و فاعلة في الفساد  مقابل حفاظها على مواقعها و مصالحها الشخصية و الحزبية الضيقة .

وهكذا فإن انبثاق مفهوم المجتمع المدني في الجزائر لا يمكن فصله عن التحولات السياسية و الاجتماعية التي عرفتها الجزائر ، و لكن بقيت سيطرة الدولة على مؤسسات المجتمع المدني تحول دون بروز مجتمع ديمقراطي يكرس قيم المواطنة و الحرية و المساواة و العدل الاجتماعي و حقوق الانسان ، كما أن سيطرة الدولة و النظام السياسي القائم أفضى إلى ظهور حركة جمعوية باهتة و مقيدة و توفر مجالا لنشاط طقوسي و ممارسة احتفالية نخبوية مناسباتية بالأساس  تستعملها الدولة و النخبة الحاكمة ، و ذلك من شأنه أن يفوت الفرصة على انبثاق الفاعلية الاجتماعية المبدعة و الخلاقة أو ” المجتمع المفتوح ” بلغة ” كارل بوبر ” . فاستقلالية المجتمع المدني دليل على تحرر المجتمع و تقدمه و دليل أيضا على وجود سلطة موازية لسلطة الدولة من شأنها أن تراقب انحرافات الممارسة السلطوية ، و يبقى الجزائري يحلم و ينتظر لحظة ظهور مجتمع مدني حر و سيد و مسؤول بعيدا عن روح الزبائنية  يكبح النزعة السلطوية للنظام السياسي القائم و ينتفض ضد هيمنة الدولة على المجتمع و خنقه و الحيلولة دون تحرر طاقاته و إبداعاته . و كل ذلك مشروط بتخلي المجتمع المدني عن وظيفة الدفاع عن السلطة و تبرير ممارساتها و إضفاء الشرعية الزائفة عليها و التحول نحو الاستقلال النسبي عنها و مراقبة انحرافاتها و لجم نزوعها السلطوي غير المبرر.   

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى