page contents
أقلام الوطن

النظرية الخلدونية.. الإرث السّوسيولوجي المنسي.. !

(الجزء الثاني والأخير)

مقدمة:

المعرفة العلمية معرفة متراكمة عبر الحقب الزمنية الممتدة. بدأ استقلال العلوم الطبيعية عن المعرفة اللاهوتية وعن الخرافة والأساطير في بداية الأمر ثمّ ما لبثت العلوم الإنسانية والاجتماعية أن لحقت بهذا التوجه. ولعلّ سبب التأخر يرجع إالى تعقد الظاهرة الاجتماعية مقارنة بالظاهرة الطبيعية الشفافة المعطاة. وبحثا عن تلك الاستقلالية، حاكت العلوم الاجتماعية نماذج التفاسير وأنماط المحاججة التي تبعتها العلوم الطبيعية في البداية، وما لبثت أن أدركت أنها متميزة بمناهجها باعتبار أن الموضوع مختلف تماما (خصوصية العلم الإنساني).

لقد أدرك ابن خلدون أهمية وجود علم إنساني أو اجتماعي لدراسة الظاهرة الاجتماعية في جميع تشعباتها ومحاولة التنبؤ بالقوانين التي تفسر انتظاماتها وتحولاتها.

كيف فهم ابن خلدون الظاهرة السياسية والاقتصادية والتربوية في العالم العربي ؟ وكيف فهم التحولات التي تطرأ على تلك الظواهر ؟

أولا- الظاهرة السّياسية في العالم العربي حسب المنظور الخلدوني:

تمر الدولة في التصور الخلدوني بخمسة أطوار :

الطور الأول: وهو طور الاستيلاء على السّلطة وانتزاعها من الدولة القائمة.

الطور الثاني : وهو طور الاستبداد على قومه والتفرد بالسلطة.

الطور الثالث : وهو طور الفراغ وتجميع محصلات الملك.

الطور الرابع : وهو طور المساكنة والمسالمة.

الطور الخامس : وهو طور التبذير والإسراف تهرم وتشيخ فيه الدولة وتنهار.

و بلغة الأجيال تمر الدولة بثلاثة أجيال ليصل عمرها مائة وعشرين سنة :

الجيل الأول : وهو جيل البداوة والخشونة.

الجيل الثاني : وهو جيل التحول بالسلطة من حالة البداوة (حيث تكون العصبية في أوجها) إلى حالة الحضارة (حيث تضعف العصبية) وبداية التفرد بالحكم.

الجيل الثالث : وهو جيل البذخ والترف الذي يشهد زوال الدولة القائمة.

و يضرب ابن خلدون مثالا لتوالي الأجيال بمملكة غرناطة التي عاش بها ثلاث سنوات :

  • مرحلة الإنشاء (الجيل الأول ): أسس محمد الأول هذه الدولة بفضل العصبية: بدو بني مرين القادمين من المغرب
  • مرحلة القوة (الجيل الثاني ): وهي مرحلة التنظيم وبروز الجيش المحترف على يد محمد الثاني المدعو الفقيه.

 يواجه محمد الثاني جبهتين: جبهة في الداخل وهي عصبيته الأولى التي تضغط عليه بغاية المشاركة في السلطة وجبهة من الخارج متمثلة في الهجومات المتكررة من إشبيليا وقرطبة والمغرب أي تحالف الإسبان والمسلمين المغاربة ضد مملكة غرناطة التي كانت تعرف بدمشق الأندلس أو دمشق إسبانيا. يشهد هذا الجيل حياة مزدهرة علميا وتقنيا.

 ج. مرحلة الانهيار (الجيل الثالث): هذا الجيل يشهد تشتت عصبيته، تذهب همته، يميل للتقليد لا الابتكار، تكثر الهجومات والاغارات في عهده مما يسرع في زوال الدولة القائمة لتبدأ مرحلة جديدة مع محمد الخامس.

تعتمد الدولة في قيامها على القوة المتوفرة بفضل العصبية التي غايتها الملك وتكون في أوجها عند مجتمع البدو- البادية – وفي مستوياتها الضعيفة عند مجتمع الحضر – المدينة–

استند التصور الخلدوني إلى الدولة العربية على نموذج المماثلة العضوية مع حياة الفرد في إطارمبدأ الحتمية التاريخية، أي كما تتأسس الدولة تنهار في الأخير لتأتي محلها دولة جديدة معتمدة على العصبية الأقوى أو تحالف مجموع عصبيات لتسلك بدورها المنحنى الهرمي: تأسيس، قوة وانهيار أي أن التاريخ مسار يكرر نفسه بأشكال مختلفة وهذا ما يطلق أيضا عليه بالدورة الحضارية المفسرة لنشأة ظاهرة الدولة وظاهرة المجتمع أيضا.

أما أشكال الحكم التي عرفتها الدول العربية على زمانه فهي:

  • الرياسة أو الرئاسة : وهي مرحلة ارتباط الحاكم بعصبيته مثل شيخ القبيلة المتواصل مع عصبيته.
  • الملك: ويشير إلى الحكم المطلق أي انفصال الحاكم عن عصبيتة وهو نوعان : ملك طبيعي الذي يشاور الآخرين في الرأي ولا يتفرد تفردا مطلقا في اتخاذ القرارات وملك غير طبيعي وهو الملك الذي يتجه للفساد علامة زواله والذي وجب تغييره.

 ج. الخلافة: وهي منصب ديني وسياسي مرتبط بالخلافة الإسلامية.

ثانيا- الظاهرة الاقتصادية في العالم العربي حسب المنظور الخلدوني :

 لقد أشار ابن خلدون إلى أهمية العامل الاقتصادي في تكوين المجتمع قبل ماركس ولو في سياقات مختلفة. فهو مفسّر رئيس لإنتاج الحياة الاجتماعية. استعمل ابن خلدون مصطلح الرزق وهو الهبة من عند الله مثل الحديد الذي وهبه الله للإنسان وهو موجود في الطبيعة. وبهذا المدلول، فالرزق في الأصل حلال ومشروع أما الكسب فيخضع إلى مبدأ التداول أي الاستعمال، فإذا كان هذا الكسب متداولا بما ينص عليه الشرع الإسلامي فهو كسب مشروع أي حلال والعكس بالعكس صحيح. إن أساس الثروة عند ابن خلدون هو العمل والرزق يحتاج إلى السعي الدائم. بالنسبة إلى الموارد الاقتصادية فهو يحصرها في الفلاحة والصيد وتربية المواشي. هذه الموارد متوفرة في فضاء البوادي. أما الصنائع فهي متشعبة ومنها: التطبب، التعليم، الخزف، النجارة، الحدادة. .. ومجمل هذه الصنائع موجد في فضاء المدن أو الحواضر. ومن ملامح التكامل بين المدينة والبادية هو تبادل المنتوجات الزراعية (تبعية المدينة للبادية ) وخدمات الصنائع (تبعية البادية للمدينة ).

ثالثا – الظاهرة التربوية في العالم العربي حسب المنظور الخلدوني :

 أشار ابن خلدون بعد المعاينة للنظام التربوي في العالم العربي بمشرقه ومغربه إلى القواعد البيداغوجية التالية :

  • تفادي كثرة التآليف لأنها عائق في التحصيل التربوي والعلمي فتعدد الاصطلاحات وتعدد طرقها وتشعبها المفرط لن يخدم العملية التربوية في نظره.
  • تفادي الاختصار، فحصر المسائل يؤدي إلى الإخلال بالمعنى ووجب الاعتماد على أمّات الكتب في كل مسألة.

ج. تجنب الإطالة أو التطويل ويكون ذلك بتفريق أو تخصيص المجالس: مجلس علم لآداب اللغة العربية، مجلس علم لعلم الكلام.

د. اعتماد مبدأ التدرج في تلقين العلوم بمعنى الانتقال من الجزء إلى الكل ومن البسيط إلى المعقد أي تجنب خلط الأمور والمسائل الذي يشعر المتعلم بالعجز مما يجعله يهجر مجالس العلم.

هـ. شعار الدين هو تعليم القرآن الذي يرسخ الإيمان، فالقرآن أصل التعليم الذي يكون أشدّ رسوخا في الصغر.

و. تفادي الشدة على المتعلمين فهي مضرة حسب ابن خلدون، ولا سيما عند أصاغر السن فالقهر يؤدي إلى الكذب والخبث والتحايل.

ي. التلقين يكون على يد أهل العلم في كل مجال وتعددهم يؤدي إلى التمييز بين الاصطلاحات.

القارئ لهذه المبادئ التربوية والبيداغوجية يدرك أن الرجل قد تطرق إلى أهم المبادئ الحديثة في التربية والتعليم.

خلاصة:

تعد دعوة ابن خلدون لتأسيس علم العمران البشري أو الاجتماع الإنساني أول دعوة صريحة للاهتمام بالحقل الاجتماعي أو الإنساني وإخضاعه للدراسة العلمية. وتعد مساهماته لبنة أساسية في إرساء هذا العلم الجديد من خلال توظيفه مجموعة المفاهيم والآليات المفسرة للظاهرة السياسية، الاقتصادية والتربوية في العالم العربي. والمؤكد أن هذا الحقل يحتاج المزيد من البحث في المفاهيم والمناهج والنماذج االمعرفية والمنهجية لفهم معمق لجوهر الظواهر المجتمعية.

الأستاذ فؤاد منصوري

[email protected]

(للمقال مراجع)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى