page contents
أقلام الوطن

المهيكَلون.. هؤلاء المهرّجون الذين يُسمّون بأمراء المؤمنين !

في أغنيته ” الحبّ للجميع ” يقول ” بوب مارلي” : هل هناك مغفرة للمذنب اليائس، الذي آذى كل البشر من أجل نفسه؟ لسنا هنا للإجابة عن سؤال “بوب مارلي”، لكن محطة واحدة من محطات حياته تجعل الجميع يقف احتراماً أمام هذه الفلتة المتميزة من فلتات الطبيعة التي ظهرت فجأة في بلد فقير اسمه جامايكا، هي ظاهرة كونية بشرية عزّ أن يجود بها الزمن في ظلّ التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي يمر بها العالم، فقد ظلّ “بوب مارلي” مدافعاً عن الفقراء والمعدمين، مثله مثل الثائر الفنزويلي “سيمون بوليفار” محرر أمريكا الجنوبية.

 لم يكن ابن جامايكا فيلسوفاً كبيراً ولا خطيباً مفوّهاً ولم يقرأ كثيرا ً لروائع الأدب العالمي، لكنني أراه يتحسّس في كلّ أعماله ومواقفه الداعمة للحرية روايةَ “المزّيفون” لـ “أندريه جيد” و”البؤساء” لـ “فيكتور هيغو” و”المساكين” لـ “فيودور دوستويفسكي” و”السونيت” لـ “وليام شكسبير”.

 لم يتردّد رئيس منظمة العفو الدّولية “جاك هيلي” في التصريح بـ: “حيثما ذهبتُ، وجدتُ “بوب مارلي” رمزاً للحرية”. لم يكن “بوب مارلي” مؤمناً بالأديان، بل خاصم كل الأديان واعتنق ” الرستافرية ” التي لا علاقة لها بالروح أو المادة، بل كل غايتها إثبات أنّ أرض السفانا والغابات الاستوائية ونبات السورغو هي مهد الإنسانية الخالد.

لم يجد الرجل الذي بات مسؤولا عن إطعام 4000 فقير في جامايكا إنساناً يشرح له الدين بشكل إنساني، ولو وجد شخصاً في مستوى جمال الدين الأفغاني أو ابن عربي أو محمد الغزالي لما تأخر عن الإيمان بدين يحترم العقل والمنطق ويدعو للبحث والعلم والتأمل! في الوقت الذي كان الأفارقة في أنغولا والكونغو والسودان وأثيوبيا والصومال والصحراء الغربية يموتون من شدة الجوع والقهر والظلم، كان ملوك الخليج وأمراء الشام يتنعمون ببذخ العيش المستورد من الغرب في بواخر تابعة للشركات الاحتكارية الكبرى، قادمة من بعيد لتُملأ بالنفط المستخرج من أرضٍ ظلت وما زالت تسيل لعاب القوى الاستعمارية الكبرى.

ظل هؤلاء المتأسلمون يحرصون على الظهور بصورة المؤمنين والقدّيسين، افتتاحية خطاباتهم لا تخلو من ذكر اسم الجلالة، لكن موائدهم لا تخلو أيضاً من فناجين الويسكي والشامبانيا، سجونهم الكثيرة والمنتشرة في ربوع الوطن تعجّ بآلاف مساجين الرأي، كما أنّ أسرّتهم لا تخلو من البغايا والفجور ومتعة الحرام.

في ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي، بلغت الحرب الباردة ذروتها، كانت كوبا وافغانستان مسرحاً لها، صارت أمريكا على مرمى حجر من السوفيات بعد أن استقرّت الصواريخ السوفياتية في كوبا، راح “جون كينيدي” يهدد ويتوعّد، أُصيب البيت الأبيض بالأرق بعد أن صارت جدرانه تهتز من الخوف والقلق، لم يجد خروتشوف بداً من ترطيب الأجواء، انسحب من هافانا، لكن رفاقه لم يتأخروا في الدخول إلى أفغانستان، الأرض التي بلعوا فيها ألسنتهم وفقدوا في جبالها عذريتهم، كانت الإذاعات والتلفزيونات العربية والإسلامية التابعة للأنظمة الحاكمة تحرَّض على الجهاد في كابول وقندهار وجلال أباد، وكانت السعودية والكويت وإمارات الخليج الأخرى ترسل الجهاديين المتطوّعين لتحرير أرض الإسلام من الإلحاد والشيوعية كما يقولون، لكنهم نسوا أن الإثم الأكبر قد اُرتكب في المسجد الحرام حين قُنبل هذا الأخير من طرف الأمن السعودي بمساعدة الأمن الفرنسي “الكافر” الذي لا يجوز له الدخول إلى مكة، رداً على اقتحام الكعبة من طرف المواطن السعودي جهيمان العتيبي، ثمّ تكرر الأمر بدخول القوات الأمريكية واستقرارها في قصور شيوخ الخليج النائمين على أسرّة ذهبية داخل حجراتٍ من الماس مزيّنة بجدران زبرجدية، لم يترددوا في الموافقة على إدخال جنود المارينز لغرفهم ومخادع نسائهم وجواريهم ومشاركتهم الفجور والحرام، كانت تلك خطوة أولى على طريق تحرير الكويت من قوات صدام حسين، لتكون الخطوة الثانية حرق بغداد وإرجاعها للعصر الحجري، ردّا على صواريخ “سكود” التي أطلقها الجيش العراقي على منتجعات تل أبيب ومستوطنات ديمونة.

فجأة، سكت الإعلام الذي كان يطبّل للجهاد وطرد “الكفار”، استقبلت السجونُ الجهاديين العائدين من أفغانستان، تنكّر لهم النظام الرسمي العربي بعد أن كان أول من بادر بإرسالهم إلى ساحة المعركة تنفيذاً لأمرٍ صادرٍ من الـ “سي. آي. إيه” ! أنا قتلتُ الشريف، الحبّ للجميع، رعبٌ أنيق، ثورة، لا نساء لا دموع وغيرها من ألبومات “بوب مارلي”، كانت بمثابة استفزاز لكل شيء في العالم، هزّت وجدان الذين يتوقون للحرية، ودفعتهم للإيمان أكثر بالثورة والعدالة، استحق عن جدارة ميدالية السلام من الأمم المتحدة، حدث ذلك في الوقت الذي كان فيه محرّرو أفغانستان والصحراء الغربية يُعذَّبون داخل زنازين أمراء المؤمنين، فإذا كان ” تشي غيفارا ” قد جعل منه رفاقُه بطلا أسطوريا بعد أن خلق صداعاً مزمناً لعملاء الاستعمار في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، فإنّ أصحاب العمائم و”البولازيرو” لم يتأخروا عن التنكيل بأبناء جلدتهم وغرس السّكين في رقابهم بعد أن تمكنوا من استغلال طيبتهم وكرامتهم ! لقد تحول عبد الله عزّام من أستاذ ومناضل فلسطيني، يدخل القصور الملكية في السعودية لتعليم أمراء الأسرة الحاكمة أبجديات اللغة والمنطق والحساب، إلى ثقل كبير لا رغبة لخادم الحرمين في رؤيته على أراضيه، لا هو ولا رفاقه، لقد تقاطع مساره في مرحلة ما مع مسار “أبو داوود” قائد ملحمة ميونيخ، أجبرته سلطة رام الله الهشّة على التقاعد المبكر بعدما طُرد في أوجّ عطائه من الرياض، ثم جاء اتّفاق أوسلو ليقتلَ ما تبقّى من أمل، بينما كانت نهاية الأول اغتيالاً مدبّراً تَمّ في لحظة حسم كبيرة انبعثت منها شظايا كثيرة أدخلت أفغانستان في تناحرات لم تتعافَ منها لحدّ اللحظة ! يسيء البعضُ للدين، ويجعل من نفسه قدّيسا وبابا من البابوات الكبار، فيساهم من حيث يشعر أو لا يشعر في إبعاد غيره عن أنوار الدين، بعد أن نصّب نفسه خليفة للّه، يشرّع ويفتي ويكفّر ويتحكّم في أبواب الجنة كما يتحكّم في أبواب النار، لتتكرّر ممارسات الكنيسة في قرون غابرة، إنهم حطبُ جهنم بعد أن اعتقدوا أنهم ملائكة الرحمن!

الفكر الأحادي لم ينحصر في البروليتاريا، ولا في ممارسات “إيزابيلا” ولا في قمع “سالازار” و”فرانكو” و”ماسو”، بل امتد إلى منابر ترفع لافتة الإيمان والنبوّة، دأبت على تقديس الحاكم أو الزعيم ورفعه لدرجة تضاهي الذات الإلهية. لم يتردّد العقيد محمد أعبابو في المغرب والملازم خالد الإسلامبولي في مصر على رفع التحدي لإيقاف مسلسل العهر والهزيمة بعدما راح السلطان ينشر غسيله على الملأ.

تكفير الحاكم ورميه بالزندقة ظَهرَ للعلن كنتيجةٍ لواقعٍ اختلطت فيه السياسة بالتدين المزيّف الممارس في قصور الصخيرات ورأس التين وعابدين. لا عجب أن ينشئ الحاكم وزارة سمّاها وزارة القصور والتشريفات والأوسمة، تقابلها في بعض بلدان “الثورة والعزّة والكرامة” رئاسة الجمهورية التي تفوق ميزانيتها ميزانية وزارات التربية الوطنية والتعليم العالي والنقل والفلاحة معاً، ليأكل ويتنعم السلطان وحاشيته دون انقطاع، في الوقت الذي يعيش فيه الشعب الجوع والغلاء والغشّ والظلم. حين يتألم المواطن ويعبرّ عن امتعاضه من مظاهر البذخ والثراء التي أصبحت سِمة مسؤولي الصّف الأول، تطاله ممارسات القمع التي يتفنّن في تنفيذها زوار الفجر، ممارسات قمعية بأجهزة تعذيب لا تتردد في إذلال المواطن والحط من معنوياته والنيل من كرامته وآدميته، لا لسبب إلا لأنه يحمل فكرة تخالف فكرة السلطان، وهذا يعيدنا لمآسي الأمة الإسلامية وتعرّضِ مفكريها ورموزها للسجن والتعذيب.

لم يتأخر الحجاج بن يوسف الثقفي في قتل سعيد بن جُبير، كما لم ينجُ أحمد بن حنبل ولا ابن تيمية من التعرض لسياط السّجان، لم يكن هؤلاء مستعدين لبيع دينهم بدنياهم، كانوا يشفقون على السلطان من حياة الغشّ والتّرف التي يعيشها ويتلذذ بها. يوم تنفيذ حكم الإعدام في الأديب الكبير سيد قطب، جيء بأحد علماء الأزهر إلى السّجن، ليلقّن السّجين الشهادة، سخر منه سيد قطب – رحمه الله – وأجابه “حتى أنت جئت تكمل المسرحية، نحن يا أخي نُعدم لأجل لا إله إلا الله وأنت تأكل الخبز بلا إله إلا الله”. اعتاد النّاس، حين تحلّ مصيبة أو فاجعة أن يسارعوا لبعضهم البعض لتقديم التعازي ومواساة أهل الميّت، لكن يبدو أنّ هذه القاعدة قد قفز عليها بعض مرضى القلوب وشاردي العقول الذين يعيشون مرضاً في الوجدان وجهلاً في الدين وأميّة في الشعور، باتوا يوزّعون صكوك الغفران والمحبّة والرضوان لكل من يصفّق لغرورهم وأحابيلهم، خطرهم كبير وكيدهم كبير، هم سبب بلاء العالم الإسلامي وتأخره وانحطاطه، وهم لا يقلّون خطراً عن المهيكَلين الذين احتكروا المناصب والزعامة لهم ولأولادهم وأحفادهم، تارة باسم الإيمان وأخرى باسم منظمة المجاهدين وثالثة بحجّة الانتماء وثوب الوطنية، بعبارة أخرى، صار الوطن ملكية خاصة!

منذ مقتل الخليفة عثمان بن عفان – رضي الله عنه – تتابعت المآسي بالمسلمين. في لحظة ما، اجتمع فيها الجهل والأمية السياسية والتّطرف الديني، محا البعض منهم كلّ أثر جميل، وحين قرّر حاكم الشام وأتباعه عدم مبايعة علي بن أبي طالب، وجد معاوية في الصّنف المذكور أعلاه السّند والدعم، بعد أن أغدق عليه المال والأرض والغنائم التي تركها الروم، بات معاوية الآن مقتنعاً بحقه المشروع في أن يجلس على كرسي الخلافة بدمشق مطمئناً وماداً قدميه دون أن يضايقه أحد، سينتقم من قتلة عثمان كما أدّعى لشرعنة خلافه مع علي، لكن هل سيتحقق ذلك بعد أن تعوّد الرجل على النعيم الذي تذره بساتين وحدائق وأنهار الشام، يبدو أن مكة والمدينة قد فقدتا بريقهما، لم تعودا في مستوى طموحات الزعيم الجديد ! قبل ظهور مملكة معاوية في دمشق، التي تجُسّدُ بداية حُكم بني أميّة، كانت الخلافة الراشدة التي احتفظت بالمدينة عاصمة لها، قد تعرضت لمطبات واهتزازات ظرفية ناتجة عن مخلفات ظلامِ وشركِ الجاهلية، ففي لحظة من حركة التاريخ، بايع المسلمون من بني حنيفة رسول الله (ص)، لكن مسيلمة لم يبايع معهم بل قال: «أريد أن يشركني محمد معه في النبوة كما أشرك موسى أخاه هارون»، فسمعه النبي (ص)، فأمسك عرجوناً صغيراً من الأرض وقال لمسيلمة: والله يا مسيلمة لإن سألتني هذا العرجون ما أعطيته لك، فخرج مسيلمة ولم يبايع الرسول (ص). عاد مسيلمة إلى اليمامة وأخبر بعضاً من قومه أن محمدًا قد يشركه النبوة، وحاول مرة أخرى، وأرسل رسالة إلى النبي جاء فيها: «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله: ألا إنى أوتيت الأمر معك فلك نصف الأرض ولي نصفها ولكن قريشاً قومُ يظلمون»، فردّ عليه الرسول محمد برسالة جاء فيها: «من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من أتبع الهدى، أما بعد، إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمتَّقِينَ». فكم من مسيلمة كذاّب ظهر، وكم من شخص تسلّق سلّم المسؤولية بسرعة قياسية وِفق إحداثيات الفكر الأموي التي أرسى مَعْلَمها معاوية وابنه يزيد، وهي الاحداثيات التي تنظر لأي عنصر آخر يخالفها الرأي والاجتهاد بأنه خطرٌ على “هيبة العائلة والدولة”، وعلى هذه الأخيرة استعادة هيبتها عبر هدم ما تبقى من جدران الوطن!

بعد أربعين عاماً من وفاة “بوب مارلي” على إثر اغتيال بطيء قامت به الـ (سي. آي. إيه)، ما زال صوته ونضاله يصنعان الحدث لدى الفقراء والمعدمين وأبناء الجيل الصاعد، فقد وصل عدد ألبوماته المباعة إلى أكثر من 300 مليون، كما صارت شعوب أمريكا أكثر تحرراً وتقدّما، في الوقت الذي نرى فيه تراجعاً خطيراً في العالمين العربي والإسلامي في مجال حقوق الإنسان والعدالة والديمقراطية، بعض أدعياء الدين والإيمان راحوا يهرولون لصفقات الرّدة والهزيمة القادمة من وراء البحر عبر سفن الغزاة، من تقبيل أيدي “غولدا مائير” إلى بوس حذاء “إيفانكا” والتبرك بنزولها في أرض الإسلام، ثم الاستمتاع بالتمرغ في وحل الخيانة والسّباحة في مستنقع الاستسلام، وسط إشادة من قِبل علماء وخطباء مكّة والقاهرة والرّباط، الذين لم يترددوا في إلهاء الرأي العام بالتصفيق لصفقة القرن، والإشادة ببناء مستوطنات الكراهية، والرضى بسرقة القدس واغتصاب فلسطين والجولان.

الفرق بين “بوب مارلي” وهؤلاء، وهو الكافر بالأديان، وهم “المؤمنون” بالدين وآياته واضح وجلي، رجل مؤمنٌ بفكرته المستوحاة من ضميره ونضاله، وآخر لا تتعدى فكرته إشباع بطنه بعد أن نسي أنّ اللّه عدالة ومحبّة !

د. عمر صافي/ فرنسا

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. مقال رائع. بارك الله فيك دكتور عمر. لقد وضعت يدك على جرح غار في جسد أمتنا منذ زمن غابر، ولم يندمل. واأسفاه!
    التدين المغشوش لا يحفظ أبدا دنيا، و لا يصون دنيا..وهل التدين الحق سوى الارتقاء بإنسانية الانسان وتحريره من غير الواحد الديان؟
    ويا للعجب، كيف يروم لاديني، لم يتيسر له معرفة دين الحق، بسبب خيانة “أهل الحق”، يروم تمجيد إنسانية الانسان، في حين يتمادى “ديني” في “عفس”تلك الإنسانية، مدعيا أنه يوقع في ذلك عن الله؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى