page contents
الثقافةملفات

المجلّاتُ الثّقافيةُ.. أقلامٌ جفّت وعناوينٌ قُبرت !

تراجعُ المَقروئيّة وانتشارُ الوَسائطِ الرّقميةِ زادَا من هِجرانِها

تعد المجلّات الثقافية منابر هامة في تطوير وتنمية المشهد الثقافي لأي بلد، فتعرف كواجهة حقيقية للتعريف بالموروث الثقافي وأدبائه ومفكريه، فهي التي تخلق حراكا ثقافيا وفنيا، كما تساهم في الكشف عن أسماء جديدة في عالم الإبداع في مختلف الفنون.

لكن، في الجزائر تبقى المجلّات حبيسة نفسها في درج الوزارة أو المؤسسة المنتجة لها، هذا إن رفعت التحدي في استمرارية الإصدار بصفة منتظمة، لكن المشكل هنا يقع! لاسيما أمام تراجع المقروئية وانتشار الوسائط الرقمية.

صارة بوعياد

حين نقترب من ذاكرة الحياة الثقافية الجزائرية نجد مجلات أدبية وفكرية وفنية شهرية ودورية منها الأصالة، الثقافة، آمال، المجاهد الثقافي، الثورة والأدب، الحلقة.ثقافات هذه الأخيرة التي ارتبطت بالصالون الدولي للكتاب وصدرت في طبعة واحدة فقط، ولكن المتأمل لها لا يجد أيا منها اليوم في سوق الأدب والفكر، فبتغيير الوجوه تتغير الإستراتيجية هذا إن وجدت أساسا، فمع الوزارة الوصية الجديدة جاءت برؤى جديدة وبمشاريع جديدة في إصدار المجلّات الثقافية “انزياحات، فنون، ولجدار”.

ورغم أن وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة راهنت على مجلة “انزياحات”، إلا أنها توقفت في عددها الرابع، ربما كانت “استراحة محارب” لتنظم أوراقها وترتب ملفاتها لتعود من جديد، حسب ما صرح به أحد كتابها. وقبل أسابيع انضمت إلى موكب المجلّات الثقافية مجلة “فواصل” الشهرية التي تصدرها صحيفة “الشعب”، وهي أقدم يومية جزائرية ناطقة بالعربية في الجزائر المستقلة، إذ يعود تاريخ تأسيسها إلى العام 1962.

نتساءل ما مصير المجلّات الثقافية التي أصدرت مؤخرا؛ هل سيكون لها نصيب من الزمن فتقرأ من جيل إلى أخر وتشهد انتشارا وسط أكبر فئة من الناس؟ أم يكون مصيرها محتوما بالعودة إلى الأدراج، لنعاود الحلم من جديد!؟

وهنا أكد كتاب ونقاد وأصحاب مجلات لـ”أخبار الوطن” على ضرورة بناء مشروع جاد بالمجلّات الثقافية قائم على إستراتيجية وإرادة سياسية للنهوض بالفعل الثقافي في الجزائر القائم على أسس ومعايير وليس على أشخاص، لكي لا نسقط في حلقة بزوال الأشخاص تزول المشاريع.

مخلوف بوكروح:

“استمرارية المجلّات الثقافية مرهونة بأشخاص وليس بمؤسسات”

قال الأكاديمي مخلوف بوكروح لـ “أخبار الوطن”: “لا أملك المعلومات الكافية للحديث عن موضوع دوريات والمجلّات الثقافية في الجزائر. ولكن إذا اعتمدنا على الذاكرة نذكر بعض العناوين مجلة “الثقافة” و”أمال”. المسألة هنا مرتبطة رغم أهمية المشهد الإعلامي في الصحافة من ناحية عدد الصحف واهتمامها بالشأن الحياتي، ولكن عندما نتحدث عن الصحافة التي تولي الشأن العام بمختلف تفرعاته ومجالاته وتنوعاته، وحين نحكم على طبيعة ومحتوى الصحافة بعد الاستقلال نستطيع أن نقول إنها كانت ما بين الازدهار والنقص، والركود، وما يهمنا في الصحافة الثقافية كتجربة إعلامية بعد الاستقلال تحديدا نجد نقصا في الاهتمام بالجانب الثقافي كصحافة متخصصة.

ويفترض من الصحف أن تخصص حيزا لا بأس به للثقافة، لأننا لا نعيش فقط على الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن مهام وسائل الإعلام أن تقوم بتغطية ما تشهده الساحة الوطنية والدولية للمهتمين بالأدب والثقافة”.

وأضاف بوكروح أن”الحياة الثقافية في البلاد ظرفية، والقائمين على الشأن الثقافي لا يستطيعون تأسيس الفعل الثقافي، فمن الضروري الاهتمام الصحافة بالثقافة، كما أن هناك بعض المدراء يعتبرون أن الأخبار الثقافية والفنية دعاية مجانية، ويستحسن – حسبهم – عدم الإشارة إليها وعدم تخصيص ركن لها في الجريدة، وإن تحدثنا عن المجلة حين تكون أسبوعية أو شهرية نجد اختلافا، فالأولى تتبع الأحداث أما الثانية تتجاوز موضوع نقل الأحداث وتتعمق في القضايا الفكرية والنقد الفني الذي يكاد يكون غائبا في الأدب والشعر والفنون، فلا أجد تفسيرا لتوقف بعض المجلّات الثقافية المدعمة من الدولة، كمجلة “الثقافة” و”أمال” التي أعتبرهما من مجلات الذاكرة التي تربى على يديها أجيال، كما أشير إلى مجلة “الحلقة” المتخصصة في المسرح من اقتراح مصطفى كاتب حين كان مديرا للمسرح الوطني، التي توقفت بعد إصدار ثلاثة أعداد، وأعدتها إلى الواجهة شخصيا سنة 1993 لكن توقفت بعد 4 أعداد بمجرد مغادرتي المسرح الوطني الجزائري بصفتي مدير. وهنا أتوقف عند نقطة مهمة، ألا وهي أن المجالات ليست مرتبطة بسياسة المؤسسات بل بالأشخاص أيضا والضعف الذي نلاحظه في الثقافة والفنون يعود إلى غياب النقد كما أسلفت الذكر”.

محمد بن زيان:

“وزارة الثقافة تراهن على المجلّات لإنعاش المشهد الثقافي”

قال الكاتب محمد بن زيان لـ “أخبار الوطن”: “كان رهان وزارة الثقافة والفنون إصدار مجلات تنعش المشهد الثقافي وتوفر منابر للحوار والإبداع، والرهان مرتبط برؤية تنتصر للنوعية وللتوجه الاستراتيجي الذي يجعل الثقافة محورية في الحياة الفكرية والثقافية في المجتمع. وتقريبا كل بلد تعرف ثقافتها بمجلاتها ولنا في الجزائر تجارب لمجلات كانت بمثابة المرجعيات الأدبية والفكرية، ولاستدراك الانقطاع الذي أثر ودفع المرحوم عمار بلحسن إلى الكتابة عن “المنبر الغائب”، جاءت مبادرة إصدار باقة من المجلّات المتخصصة”.

وأضاف بن زيان: “انطلقت مجلة “انزياحات” بكل حلم وطموح، وبعد 5 أعداد تخلف الإصدار ليس بغرض تعطيلها بل لمراجعة ما تم حتى تجري الأمور وفق الرؤية المنشودة ويجري هذه الأيام التحضير لإصدار عدد جديد ومواصلة مسيرة مجلة نسعى إلى جعلها علامة في الساحة الثقافية وفضاء حاضنا للباحثين والمبدعين.

والرؤية المعتمدة هي تحقيق الارتقاء بالمجلة شكلا ومحتوى، مجلة تتجه نحو النخبة ولكن ليست أكاديمية صرفة بل هي مجلة تحمل رسالة تشر المفاهيم والأفكار بلغة تستوعبها مختلف مستويات التلقي. وتحمل المجلة أيضا هاجس تكريم أعلامنا والاحتفاء بكل المبدعين. ستنطلق المجلة بكل الحلم والإرادة وبانفتاح على الجميع واحتضان كل الإسهامات الفكرية والإبداعية”.

عزوز عقيل:

“استمرارية المجلّات الثقافية تحتاج إلى إستراتجية”

قال الشاعر وصاحب موقع ومجلة الصالون الثقافي عزوز عقيل لـ “أخبار الوطن”: ” في الحقيقة، إن واقع المجلّات الثقافية في الجزائر لا يبشر بالخير؛ فالكثير من المجلّات التي شهدتها الجزائر سواء كانت تحت إشراف وزارة الثقافة أو بعض المؤسسات الثقافية سرعان ما يلاشى، لتصبح هذه المجلّات عبارة عن حلم، وهذا يعود إلى عدم الاستمرارية أو إستراتجية معينة في تطوير الفعل الثقافي، ثم سياسة الإقصاء وعدم الاستمرارية في المشاريع الثقافية، فكلما تغير مسؤول تتغير معه الإستراتجية وبالتالي في كل مرة نعيد الانطلاقة من الصفر، لأننا لا نملك تصورا ثقافيا، ولذا نجد استمرارية في هذه المجلّات والشيء المؤسف حقا أن لا تجد لوزارة الثقافة مجلة ثقافية تعكس الفعل الثقافي الذي تزخر به الجزائر”.

وأضاف عزوز: “إن سبب توقف المجلّات الثقافية بعد صدور عدد أو عددين منها هو انتهاج سياسة ثقافية عرجاء من قبل كل مؤسسة ثقافية لإلغاء ما سبقها من مجلات، ثم لا تستمر بما قامت به لأن هذه المؤسسات تفتقد لإستراتجية ثقافية جادة وكل الأعمال ارتجالية لإثبات الذات ومهما كان العمل فإذا لم ينطلق من سياسة ثقافية جادة خاضعة لدراسة، وعدم إشراف أهل الاختصاص على هذه المجلّات سيقف حاجزا أمام الاستمرارية. وللخروج من هذا المأزق لابد أن نخرج من سياسة المحاباة ومنح هذه المجلّات لأشخاص همهم الثقافي يسبق همهم في الركض خلف المنصب”.

كما تحدث عزوز عقيل عن مجلة الصالون الثقافي التي تصدر عن صالون بايزيد عقيل الثقافي، “هي حاليا مجلة إلكترونية تصدر بشكل ملف محمول (PDF)، عبر موقع الصالون الثقافي ونأمل في أن نصدرها ورقيا إذا ما أتيحت لنا الإمكانات الضرورية، ونحن الآن في العدد الخامس منها وقد استقطبت أسماء إبداعية هامة على المستوى الوطني والعربي، تهتم بالإبداع بمختلف أجناسه إضافة للدراسات الأدبية والنقدية الجادة، وتنشر شهريا حوارا مع مبدع من المبدعين الهامين جزائريا وعربيا، ونسعى إلى أن تكون المجلة الثقافية الأولى في الجزائر لنقول للآخر إننا نملك من الطاقات ما يمكن أن ننافس به. وهنا، أوجه النداء بهذه المناسبة إلى كل المسئولين عن الثقافة في الجزائر لكي لا يهمشوا الطاقات الجادة إذا ما أردنا الرقي بالفعل الثقافي الجاد بعيدا عن “البريكولاج” وبعيدا عن التسويق الإعلامي الذي لا يخدم الفعل الثقافي”.

نبيل حاجي: 

“غياب رؤية وإستراتيجية حال دون استمرارية المجلّات الثقافية”

قال الناقد السينمائي ورئيس تحرير مجلة “فنون” التي يصدرها الديوان الوطني للثقافة والإعلام، نبيل حاجي لـ “أخبار الوطن”: “أعتقد أن واقع إصدار المجلّات الثقافية في الجزائر مرهون بالحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها وتعيشها الجزائر في فترات ومحطات مختلفة. ورغم ظهور العديد من التجارب والمحاولات الجميلة هنا وهناك إلا أنها ارتبطت بسياقات مختلفة أساسها الحياة الثقافية ومدى فاعليتها في الواقع والميدان.

من جهة أخرى، ارتبط إصدار المجلّات الثقافية بالجزائر في البداية بتوجهات سياسية وإرادة حقيقية من طرف الدولة (وزارة الثقافة أساسا)، ثم جاءت مراحل أخرى مطلع التسعينيات وحررت قطاع النشر وجاءت العديد من المبادرات في المجالات الأدبية السينمائية عالم الأطفال وقضايا المرأة، لكنها ما فتئت أن اختفت بسبب الإكراه المادي أولا أو النزعات الفردية التي عكرت ديمومتها وانتشارها واستمرارها.

واليوم، حين ننظر إلى المشهد نجد غيابا شبه كلي للمجلات الثقافية باستثناءات قليلة التي تفتقر إلى الترويج والانتشار في عمق الجزائر، وأخيرا أقول إن تراجع المقروئية وانتشار الوسائط الرقمية يجعلان اليوم وجود مجلة ثقافية عامة أو متخصصة أمرا صعبا جدا”.

وأضاف حاجي: “أعتقد أن الإقدام على إصدار أي مجلة ثقافية مرتبط بمشروع أفراد أو مجموعات قليلة، له أهداف ومرامي، ولا يحمل بالضرورة مشروعا مجتمعيا في نشر الثقافة بين الناس ولا بإرادة حكومية واضحة المعالم، والكثير من العناوين التي صدرت في فترات سابقة ثم اختفت مع الأسف كانت تحمل فكرة وهوية مرتبطة بالمشرفين عليها من النخب الثقافية والأدبية، لكن مع الوقت أمام إكراهات عديدة توقفت، ولم تجد من يساندها لا من مؤسسات الدولة ولا من الجمهور المستهدف”.

وأكد رئيس تحرير مجلة “فنون”: “إن التقلبات وعدم الاستقرار السياسي وغياب رؤية وإستراتيجية ثقافية واعية ومدركة للتحديات الراهنة أمر حال دون استمرارية وديمومة العديد من العناوين المهمة والمتميزة من المجلّات الثقافية في الجزائر، وأغلب المجلّات التي استمرت لا يتجاوز عددها العشرين على أقصى حد، وهناك مجلات توقفت لأنها ارتبطت بمسؤولين أو وزراء أو أسماء ثقافية أو إعلامية وعند ذهابها تتوقف لأن عناصر وأدوات استمرارها لم تؤسس – مع الأسف – على بنى صلبة تدخل في منظومة عامة تسير عليها مفاصل البلاد. ومن جهة أخرى، هناك إكراهات التمويل والطبع والتوزيع والترويج التي حانت دون استمرار هذه العناوين، وأقبرتها في المهد”.

اظهر المزيد

صارة بوعياد

صحفية جزائرية، متحصلة على شهادة الماستر تخصص علم الإجتماع، مهتمة بمتابعة الشأن الثقافي الجزائري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى