page contents
الثقافة

الناقد الجزائري المغترب أزراج عمر: المشهد الثقافي بالجزائر أشبه بقطيع يقوده راع نائم

للمؤلف أزراج عمر، مئات المقالات السياسية والترجمات الثقافية المنشورة يوميا وأسبوعيا على عدة صفحات جزائرية وعربية، نشاطه في بريطانيا بدأ من عام 1986 إلى عام 2020 على التوالي، وليربط جسرا ما بين العرب والغرب أصدر مجلة “مثاقفات” التي اعتبرها ثمرة لمثاقفته المتواصلة مع الحركة الثقافية العالمية.

يعد قامة إبداعية من خلال دواوينه الشعرية “وحرسني الظل”، “الجميلة تقتل الوحش”، “العودة إلى تيزي راشد”، وكتابات أخرى على غرار “الحضور” (مقالات أدبية)، “منازل من خزف” (دراسة ثقافية)، “مفاتيح اللانهائي” (مختارات من الشعر الغربي)، “في الطريق إلى الثقافة” (مقالات في النقد الثقافي).

حوار: صارة بوعياد

حدثنا عن تجربتك الإعلامية في مجال الثقافة؟

أقدم هنا بعض شذرات تجربتي في مجال الصحافة الثقافية بالتركيز على الصحافة المكتوبة علما أنَ الحديث المفصل والنقدي بخصوصها يطول حقا. سأبدأ هكذا: في نهايات ستينات القرن الماضي نشرت كتاباتي الشعرية والنقدية الأدبية بجريدة الشعب والمجاهد الأسبوعي وفي أوائل سبعينات القرن نفسه نشرت إنتاجي الأدبي في مجلة “المجلة” المصرية التي كان يشرف عليها الكاتب المصري يحيى حقي والشاعر المصري صلاح عبد الصبور، ثم في مجلة “الأقلام” العراقية، مجلة “روز اليوسف” المصرية إلى جانب النشر في الصحف الجزائرية، وهذا يعني أن حياتي الأدبية المبكرة ومنذ أكثر من 47 سنة قد ارتبطت بالأقسام الثقافية جزائريا وعربيا مشرقيا لغاية عام 1976 حيث انخرطت في مجلة “الوحدة” التابعة حينذاك لإتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية وتعاونت معها ككاتب في القسم الثقافي، ثم أشرفت لمدة على بريد الشعر فيها وساهمت في اكتشاف وتشجيع عدة مواهب وهي تحتل اليوم مكانا لها في المشهد الشعري الجزائري ولا داعي لذكر الأسماء تجنبا لحساسيات معروفة.

وفي عام 1980 صرت بمجلة “المجاهد” الأسبوعي كمحرر ثقافي، وفي عام 1981 انتخبت باتحاد الكتاب الجزائريين أمينا وطنيا للعلاقات الخارجية وأسسنا في الاتحاد مجلة “الرؤيا” وساهمنا فيها جماعيا كتابة وإشرافا على ما ينشر فيها، هذا من حيث الجانب المهني التقني والممارسة أما من ناحية الأهداف فكانت علاقتي بالصحافة الثقافية في المرحلة القديمة من  حياتي تنقسم إلى شقين وهما إطلاق سراح الذات شعريا ونقديا سواء على مستوى الصحافة الأدبية الوطنية أو على مستوى الصحافة الثقافية العربية، وكسر الجدران التي كانت تطوَق الموهبة الشعرية الجزائرية الفردية والجمعية بما في ذلك موهبتي جزائريا وعربيا معا.

يمكن القول إن المعركة الأدبية التي خضتها في عام 1970 مع الناقد الأدبي التقليدي الدكتور محمد مصايف على الصفحة الثقافية بجريدة “الشعب” قد ساهمت جزئيا في تثبيت أقدام  الشعر التفعيلي بالجزائر، بغية تحديث الحساسية الشعرية الجزائرية الناطقة باللغة العربية ولقد أدى ذلك إلى التمهيد لتجاوز النمطية التقليدية التي كانت آنذاك السمة الغالبة على بنية النموذج الشعري الجزائري باللغة العربية.

كيف تجد المشهد الثقافي في الجزائر؟

هذا المشهد هو جزء من “عطالة” المجتمع، وهو في وضعه الحالي أشبع بقطيع يقوده راع نائم. لا شك في أن للجزائر خزان من المواهب والكفاءات الإبداعية والفكرية ولكنها تعاني من “التحقير” المعنوي و”التفقير” المادي، السائد  في العرف السياسي الجزائري أن الثقافة لا تعد قيادة روحية للمجتمع المدني والسياسي معا وجرَاء ذلك يقصى قادة الفكر ويطوقون ويفرض عليهم السقف وتفرض عليهم القوالب المحلية المتخلفة، إذا نظرت ، مثلا، إلى المعمار الجزائري المتوحش فإنك تدركين بعد التفكير النقدي فيه أنه تعبير غير واع غالبا عن البنية الثقافية والفنية التي تفرضها البيروقراطية على قرانا ومدننا وتقوم بتشويهها وسرعان ما يتم إسقاط هذا التشويه على النفسيات التي تصبح مع الوقت أمَارة بالسوء ضد الجمال والجلال بالمفهوم الفلسفي الكانطي، ثم تجند ضد كل ماله صلة بمقومات الحضارة.

كيف تجد الإعلام الثقافي اليوم في الجزائر وما هو واقع وأفاق المجلات الثقافية في الجزائر؟

الإعلام الثقافي في الجزائر راهنا راكد وباهت بكل المعايير سواء على مستوى الصحافة المكتوبة أو على مستوى قنوات التلفزيون والإذاعة والسبب في ذلك يكمن في تفشي مرض إسناد الأقسام الثقافي للصحافيين والصحافيات الذين لم يتكونوا تكوينا فكريا ونقديا ويعوزهم التخصص الأكاديمي والإبداعي العميقين في مجالات المسرح والشعر ومختلف الأجناس الأدبية الأخرى، وزيادة على ذلك فإن غياب النقاد كمشرفين على الأركان الثقافية في هذه الوسائل الإعلامية قد ساهم بقسط وافر في تهميش الشعر والقصة القصيرة مثلا في أغلب الصحف والمجلات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية وهلم جرَا، والأدهى هو أن وزارة الثقافة  منذ وفاة الرئيس هواري بومدين لم تعد تملك أي مشروع ثقافي وفكري فضلا عن اكتفائها بالإشراف على “الموت” الإكلينيكي للمجلات القديمة الثقافية والفنية التي كانت تصدرها هذه الوزارة من قبل.

وبصريح العبارة فإن ضعف المجلات الثقافية الجزائرية الرسمية وغير الرسمية ليس استثناء وإنما هو جزء من بنية التخلف الثقافي والفكري في بلادنا، ومن النتائج التي كرسها جهل المسئولين على الثقافة وهياكلها المختلفة. لقد قد تدهورت المجلات الثقافية عندنا أكثر منذ عام 2002 حتى الآن عندما صارت وزارة الثقافة تسند إلى أشباه أدباء نرجسيين أو إلى مجرد أكاديميين لا صلة لهم بفقه إدارة الشأن الثقافي ولا علاقة بالهندسة الحداثية والعصرية  والحضارية للفن والثقافة في المجتمع وبسبب ذلك بقي الوضع الثقافي مجمدا حينا ومناسباتيا “إخوانيا” حينا آخر، والمجلات الثقافية هي مرآة لفقدان بوصلة الإقلاع الثقافي المتطور في عهود هؤلاء الوزراء الذين حولوا وزارة الثقافة إلى خلاء تصحَر فيه الطموح الثقافي لبلادنا، وأجهض أي إقلاع ثقافي وفني محليا ورسَم الفشل في توصيل الإبداعات الجزائرية خارج حدود الوطن.

وهل وراء إصدار مجلة مشروع أم مجرد ارتجال؟

في هذا الشأن بالذات أتفق معك أن الارتجال كان ولا يزال سيد الموقف والدليل على ذلك هو مجلة “إنزياحات” التي  صدرت مؤخرا لم تتأسس على أي معيار فكري وفني عصري ومتطور، كما أنها أسندت إلى أشخاص يفتقدون إلى الخبرة النظرية والميدانية في إدارة المشاريع الثقافية والفكرية الكبرى التي تضطلع بها المجلات المتطورة في عالمنا المعاصر، هذه المجلة وغيرها من مجلات الجزائر لا تقدر أن تنافس المجلات المتطورة في المحيط العربي الإقليمي وفي عمقنا الأفريقي وفي المسرح العالمي بشكل عام جراء ضعفها شكلا ومحتوى ودورانها في “الاخوانيات” الثقافية المتخلفة والنمطية.

حدثنا عن تجربتك في إصدار مجلة “مثاقفات” خارج الحدود الجزائرية؟

الهدف الجوهري من إصداري  لمجلة “مثاقفات” على نفقتي الخاصة هو ابتكار نوع من الحوارية الخصبة مع الثقافات الأجنبية وتقديم طاقاتها الفكرية والروحية الأكثر تطورا وإنسانية لقرائنا وخاصة في المهاجر الأوروبية والغربية، مجلة “مثاقفات” هي أول مجلة فكرية وثقافية ذات أفق عالمي تصميما وإخراجا ومضمونا وإستراتيجية يصدرها مواطن جزائري في المهجر البريطاني وفي الغرب بشكل عام حتى يومنا هذا، وهي توزع في عدد من الدول الغربية الأساسية.

في تقديري فإن مجلة “مثاقفات” هي نتاج 36 سنة من عملي الثقافي والفكري والإعلامي  في هذه الجزيرة البريطانية الرائعة، وأنها ثمرة لمثاقفتي المتواصلة مع الحركة الثقافية العالمية، وذلك من خلال موقعي البريطاني وبفضل رحلاتي الكثيرة في فضاءات ثقافات البلدان الغربية، ولتأملي الروحي لطموحات “العقل الغربي” الحديث.

على مدى 36 سنة من إقامتي ببريطانيا وأنا أتدرب على الحياة وأتعلم أكاديميا وإعلاميا وفنيا وأدبيا وكانت غايتي محو لعنة “الأمية” التي لصقت بي طوال إقامتي بالجزائر، وهكذا أعتقد أن مجلة “مثاقفات” هي جزئيا “دال “signifier على هذا المحو التدريجي للأمية النفسية والفكرية والروحية التي كثيرا ما حاصرتني بقسوة، والحال فإنه من الصعب أن تطرد جلد  التخلف عن الروح بدون بعض الألم .

أكثر من 50 سنة في عالم الإبداع كيف تلخص لنا هذه التجربة كقامة إبداعية؟

بعد 50 سنة من التعلم وتكوين النفس وكتابة أكثر من خمسين كتابا بين الشعر والنقد الثقافي والفكري والترجمة والتحليل السياسي فإن الذي حققته هو أنني قد صرت أدرك أنني لا أزال أواصل السير على الدرب باتجاه أفهم حقيقة وهي أن اكتشاف “الجهل” في النفس وفي المجتمع هو الطريق الملكي إلى صنع الحياة.

ما هو الجديد التي تشتغل عليه وهل مازال الشعر يتغزل بك؟

حاليا أعيش وأكتب وأفكر وأجمع وأصنَف وأنقَح مسودات كتبي غير المطبوعة لكي أتركها للناس، كما أخطط  في “مخيلتي” مشروع عمل شعري قد أختم به حياتي قبل أن أنسحب مثلما يختفي الظل في مجرَات العتمة.

اظهر المزيد

صارة بوعياد

صحفية جزائرية، متحصلة على شهادة الماستر تخصص علم الإجتماع، مهتمة بمتابعة الشأن الثقافي الجزائري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى