page contents
أقلام الوطن

الهويّة والتاريخ في الفكر السِّياسي لفرحات عباس.. لحظة الإسلام والحريّة

(الجزء الثالث والأخير)

واصل فرحات عباس نضاله السياسي ودفاعه عن قناعاته الثقافية والإيديولوجية، وأسس سنة 1944 حركة “أحباب البيان والحرية “، وهي الحركة التي حلت عقب أحداث 8 ماي 1945 المأساوية، وهي الأحداث التي كلفت فرحات عباس السجن. وبعد خروجه من السجن في 1946 أنشأ حزب “الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري”، وكان طيلة هذه المرحلة يدعو لما يسميه “الثورة بالقانون”.

وفي أكتوبر 1951، يصرح فرحات عباس قائلا: ” لم يعد هناك أي حل سوى الرشاشات”. وبعد قيام الثورة يذكر علي تابليت في كتابه ” فرحات عباس، رجل الدولة ” أنه في ربيع 1955 ألقى خطابا شديد اللهجة في ميناء جيجل، قال فيه “إذا كان هنالك من الخارجين عن القانون في الجزائر، فهم داخل النظام الاستعماري أي الولاة ورؤساء البلديات. .و قال إن الجزائر عربية وليست فرنسية، كما أعلن في مناسبة أخرى أنه هو وحزبه سيقدمان الدعم الكلي للقضية التي تدافع عنها جبهة التحرير الوطني، ليلتحق بعد ذلك بجبهة التحرير الوطني ويعين عضوا في مجلس الثورة بعد مؤتمر الصومام سنة 1956، ويلي ذلك تعيينه أول رئيس للحكومة المؤقتة قي سبتمبر 1958، ليخلفه بن يوسف بن خدة في جانفي 1961. وبعد الاستقلال عيّن في 20 سبتمبر 1962 كرئيس للمجلس الوطني التشريعي ليقدم استقالته منه في صيف 1963 احتجاجا بسبب وضع الدستور في قاعة السينما خارج المجلس ودون استشارة النواب، ويعتبر ذلك ” تعهير للجمهورية “، مما عرضه للاعتقال والسجن. وبالموازاة مع ذلك، لم يتوقف فرحات عباس عن الكتابة حيث أصدر كتاب “ليل الاستعمار” في 1962، ثم كتاب ” تشريح حرب ” وكتاب ” الاستقلال المصادر ” ولم يتوقف عن النضال من أجل العدالة والحريات، ومقاومة الانحرافات التي عرفتها الدولة الوطنية الناشئة التي برزت مع إقرار نظام الحزب الواحد، والحكم الشخصي والاختيارات الإيديولوجية التي تم ترسيمها، والمتمثلة في تبني الاشتراكية الماركسية لأن ذلك يتعارض مع الإسلام – حسبه.

 وفي موضوع الهوية تحديدا يكتب فرحات عباس في ” الاستقلال المصادر” قائلا : ” لقد أصبت بالخيبة في تونس لما صرح بن بلة مناديا : نحن عرب. .نحن عرب. . نحن عرب ” إن هذا النداء صحيح جزئيا. تاريخيا، نحن بربر معربون يغلب علينا الدم البربري. على كل حال إيماننا هو الأهم وليس العرق الذي ننتمي إليه.. إن المهم في الجزائر هو الإسلام وليس العرق. إن الإسلام هو الذي يضمن تلاحم هذا الشعب فهو القاسم المشترك الذي يمحو أثار العصبية القبلية والتفرقة بين الأفراد في البلد “. فالقوة التي شكلت محركا قويا لثورتنا حسب عباس هي ” الإسلام وحب الحرية “

وانتصر فرحات عباس، في سياق معارضته، للسياسة الاشتراكية التي أقرتها السلطة بعد الاستقلال، انتصر للإسلام الليبرالي الذي لا يقول بصراع الطبقات ويتنافى مع التعصب والاستبدادية الشمولية للاشتراكية، فالإسلام كما يقول ” لا يجبر الناس على اعتناقه فالتسامح هو أول ما يميزه. إنه لا يريد منا الإيمان لمحض الإيمان، بل يدفعنا للتفكير والتأمل والبحث عن الحقيقة “.

ويقظة العالم الإسلامي لا تتحقق إلا من خلال “الاحتفاء بالحريات الأساسية للإنسان، حرية الفكر وحرية التعبير، الله سبحانه وتعالى يقول :” لا إكراه في الدين ” و” من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ” وعلينا أن نمارس في السياسة هذا الإقرار الديني، الحرية وحدها كفيلة بارتقاء الإنسان. لا بد علينا أن نتخلص نهائيا من نظام الاستبداد الذي خلفه لنا “زمن السلاطين “.

و في الختام، لقد كان فرحات عباس – حسب وصف المؤرخ “بن جامين سطورا ” – بحق يوتوبيا جزائرية “، فبالرغم من تعاطفه مع الفلاح الجزائري ونضاله من أجل تحسين ظروفه، إلا أنه ظل يؤمن بفرنسا الأنوار والحريات والمساواة، وبقيت تلك القيم أمام قوة المعمرين وجشعهم مجرد كلام في كلام.

كما ظل ما يسميه فرحات عباس ” الثورة بالقانون ” والنضال السياسي لعدة عقود جهدا لم يغير في الواقع الاستعماري شيئا، ولذلك وصفه المؤرخ الفرنسي بنجامين سطورا بأنه “ خرافة جزائرية “، وكان عليه أن ينتظر سنة 1955 ليدرك المنعطف الجديد الذي سلكه الشعب الجزائري نحو الحرية والاستقلال وهو المنعطف الثوري المسلح، ولذلك لم يتردد كثيرا في الالتحاق بجبهة التحرير الوطني ويضع كل خبرته السياسية تحت تصرف الثوار.

 وغداة الاستقلال، ظل فرحات عباس أيضا طوباويا، عندما راهن على الديمقراطية لتأسيس الدولة الجزائرية الحديثة، لأن الفاعلين الاجتماعيين انتظموا في مسعى مغاير لأطروحاته، فكرسوا الحكم الفردي والحزب الواحد واستولوا على السلطة بقوة النار والسلاح.

 كما أن سؤال الهوية الذي رافق مسيرة فرحات عباس منذ لحظة “الشاب الجزائري إلى لحظة الاستقلال” مرورا بلحظة” فرنسا هي أنا”، هو سؤال ديمومة الانطولوجيا الجزائرية، فلا الاستعمار الفرنسي بكل سياساته الاستلابية وإستراتيجياته التعليمية والتربوية والثقافية نجح في سلب الجزائريين هويتهم، ولا النظام السياسي الجزائري الأحادي تمكن من طمس بعض عناصر هذه الهوية باعتبار أن منطق الدولة الأمة ينزع إلى المقاربة الأحادية للهوية ولا يعترف بالاختلاف والتعددية والانزياح.

و اليوم، قد نختلف في تقييم سيرة الرجل بين مدافع عن أطروحاته وأفكاره ومبررا لأخطائه، ومن يرفض اختياراته وخطه السياسي جملة وتفصيلا، ولكن يبقى فرحات عباس شخصية سياسية وتاريخية وثقافية جزائرية كان لها حضورها على مدى عدة عقود وفي عديد المحطات التاريخية، سواء قبل الثورة أو أثناء الثورة أو بعد الثورة، فمنذ ثلاثينيات القرن الماضي ظل فرحات عباس منافحا عن أفكاره ومدافعا شرسا عن حق الجزائريين في العيش في كنف الكرامة والحق والحرية، ولعل المتأمل في مقالاته المبكرة التي جمعها في كتاب “الشاب الجزائري” لا يحتاج إلى جهد كبير ليدرك مدى تبني فرحات عباس قضايا الجزائريين البسطاء الذين كانوا يعيشون في ظروف سيئة جدا. ومن الخطأ، اليوم، الحكم عليه باجتزاء نص واحد من نصوصه أو باختزال مسيرته السياسية في موقف أو رأي واحد، فمسيرته غنية بالأحداث والمواقف والتحولات.

الدكتور مصطفى كيحل

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى