page contents
نقاشات الدستور

المُشرِّعُ الدُّستوري وهَندسةُ نظامِ حُكمٍ متكاملٍ.. كَمن يُقاربُ ثمَّ لا يُسدِّد!

قراءةٌ بدِلالةِ الأرقَام في مُسوَّدة التَّعديلِ الدّستوريِّ لسَنة 2020

لم يعد غريبا على أي راءٍ ومتابع داخلي أو خارجي للشأن العام في الجزائر أن يرى تنبّت دستور جديد ينظّم جنبات المجتمع، ويضطلع بإعادة ترتيب أوراق الدولة غداة مجيء أي رئيس جديد أو تغيير يمس كينونة البلد أو إطارها السياسي والاقتصادي، بدءًا بدستور 1963 الذي منح للدولة الجزائرية نظاما رئاسيا في صورته (البَنبلية)، ثم دستور 1976 (البومديني) الذي كرّس هيمنة (الرجل الأوحد) فلم يتغير بناء النظام فيه بعد 11 سنة من فك الارتباط بنظام الرئيس بن بلة.

وغداة التحوّل الاقتصادي والهزة الاجتماعية والسياسية التي صاحبت أحداث أكتوبر 1988، اعتقد البعض أن دستور الإصلاحات الذي روّج له سيكون منقلبا على شكل ممارسة الحكم مادام أن المبشرين بشروا بميلاد التعددية والانفتاح عبر مواده، فاعتقد المتفائلون أن دستور فبراير 1989 سيكون آخر عهد بالتضخم في سلطات الرئيس لصالح سلطات البرلمان والحكومة المنتخبة، لكنه بقي دستورا (شاذليا) بمسحة إصلاحية فحسب، ثم امتدادا له جاء دستور (زروالي) بنكهة تغييرية سنة 1996 عمّر 12 سنة قبل أن يطاله تعديل (بوتفليقي) مزاجي سنة 2008، لدفع (خطر التوقف عن ممارسة السلطة) بنهاية شرط العهدتين، ثم تعديل اضطراري سنة 2016 لدفع (خطر فناء السلطة) في حد ذاتها بعد موجات الربيع العربي.

منذ 1989، نجد أن المشرّع الدستوري وحتى المقرّر السياسي يجدان صعوبة جمّة في هندسة نظام الحكم

واليوم، نقف على مسودة دستور جديد غداة تسلّم السلطة رئيس جديد، فكيف رسم المشرعون إطاره المرتبط بنظام الحكم بعد تجارب لخمس دساتير تخللتها ثلاث تعديلات؟

محاولاتٌ متكرِّرةٌ لبناء نموذَجٍ “جزائِريّ عَمليٍّ” من إطار”عَالميٍّ نَظري

المشرّع الدستوري الجزائري الذي وجد نفسه أمام دولة مستقلة بعد استفتاء جويلية 1962، لم يأخذ وقتا طويلا ليحدد خيارات الدولة الوليدة قانونيا، فوضع أمامه ثلاث أطر نظرية لعلماء السياسة والقانون ولها تطبيقاتها الدولية، فكانت درجات الصعوبة في الاختيار وحسم القرار متدرجة من الأولى إلى الثالثة، ففي حين أنه لم يأخذ وقتا ولا وجد صعوبة في الاختيار في الإطار النظري الأول الذي يصنف أنظمة الحكم حسب استلام رئيس الدولة مقاليد الحكم إلى (ملكي) و(جمهوري)، فكان الاختيار الجمهوري سريعا لعوامل وأسباب كثيرة، وفي الإطار النظري الثاني أيضا الذي يصنف أنظمة الحكم حسب طريقة تولي السلطة، بدا الاختيار سريعا من الناحية النظرية لنظام الحكم الديمقراطي الذي يعتمد على مشاركة مواطني الدولة في مختلف شؤونها، لكنه كان من الناحية العملية مقتربا إلى نظام الحكم الديكتاتوري الذي تحتكر فيه جميع السلطات في يد شخص واحد أو سلطة بعينها (1963 – 1989).

لكن، درجة الصعوبة زادت والوقت في حسم القرار تراخى أكثر فأكثر في الإطار النظري الثالث الذي يصنف أنظمة الحكم حسب العلاقة بين السلطات إلى نظام حكم رئاسي أين تحتفظ السلطة التنفيذية فيه بقوتها أمام السلطة التشريعية ويقوم على انتخاب رئيس يجمع إليه جل السلطات، ونظام حكم برلماني قائم على أساس الموازنة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وكل منهما تمارس رقابتها على الأخرى.

من أبرز تجليات التّخبط لدى المشرّع الدستوري خلال هذه المسودة، والتي تنم عن عدم القدرة على هندسة نظام حكم قار، هو ذلك الإصرار على إبقاء المزج الغريب بين مقومات النظام البرلماني وأسس النظام الرئاسي

في هذا الإطار بالذات، ومن خلال استقراء أغلب التعديلات الدستورية منذ 1989،. نجد أن المشرع الدستوري وحتى المقرر السياسي يجدان صعوبة جمة في هندسة نظام حكم (منضبط) ووفق العقيدة الجزائرية لأجل حسم القرار لواحد منها تحديدا، أو عمل خليط منها واستنبات نظام حكم هجين يجمع بين الثانية والأولى، ويأخذ من الأولى إلى الثانية.

تَضخّمُ الأنَا الرِّئاسيِّ وانحِسارُ سلطاتِ الشّعبِ.. دِلالاتُ الأرقامِ

وردت مسوّدة التعديل الدستوري الأخيرة مضخمة حدَّ التخمة، حيث بلغ عدد مواد الدستور المراد تمريره بالاستفتاء (240 مادة) مقابل (218 مادة) في الدستور الحالي (2016)، والذي يعتبر بدوره “ضخما”، حيث نلاحظ زيادة في عدد المواد في كل دستور عن الذي سبقه، وبمقارنة هذا الدستور (المسوّدة) بدستور 1963 نجد أنه يفوقه بأربعة أضعاف كاملة.

بلغة الأرقام، وحسب دراسة للدكتور عبد القادر عبد العالي من جامعة سعيدة، فإن عبارة (رئيس الجمهورية) قد تكرر ورودها في المسوّدة (104 مرة)، بينما لم يتكرر ورود كلمة (البرلمان / السلطة التشريعية) إلا (71 مرة)، وعبارات (القضاء / المجلس الأعلى للقضاء) تكرّرت (30 مرة) فقط، أما عبارة (الشعب الجزائري) فلم تتكرر خلال الـ 240 مادة إلا (10 مرات) فحسب.

لغة الأرقام تشير بوضوح إلى تضخيم مقصود للسلطة التنفيذية عموما ولسلطات رئيس الجمهورية خصوصا من خلال النص الدستوري المقترح، وهي ميل واضح لتكريس الطابع الجمهوري للدولة ونظام الحكم الرئاسي أمام سلطات يفترض فيها أن يكون لها بروز هي الأخرى، وأبرزها سلطات الشعب التي تعبر عنه في المشهد السياسي للدولة المؤسسات التي ينتخبها وأبرزها البرلمان، وخاصة أن التعديل الدستوري حمل إشارة إيجابية منذ البدء بدسترة (الحراك الشعبي) في الديباجة، ومع ذلك فلم يتم عكس ذلك من خلال مواد دستورية تعطي يدا طُولى للشعب ومؤسساته المنتخبة على حساب السلطة التنفيذية التي يمثلها رئيس الجمهورية وهو أيضا منتخب من طرف الشعب لكن يقوم إلى جانبه كثير من الأشخاص والمؤسسات غير المنتخبة ولكن معينة كرئيس الحكومة والولاة والمدراء التنفيذيون وكثير من الهيئات الاستشارية والرقابية.

لغة الأرقام تشير بوضوح إلى تضخيم مقصود لسلطات رئيس الجمهورية، وهي ميل واضح لتكريس نظام الحكم الرئاسي أمام سلطات يفترض فيها أن يكون لها بروز – هي الأخرى – وأبرزها سلطات الشعب

من أبرز تجليات التخبط لدى المشرع الدستوري خلال هذه المسودة والتي تنم عن عدم القدرة على هندسة نظام حكم قار هو ذلك الإصرار على إبقاء المزج الغريب بين مقومات النظام البرلماني وأسس النظام الرئاسي، فلا نظام الحكم رئاسي صرف بكل أسسه وما هو معمول به في الدول التي تتبناه، ولا هو برلماني بمقوماته المعروفة في مواطن تطبيقه، فالمشرع ما يزال يحفظ لرئيس الجمهورية من خلال المسوّدة المعروضة للإثراء صلاحيات كثيرة تضخّم وتكرس المنحى الرئاسوي لنظام الحكم وتعطي الانطباع بأنه نظام رئاسي مكتمل البنيان (من المادة 88 إلى المادة 98) بكل فقراتها.

والمسودة أيضا ورغم أنها أسقطت حقا قديما لرئيس الجمهورية للتشريع بالأوامر خلال فترة “عطلة البرلمان” إلا أنها لم تسقطه نهائيا عنه بل مكنته منه في فترة “شغور البرلمان” بحسب المادة 146، كما تقترح المسودة 11 مجلسا استشاريا كلها بالتعيين من لدن السلطة التنفيذية وبصلاحيات منقوصة وغير ذات تأثير، إضافة إلى 08 مجالس رقابية تغيب عنها “الخصوصية الانتخابية” بالكامل ويعلوها جميعها “عيب الإشراف الرئاسي” حيث أن لرئيس الجمهورية فيها موطئ قدم برئاسة بعضها (كالمجلس الأعلى للقضاء) أو تعيين رؤسائها (كالمحكمة الدستورية) وحقه في تعيين عدد من أعضائها، وفي المقابل لا يزال المشرع الدستوري يحتفظ بين جنبات هذه المسودة بمبدأ ازدواجية السلطة التنفيذية كواحدة من مقومات النظام البرلماني (الباب3 / الفصل2 / المواد 101 إلى 111)، مع تعيين رئيس الجمهورية للحكومة ورئيسها أيضا لا بانتخابهم كما أنه ينهي مهامهم، والمفارقة أن الرئيس غير ملزم بتعيين رئيس الحكومة من الأغلبية البرلمانية ولو أته يستشيرها بحسب الفقرة 7 من المادة 95 مع بقاء تلك الاستشارة غير ملزمة حسب منطوق المادة سالفة الذكر، وكان حريا بالمؤسس الدستوري أن يشير بإلزام رئيس الجمهورية أن يكلف مرشح الحزب أو الائتلاف الفائز بالانتخابات التشريعية برئاسة الحكومة عوض تعيينه بدون سند مشروعية.

من أوجه تضخّم النظام الرئاسي في الجزائر، بحسب الدستور الحالي (مارس 2016) أو مسودة التعديل المرتقب (2020)، هي أن أمر المبادرة بالتعديل معقودة بيد رئيس الجمهورية

يصّر المشرع الدستوري أيضا على الإبقاء على ازدواجية البرلمان كما لو أننا في بيئة نظام برلماني يتكون من غرفتين، ومع ذلك فهيمنة السلطة التنفيذية واضحة عليه بغرفتيه، فلا يزال المشرع يحتفظ لرئيس الجمهورية بحق حلّ المجلس الشعبي الوطني “بدون إبداء الأسباب” (المادة 156)، وله الحق في تعيين ثلث أعضاء الغرفة السفلى للبرلمان، لكن هذا الأخير لا يمارس رقابة بأي شكل من الأشكال على رأس السلطة التنفيذية.

رَمزيّةُ المبادرةِ بالتَّعديل تَعميقٌ آخرَ للهُوّة بين “مَنبعِ القَرارِ” و”مَصبِّ” التّنفيذِّ”

وجهٌ آخر من أوْجُه تضخم النظام الرئاسي في الجزائر بحسب الدستور الحالي (مارس 2016) أو مسودة التعديل المرتقب (2020)، وهو أن أمر المبادرة بالتعديل معقود بيد رئيس الجمهورية الذي عبر عن ذلك صراحة في خطاب التنصيب في 19 ديسمبر 2019، ونفذ أولى خطواته بتاريخ 08 جانفي 2020 عندما عين “أحمد لعرابة” ولجنته من القانونيين لمباشرة مهامهم في إعداد مسوّدة دستور جديد. والشيء نفسه قام به سلفه (المعزول) عندما بادر بنفسه بإعلان رغبته في تعديل الدستور في ثلاث مناسبات في سنوات 2001 و2008 وأخيرا في 2016.

ما تزال المسودة الحالية أيضا في المادة 230 تعطي لرئيس الجمهورية الحق في المبادرة بتعديل الدستور، وتعطي الوثيقة أيضا في مادتها 233 الحق ذاته للبرلمان، لكن بمبادرة من ثلاث أرباع (¾) أعضاء الغرفتين، وحتى في حال تمريره بهذه الطريقة يبقى حق طرحه مسندا لرئيس الجمهورية الذي (يمكنه) طرحه للاستفتاء الشعبي، ويبقى أن نضع كذا سطر تحت عبارة (يمكنه) الواردة في منطوق المادة 233 التي قد تعني “الرغبة” لديه، إن شاء طرحه للشعب وإن شاء أحجم عن ذلك.

د. جيدور حاج بشير

أستاذ العلوم السياسية / جامعة غرداية

bachir2001@gmail.com

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق