page contents
أقلام الوطن

المُدن الذكية في الجزائر.. بين التّصور والواقع!

مقدمة:

تستجيب المدن الذكية لمتطلبات المواطن الذي يتوق للحداثة والعصرنة وممارسة حقه في سيرورة المشاركة، واتخاذ القرار عبر آلية الديمقراطية المحلية.

تتجسد الديمقراطية المحلية في إشراك المواطن في تدبير الشأن العام المحلي بأن يكون فاعلا ومؤثرا في محيطه السياسي والثقافي والعمراني.

و بهذا المعنى، ينخرط كلية في سيرورة اتخاذ القرار المرتبط بكل نواحي معاشه اليومي على المستوى المحلي.  ويشكل المجال الترابي أحد الفضاءات الحيوية لممارسة الديمقراطية المحلية وتعد المدينة الذكية أحد تجسيداته العمرانية والثقافية.

ضمن هذا التصور نطرح الاستفهامات التالية: ما هي محددات تخطيط المدن ؟ ما هي محمولات المدينة الذكية؟ هل تجسد مدننا الذكية مشروعا حكاميا ينخرط فيه المواطن وممثلوه؟ هل حققت مدننا الذكية مبدأ الاستدامة في أبعادها: الاجتماعي، الاقتصادي والبيئي؟

أولا- تخطيط المدن:

بدأ الاهتمام يتزايد بتخطيط المدن بعدما دمرت الحروب المدن القائمة بغاية الترقيع وإصلاح ما تم تدميره،  ليتحول في ما بعد تخطيط المدن إلى الاهتمام أكثر بتشييد المدن الجديدة على مواقع مثلى، وباستخدام أمثل للأراضي وفق تهيئة كاملة لاحتياجات الساكنة من طرقات وأرصفة وشبكات مياه (…) وفق معايير تحكمها العقلانية والجمال.  ويتداخل في عملية التخطيط للمدن المحدد الطبيعي المتعلق بالدراسات الطوبوغرافية أي بدراسة التضاريس الجغرافية للمواقع لتحديد نوعية مواد البناء المستعملة،  شبكات الطرق،  شبكات المياه،  ارتفاع واتجاه المباني (…) والمحدد الاجتماعي الذي يتعلق بمعلومات سوسيولوجية عن الساكنة : التعداد،  عدد الأسر،  الحالة الاجتماعية (…)،  إضافة إلى تحديد الخدمات الاجتماعية المتعلقة بالتمدرس والصحة والترفيه (…)، وأخيرا المحدد الاقتصادي المتعلق بالمقومات الاقتصادية للمدينة المزمع إنشاؤها والتي تضمن لها البقاء والاستدامة مثل : التجارة،  الصناعة والاستثمار.

ويهدف تخطيط المدن إلى عدة مسائل نذكر من بينها: الاستجابة لحاجيات النمو الديمغرافي، توفير الأطر المعيشية الملائمة للساكنة بما في ذلك عنصر الترفيه،  التوزع والانتشار المتوازن للساكنة بالنظر إلى حجم المساحة الجغرافية للبلد الذي يتيح الاستغلال الأمثل والمستديم للموارد بما في ذلك مسألة المحافظة على البيئة.  وتتدخل عدة تخصصات في تخطيط المدن من أهمها : التهيئة الترابية،  التهيئة الحضرية،  الهندسة المعمارية،  الهندسة المدنية،  علم الاجتماع،  الجغرافيا،  الاقتصاد (…). والعلاقة بين هذا التخصصات في هذه المسألة متكاملة على وجه عام رغم عدم خلوّها من بعض التوترات الناتجة عن التنازع في المهام،  الصلاحيات والأدوار.

ويستوجب تخطيط المدن الذكية عدة عناصر، من بينها: التكامل والاندماج،  الواقعية والعقلانية في علاقة الوسائل بالأهداف، الاستدامة والرفاه وإيجاد الموازنة بين الأبعاد: الاجتماعي،  الاقتصادي والإيكولوجي.

ثانيا – المدينة الذكية: استجلاء البدايات والدلالات وقراءة للواقع:

شكّل التطور التكنولوجي، بدءا من العقدين الأخيرين للقرن العشرين، دعامة قوية لمجمل التحولات السياسية،  الاجتماعية والعمرانية، مما ولد أنماطا ثقافية جديدة لمجتمع جديد يعتمد بصفة متزايدة على المعرفة والذكاء بالارتكاز على التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال (LES NTIC)، ولاسيما الوسائط الافتراضية.

ارتبط تصور وميلاد المدن الذكية بهذه التحولات كما ارتبط أيضا بأيديولوجية المنظومة الليبرالية التي تسعى إلى تعظيم الفائدة والتقليل من التكلفة (دور شركة IBM الأمريكية في نشأة مصطلح المدينة الذكية)، وأصبحت بذالك المدينة الذكية التي تعددت مسمياتها إلى المدينة الرقمية،  الافتراضية،  الإلكترونية،  التكنولوجية،  الإيكولوجية أو الخضراء (…) اختيارٌ بديل في أوساط صناع السياسات العامة في مختلف أرجاء المعمورة بالنظر إلى تزايد تعداد السكان وارتفاع سقف انتظارا تهم من الفضاءات العمرانية، مما ولد تحديات وإكراهات في ما تعلق بإشكالية تخطيط المدن التي ترتبط وظيفيا بتوفير كل الخدمات والهياكل دون أن ننسى الموارد البشرية التي من شأنها مجابهة تلك الانتظارات “النوعية” المرتبطة بظروف معيشة الساكنة.  ومن ثمّ ضمان استمرارية واستدامة هذه المدن الذكية بالنظر إلى معضلات الطاقة المياه،  النقل،  تدبير النفايات والمنتجات الخضراء بغاية تحقيق الرفاه للساكنة بمعنى آخر فالمدينة الذكية (Smart City) تتوفر بالضرورة على نوعية حياتية متميزة من حيث الوسائل التكنولوجية : توفر شبكة اتصالات سلكية ولا سلكية وتدفق عال للإنترنت (…)،  الهياكل الثقافية،  الخدمات الصحية،  تعليم نوعي،  وسائل الترفيه،  منشآت سياحية نشطة وآمنة وبيئة نقية وجاذبة.

الخلاصة:

المدينة الذكية تفترض توفر اقتصاد ذكي وحكامة ذكية مرتبط أساسا بالمواطن الذكي. وقبل ذلك بالمسيّر أو بالمقرر- السياسي – الذكي في كل مضارب الشأن العام. وبمعنى آخر، فالمدينة الذكية (على غرار مدينة دبي ومدينة سنغافورة ( هي نتاج لنماذج ثقافية واقتصادية توصلت إليها المجتمعات في رحلة البحث عن نوعية الحياة والرّفاه.

إن المدن التي تم تأسيسها في بلادنا تحت مسمى المدن الذكية (Les Villes intelligentes) هي بعيدة كل البعد عن ظاهرة الذكاء في مختلف أبعادها وتجسيداتها.  فهي عبارة عن مدن بلا روح وبلا جمال وتفتقد لمقومات المدينة الذكية في ما يتعلق بالتكنولوجيا،  الخدمات الصحية،  نوعية التعليم ووسائل الترفيه وأيضا في كونها أحياءً منعزلة ومغلقة غير مندمجة وغير متكاملة، بل منفرة للحياة المشتركة ومشجعة للاستقطاب المقيت. لقد بنيت هذه المدن بنية استيعاب الجموع الهائلة من طلبات السكن لتكون مراقد (Des Dortoirs) وليس فضاءات حيوية متكاملة ومنتجة للتعاون والتضامن والإبداع بغاية النشاط واستدامته.

وهذه الاختلالات العضوية والوظيفية مرتبطة بعجز الإدارة على المستوى المركزي والمحلي في تسيير المدن الكلاسكية وحاجياتها القاعدية مثل توفير الماء بشكل منتظم،  تعبيد الطرقات داخل المدن،  الأرصفة،  نظافة المدن وأمنها،  الخدمات الصحية،  المواصلات وخدمات الإنترنت (…) إضافة إلى ذلك مسألة تغوّل السياسي على التقني أي جموع المتخصصين في تخطيط وتسيير المدن ؛ فعوض أن يكون السياسي مرافقا إيجابيا للتقني أو العلمي صاحب المعرفة والدراية أصبح صاحب الكلمة الفيصل في دقائق هذه المسألة التقنية والعلمية مما أنتج قرارات عشوائية وفوضوية في ظل غياب الديمقراطية المحلية أو التشاركية المجسدة لانخراط المجتمع المدني في الحكامة المحلية.  هذه النوعية من القرارات أثرت على مدننا الكلاسكية وأثرت أيضا على مصير المدن التي سميت بالذكية – محاكاة للمودة العالمية في تخطيط المدن – وهي بعيدة كل البعد عن تمظهرات الذكاء الطبيعي والاصطناعي.

(للمقال مراجع)

الأستاذ فؤاد منصوري – جامعة عنابة

[email protected]

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى