page contents
أقلام الوطن

المهيكَلون الجزائريون والرّفاق السوفيات

الحزب وفقاعات الوهم.. !

هذا النص مزيجٌ من الواقع والخيال، يتطابق كثيرا مع الواقع وأحياناً يبتعد عنه في بعض الجزئيات، لكنه يعبّر في آن واحدٍ عن انجازات وانتكاسات ثورة وصل صداها إلى العالمين.. !

في آخر دورة من دورات اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني التي سبقت حركة 19 جوان 1965 ببضعة أشهر، حدث تلاسن كبير بين أحمد بن بلّة ومحمد الصالح يحياوي، كان الرئيس بن بلة وقتها أميناً عاما للجنة المركزية، يدير أشغالها، ورئيساً للحكومة، ولعدد من الوزارات والهيئات العليا، طلب يحياوي منه الكلمة، وتحدّث عن الاعتقالات السياسية، والنفي إلى الصحراء لشخصيات وطنية، وضباط من جيش التحرير الوطني، وكيف تتعامل وتتصرف معهم الشرطة السياسية التابعة مباشرة للرئيس، ثار بن بلّة وانتفض واقفاً، رفع الجلسة ثم غادر القاعة، اتّصل في الحين بنائبه ، وزير الدفاع ، العقيد هواري بومدين،  ليقول له، إنه لا يريد أن يرى يحياوي في اللجنة المركزية.. !

في ذلك الوقت، كان المنتمون للحزب أو ما يُعرف ب”المهيكلين” يحرصون على الاقتداء بالزعيم الذي راح يتفنّن في اقتناء لباس ماوتسي تونغ والظهور به في المناسبات إيماناً بعظمة “ماو” وقدرته العجيبة على إطعام أكثر من مليار نسمة وتوحيد بلاد مساحتها تقارب مساحة أوروبا، لكنهم تناسوا أن الصينيين الذين يقدّسون ماوتسي تونغ، يحرصون بالمقابل على العمل والالتزام بالقيم العليا ونكران الذات.

منذ استقلال الجزائر وإلى غاية اللحظة، تعوّد المهيكلون الجدد على ركب التيار بهدف الوصول لأهمّ المناصب، فتراهم يحرصون على الظهور في كل المناسبات الرّسمية وغير الرّسمية وفي الصفوف الأمامية، مرتدين لباساً أنيقاً في الصيف والشّتاء، والمفارقة أنّهم في فصل الحرارة لا يخجلون من لبس “كوستيم بصاندال وتقاشر”، لا لسبب، إلا ليشار إليهم بأنهم مسؤولون، وأترك القارئ تصور المشهد العبثي والهلامي.. !

أفاق الجزائريون صباح التاسع عشر من جوان 1965 على رئيس جديد وحكومة جديدة، كان انقلابا خاطفاً لم تزهق فيه قطرة دمٍ واحدة. كانت الوفود الأفرو أسيوية تصل تباعاً لمطار الدار البيضاء الذي تزيّنَ بلباسٍ جميلٍ يليق بالمناسبة الكبرى، أين ستحتضن الجزائر المستقلة المؤتمر الثالث لحركة عدم الانحياز، وهي الحركة التي بدأت أنوارها تضيء المشهد السياسي الدولي بعد مؤتمر باندونغ. كان من المقرر أن يحضر مؤتمر الجزائر كلّ قادة العالم الثالث بالإضافة لثوار ومناضلين دوليين على غرار تشي غيفارا والمهدي بن بركة وهوشي منه وكاسترو تبريكاً لشعب الجزائر.

حين رأى المواطنون المدرعات والدبابات ظنوا أنها جزء من الديكور المبرمج لفيلم معركة الجزائر الذي بدأت أحداثُه تُصوَّر في أحياء القصبة وباب الواد وبلكور وحسين داي، وحين سُمعت لعلعة العيارات النارية تلك الظهيرة عُرف أنّ فلول الحزب الشيوعي الجزائري وأتباع الرئيس المطاح به قد قاوموا الانقلاب وتحدوا الجيش وعناصر الأمن، ردّت هذه الأخيرة بخراطيم مياه ناعمة وطلقات تحذيرية كانت كافية لتفريقهم وإعادتهم لمنطق العقل وطريق الصواب، كان هدف بومدين من خلال عدم استعمال القوة المفرطة هو التأكيد على الانقلاب “الأكثر أناقة” في الذاكرة الحديثة.

أُخرج الرئيس أحمد بن بلة من فيلا جولي بعد أن منحه رفاقه خمس دقائق للتخلص من البيجاما ولبس سروال يناسب الحال والمقام. اقتاده الطاهر الزبيري في سيارة جيب عسكرية إلى أقرب ثكنة اُعدّت مسبقاً لاستقبال الضيف الجديد بعدما جُرّد من جميع الرّتب والنياشين. حين انطلقت السيارة مسرعة مبتعدةً عن الفيلا التي شهدت أهمّ مرحلة من مراحل عظمة بن بلّة، رأى الرئيس المنقلب عليه من النافذة المستطيلة، وكبار الضباط يحيطون به من كل جانب، تلك المتاهة التي يسمّونها “السلطة” تختفي وتتلاشى دفعة واحدة مثل بيت عنكبوتٍ تبدّد في الهواء .

في زيارةٍ لبومدين إلى موسكو بعد وصوله مباشرة إلى هرم السلطة، اُستُقبِل استقبالا فاتراً في المطار على عكس الزيارة الأولى التي أداها كوزير للدفاع ونائب لرئيس الحكومة، استاء السوفيات من الانقلاب، لكن بومدين الداهية وصاحب القناعات الراسخة، عرف كيف يكسب ودّهم، بمجرّد أن بدأ الاجتماع مع رئيس الحكومة كوسيغين، أعلن الرئيس الجزائري أن الخط الاشتراكي لا رجعة فيه، وهذا ما يهم السوفيات، في ذلك اليوم وخلال العشاء الذي أقيم في القاعة الكبرى للكرملين، وبعد كلمة بومدين التوضيحية، كان ردّ فعل بريجنيف الرجل القوي في الحزب الشيوعي السوفياتي، قُبلة قوية على خدّ بومدين، أحسّ الرئيس الجزائري بيد بريجنيف الضخمة والخشنة وهي تضغط عليه في مصافحة تاريخية، خشونة يد الزعيم السوفياتي أرجعها البعض لعمله في استصلاح الأراضي بكازاخستان ومصنع التعدين في بلده الأصلي أوكرانيا.. !

في تلك الزيارة، اِرتجل بومدين أمام القيادة السوفياتية خطاباً رائعاً، لا يضاهي بلاغته وجمال أفكاره خطابٌ آخر، اللهم إلا خطاب مؤتمر لاهور الذي اِرتجله أمام القادة المسلمين بعد أن رمى جانباً الخطاب الرسمي الذي أُعدّ له، خاطبهم بأن المسلمين لا يفضلون الذهاب إلى الجنة وهم جياع، وهي الرسالة التي فهمها خطأً بعض قادة الحركات الإسلامية، راح يتحدث أمام كوسيغين وغروميكو وبريجنيف وبودجورني وهو يضغط على مخارج الحروف، دعوني أشرح لكم الوضع هكذا: الجزائر ليست بولونيا ولا بلغاريا ولا روسيا.

نحن خرجنا للتو من استعمار استيطاني بغيض دام ما يزيد عن قرن ونصف قرن، بعد أن قدنا معركة ثورية ضد الرأسمالية الغربية والإقطاعية الفرنسية ووضعنا حداً لتمدد الحلف الأطلسي، ما قمنا به مؤخرا هو تكملة لمشروعنا التحرري لتحرير الانسان الجزائري من التبعية الخارجية والقضاء على الشعبوية السياسية التي تميّز بها رأس النظام السابق، ما حصل في الجزائر شأن داخلي، وتحصيل حاصل لاستمرارية الثورة التي قادها الشعب ضد الاستعمار والتخلف والفساد. السلطة الوحيدة ذات الشرعية القادرة على جمع الجزائريين هي سلطة تستمد عقيدتها من قيّم الشعب.

الرأسماليون حاولوا أن يفرضوا برنامجهم اللا إنساني خلال الحقبة الاستعمارية، والشيوعيون المحليون حاولوا ركب التيار خلال الثورة بعدما فضلوا سابقا البقاء تحت مظلّة الاستعمار الفرنسي، وهم حاليا يشوّهون تصحيحنا الثوري عبر مدّكم بأخبار سادجة وسخيفة، محاولة للنيل من علاقتنا المشتركة المتميزة، الجزائر ليست أرض رعبٍ وسجون سرّية. كل دولة تحتاج إلى أمن يحميها، هذا ندرسه في المدارس والجامعات. الفيلسوف هوبز قال إن العالم غابة والدولة هي محاولة لفرض قوانين تنظّم حياة هذه الغابة، طبيعي ألا يشعر الجميع بالسعادة الكاملة. المجرم لا بد أن يُرمى في السّجن، وأحياناً قد يُظلم الأبرياء أيضاً.

لكن هذه طبيعة الدولة وليست طبيعة نظامنا بشكل خاص. أعلم أنّ ما حدث في الأشهر الأخيرة قد بدا للبعض وحشياً، لكن هذه كانت حالة شاذة، حالة طارئة، وأنتم هنا في موسكو ألم تعيشوا هذه الحالة ؟ ألم تضعوا حداً لانحرافات خروتشوف بعدما استجاب للإنذار الأمريكي القاضي بسحب الصواريخ السوفيتية من كوبا، لقد سقطت هيبة الاتحاد السوفييتي أمام أنظار أصدقائه بعد أن قبل بالتعايش الانهزامي مع الامبريالية العالمية، المشاكل تورّث بينما الحلول تُبتكر هذا ما تقول به الحِكمة الاسبانية، حاولنا أن نعالج كل الأزمات بهدوء أكبر، وقد كان ذلك، لكنّ السّكين، سكّين الثورة له أيضا منطقه ومساره، لكن مرّة أخرى، النوايا كانت سليمة، والمهم التّطلع للمستقبل، أن تتفهّموا ظروفنا كبلد يتطلّع للتنمية والتحرر أكثر لما فيه المصلحة المتبادلة، بدل أن تستغلوا كل فرصة للتّهجم على نظامنا الثوري والاشتراكي بالاستماع لتقارير استخباراتية وما تبثّه وسائل إعلام مرتبطة بمصالح معيّنة، تعالوا أنتم إلى الجزائر، اسمعوا بآذانكم وانظروا بعيونكم، قولوا ما تفكّرون به واسمعوا وجهة نظرنا.

في ذلك اليوم، لم ينتزع بومدين فقط إعجاب القيادة السوفياتية والوفد الجزائري الذي يقوده، بيطاط وطالب وعبد السلام وبوتفليقة ومنجلي وبن يحيى كانوا حاضرين، بل سدّد أيضا لكمات لا تُحصى، وتحت الحزام، لخصومه الذين شكّكوا في قدرته على الصمود أمام التيار الشعبي الجارف المتعاطف مع الرئيس المنقلب عليه، وهي الشّكوك التي سبق له أن بدّدها يوم أن بُويع بـ”الخلافة” من طرف العقداء العشرة المجتمعين في تونس متجاوزا قائده المباشر سي مبروك بعدما دخل الكبار في مأزق التناحر الجماعي، فاز بومدين بالجولة وعاد إلى الجزائر مرتاح البال، فقد كان كما رى عنه خليفته الشاذلي بن جديد بارعاً في حبك الخطط والفوز بكل جولات الشطرنج، اللعبة التي كانا يلعبانها في قاعدة بوسفر بوهران، لم يفز الشاذلي بأي جولة معه، هل هي الحقيقة، أم أنّ الشاذلي كان يتذاكى مفضلاً إظهار الهزيمة ليرضى عنه الزعيم، أم أن خليفة بومدين كان يفتقد فعلا للرؤيا الكاملة التي تؤهله للفوز ولو بجولة واحدة.. !

بوفاة بومدين، اعتلى المشهد العام العقيد يحياوي الذي طرده بن بلّة ذات عام من اللجنة المركزية، وهو الذي انتخبه مناضلو الأوراس ممثلا لهم، يلقّب بأكبر جريح في الثورة، كان بصوته الجهوري وبلاغته الكبرى وأناقته واستقامته يتفوق على أعضاء مجلس الثورة، حين يتحدّث يأخذ بالعقول والألباب. في عيد العمال عام 79، فضّل الشاذلي البقاء في بيته، كانت له هواجس تجاه اللغة ومواجهة الجمهور والرأي العام، ورغم أنه بذل جهداً معتبراً لتحسين مستواه، إلا أنّه ظل متردّدا خائفا ولم يرق لمستوى بومدين.

في ذلك اليوم، كلّف الشاذلي منسّق الحزب يحياوي لإلقاء الخطاب التقليدي الذي اعتاد بومدين أن يلقيه أمام آلاف الإطارات الوطنية، وقف معه مناضلو “الزوج دورو” وراحوا يهتفون باسمه وهو ينقلهم من حدث لآخر، أثنى على بومدين وأشاد بخليفته بن جديد، لكن عبارته الشهيرة “نعم للمراجعة لا للتراجع” كلّفته الإقصاء من طرف المصطادين في المياه العكرة الذين يضعون تقاريرهم القذرة كل صباح يومٍ على مكتب بن جديد، لقد ذبحوه حيّاً وفي أوجّ عطائه الفكري والعملي، كان يحياوي شخصية قيادية قوية، زادته نظاراته الغامقة السواد رهبة وهيبة، فراح أتباعه يقلدونه بنظّارات تحاكي جيمس بوند، لكن هؤلاء اختفوا واندثروا بمجرد تهميش يحياوي، متناسين حكمة أبي جعفر المنصور “إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة”، فلم يجد من يدافع عنه في وقت الشّدة إلا القليل جدا، ركبت الكثرةُ التيارَ الجديد المهيمن على دواليب السلطة عبر سلالم الهزيمة، وفضّلت الإشادة بهدم جدران البيت القديم والبقاء في العراء، كانت تلك الكثرة غثاءً كغثاء السيل، تلك طبيعة المهيكلين الجدد الذين يعيشون داخل فقاعات من الوهم، فيغيّرون سراويلهم السياسية حسب طبيعة المرحلة.. !

ظلّ هؤلاء يتكاثرون في ثمانينات القرن الماضي، ثمّ جاءت المادة 120 من القانون الأساسي للحزب لتحصر جميع المسؤوليات في المنتمين إليه وطرد كل العناصر الأخرى، قفز إلى الصّفوف الأولى المتملّقون والأميون والكثير من المنافقين والطلقاء، فصارت الإدارات المختلفة أوكاراً للأمية السياسية وإسطبلاتٍ للسلوكات الشوفينية، حدث هذا وأصحابها يتزيّنون بلباس النضال والوطنية، يحرصون على شراء جريدتي الشعب والمجاهد وإظهارهما أمام المارّة والزّوار دون محاولة تصفحهما أو قراءة محتواهما، يحاولون تقليد السوفيات في مطالعتهم لصحيفة البرافدا، مع الفارق الكبير، راحوا يستغلون إمكانيات الدولة ووسائلها لمصالحهم الشخصية اقتداءً ربما بالرفاق السوفيات.

كشف الحراكُ الشعبي المستورَ، فقد اغتنى الكثيرون من خزينة الدولة وصارت لهم مئات الهكتارات وآلاف الآرات وعشرات المحلات والفيلات والكيلوغرامات من السبائك الذهبية، فضائح هنا وهناك فاقت في خطورتها ودرجتها فضائح “الرّفيق” رومانوف، عضو المكتب السياسي السوفياتي، الذي استعار من متحف الإرميتاج في لينينغراد أواني مائدة الإمبراطورة الروسية كاترين الثانية للاحتفال بعرس ابنته، وفضيحة “الكافيار” التي طالت وزير الصيد إشكوف، حدث ذلك قبل قدوم نظام البيريسترويكا والغلاسنوست الذي نادى به غورباتشوف لبناء مجتمع اشتراكي أكثر انفتاح وديمقراطية، لكنّ رياح التّغيير كانت أقوى من أيّ رهان آخر. فضائح الرفاق السوفيات لن تنافس فضائح الرفاق الجزائريين من أحمد أويحيى وعبد المجيد سلال وعلي حداد ومحيي الدين طحكوت ويسعد ربراب إلى الأعضاء الآخرين الكبار أصحاب “الكاسكيطة” الذين أفرغوا الخزينة العمومية وشربوا من البقرة الحلوب دون انقطاع إلى أن جفّ ضرعها، ومارسوا كل أنواع التجارة الحرام، ولم يبق لهم إلا المتاجرة في البشر.

“الحراقة” عبر قوارب الموت يقولون لقد غادروا الضفة الجنوبية لأنهم رفضوا أن يُتاجَر بهم، وهي ملاحظة مثيرة وجديرة بالاهتمام. ليس لدى الجزائريين أي حنين للأيام السوداء في ماضٍ سُرقت منهم أحلام الأمن والعيش الكريم، لكنهم كأي بني آدم يفضّلون الاستقرار بدل الفتنة ويتطلعون لسيادة حقيقية في ظلّ دولة القانون التي حلم بها الشهداء، إنهم يخشون أن يرددوا مع القائل: “ويلي من يوم بكيت فيه، ولما أصبحت في غيره بكيت عليه”.. !

ملاحظة: خطاب الرئيس بومدين أمام القيادة السوفياتية اجتهاد من خيال الكاتب يتطابق مع مضمون ذلك اللقاء.

د. عمر صافي/ فرنسا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى