page contents
أقلام الوطن

الهويّة والتّاريخ في الفِكر السِّياسي لفرحَات عبّاس (1899 – 1985)

لحظة "فرنسا هي أنا" (الجزء الثاني)

بعد سنة 1930، التحق فرحات عباس باتحادية المنتخبين لمنطقة قسنطينة، التي كانت تحت رئاسة الطبيب محمد الصالح بن جلول زعيم الاندماجيين، والتي كانت تناضل من أجل الاندماج ضمن الدولة الفرنسية، ومثل التيار الاندماجي كتابات بعض الاندماجيين الذين لا يؤمنون بالجزائر وبالخصوصية الجزائرية من أمثال الشريف بن حبيلس الذي نشر سنة 1914 كتابه “الجزائر الفرنسية كما يراها اندجان”؛ فالجزائر قبل دخول الفرنسيين – حسبه – كانت ” عشا للصوص البحر وقطّاع الطرق” وأن القطر الجزائري كان قطرا شاغرا ولم يعرف ظاهرة الدولة، وأن خير الأهالي يكمن في خدمة الكولون، والاندراج في الثقافة الفرنسية، والنسج على نمط الفرنسيين في الحياة والتفكير. وتتكون البورجوازية الاندماجية من طبقات القياد والباشاغات التي كانت مقربة من الإدراة الفرنسية ومتضامنة مع طبقة الكولون الذين رفضتهم البورجوازية الفرنسية، لأنهم كانوا يشكلون حثالة المجتمع الفرنسي، وعرفوا بالجشع والنهب لخيرات السكان الأصليين. فالجزائر حسب بن جلول : “فرنسية وتبقى فرنسية “

وفي هذه المرحلة تبنى فرحات عباس أفكار ومبادئ المنتخبين كالتجنس والاندماج، وظهر ذلك من خلال المقالات التي كان يكتبها في جريدة “الوفاق” لاتحادية المنتخبين، ومن بين مقالاته التي عرفت انتشارا كبيرا وجرت عليه ردود أفعال من طرف العلماء وحزب الشعب مقاله الصادر بتاريخ 23 أفريل 1936 بعنوان :”على هامش الوطنية: فرنسا هي أنا ” والتي يقول فيها: ” لو اكتشفت الأمة الجزائرية لكنت وطنيا ولما خجلت من ذلك كما أخجل من جريمة. . الرجال الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل المثل الأعلى الوطني هم محل تكريم واحترام يوما بعد يوم، حياتي ليست أغلى من حياتهم، وإلا لما بدلت هذه التضحيات. الجزائر كوطن هي خرافة، إنني لم أعثر عليها، سألت التاريخ، سألت الموتى والأحياء، زرت المقابر : لا أحد حدثني عن ذلك. لا شك في أنني عثرت على” الإمبراطورية العربية “، ” الإمبراطورية الإسلامية ” التي تمجد إسلامنا وسلالتنا (…) لكن هاتين الإمبراطوريتين اندثرا (…) إنهما يتوافقان مع الإمبراطورية اللاتينية وكنيسة الإمبراطورية الرومانية الجرمانية في العصور الوسطى. إننا أزحنا وبشكل نهائي تلك الغمائم وتلك الخرافات حتى نقرن نهائيا مستقبلنا بمستقبل أعمال فرنسا (..) في هذا البلد كتبنا هذا (..) وتشكل حماية هذه الأعمال محور عملنا السياسي”.

إن التحليل التاريخي لخطاب فرحات عباس ولظرفية هذا الخطاب تحيل كما يؤكد الكثير من الباحثين أن صيحة “فرنسا هي أنا ” تمثل لحظة خيبة عاشها فرحات عباس في فرنسا الأنوار التي آمن بمبادئها الإنسانية السامية، حيث اكتشف أنه كان رومانسيا وخياليا فوق اللزوم عندما كان ينتظر أن تمنح فرنسا الأهالي كل حقوقهم كاملة غير منقوصة، فهذه الصيحة “لا تعني سوى رغبة فرحات عباس في اعتبار نفسه مجسدا لأفكار ثورة 1798 في مقابل الكولون العنصريين، هؤلاء الأقدام السوداء الذين عجزوا عن تجسيد أحلامهم التحررية فرضا لنفسه الاندماج في فرنسا الديمقراطية وليس المجتمع الكولونيالي العنصري الذي لا يعترف بالآخر ولا يحترمه. “

لقد كان فرحات عباس متشبعا بالثقافة الفرنسية، وثقافة الأنوار والحريات والعقلانية ولم يكن يرغب في التحلل منها. وفي الوقت نفسه كان مناصرا للأهالي، ومطالبا بضرورة ترقيتهم ومدافعا عن ثقافتهم ودينهم وعاداتهم وحضارتهم، فهو منهم وهم منه كما قال، وعندما التقى بوزير الداخلية الفرنسي سنة 1935 أخبره أن “الإسلام لا يعيق التقدم، والاندماج يعني المساواة والمواطنة ضمن المبادئ الجمهورية “، وبالتالي يمكن تحقيق التوازن والدمج بين الإسلام والمدنية الغربية، و هكذا ظل فرحات عباس يطالب فرنسا بالاعتراف بالأهالي كفرنسيين وفي الوقت نفسه كمسلمين، أي ظل يتأرجح بين إرضاء الجماهير الرافضة للاستعمار من جهة، وإرضاء فرنسا من جهة أخرى.

وتعج نصوص فرحات عباس بهذا التوجه الاندماجي في تلك الفترة من مثل قوله: “لقد جندت تحت العلم الفرنسي، وليس لشيء آخر ” وقوله :” ونحن مسلمون ونحن فرنسيون يوجد هنا في الجزائر أوروبيون وأهالي ولكن يوجد فرنسيون فقط، باعتبار أن الجزائر هي إقليم فرنسي “

ويعود هذا التوجه عند فرحات عباس القائم على المطلب الاندماجي، وإنكار وجود الأمة الجزائرية إلى تكوينه التعليمي الفرنسي الذي تلقاه من الطور الإعدادي إلى الطور الجامعي. حيث وجد نفسه أمام نضال مزدوج؛ “فمن جهة ضد المعمرين المعارضين لتقديم الحد الأدنى من الحقوق للسكان الجزائريين الأصليين، ومن جهة أخرى خاض نضالا ضد البنيات الثقافية والاجتماعية للمجتمع الجزائري التقليدي التي يرى فيها أنها تجاوزها الزمن، وعليها أن تتكيف مع الواقع الجديد “

إن هذا التوجه سيظل يشكل الإزعاج الكبير في الحياة السياسية لفرحات عباس، سواء من قبل العلماء أو من قبل التيار الاستقلالي، فبعد شهرين من صدور مقال فرحات عباس السابق ” فرنسا هي أنا ” يرد عبد الحميد بن باديس عليه بمقال بعنوان “كلمة صريحة”، حيث يعيب عليه أن يتكلم باسم الأمة، والصواب أن يتكلم باسم الجماعة التي ينتمي إليها، وبعد أن يعقد مقارنة بين الطرقية والاندماجية، أو بين من قال “أنا الله ” ومن قال “أنا فرنسا ” يرد بقوة وإيمان، فيكتب: “لا يا سادتي نحن نتكلم باسم قسم عظيم من الأمة، بل إنني أدعي أننا نتكلم باسم أغلبية الأمة، فنقول لكم ولكل من يريد أن يسمعنا، ولكل من يجب عليه أن يسمعنا إن أراد أن يعرف الحقائق ولا يختفي وراء أكام الخيال : نقول لكم إنكم من هذه الناحية لا تمثلوننا ولا تتكلمون باسمنا، ولا تعبرون عن شعورنا وإحساسنا، إننا نحن فتشنا في صحف التاريخ وفتشنا في الحالة الحاضرة، فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا، ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال ولها وحدتها الدينية واللغوية، ولها ثقافتها الخاصة وعوائدها وأخلاقها، بما فيها من حسن وقبيح، شأن كل أمة في الدنيا”.

ثم يرفض كل محاولات الفرنسة والتجنيس للجزائر، قائلا :”الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت. بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها، وفي دينها ولا تريد أن تندمج “. تم يؤكد على علاقة الصداقة بين فرنسا والجزائر، وإخلاص الجزائري لصديقه الفرنسي، ووقوفه معه في المحن، وهنا يكمن الفرق بين التصور البورجوازي التقليدي للهوية، والتصور البورجوازي الفرانكفوني للهوية، فيرفض التصور البورجوازي التقليدي كل محاولات التجنيس وهدم عناصر القومية واللغو والدين، ولكن يصرح باحترامه للسلطة الفرنسية وطاعة قوانينها، أي يرفض ضياع الهوية مقابل حق الانتخاب، ويرفض أن يصيّر جمهور المسلمين بالجزائر جمهورا فرنسيا بحثا.

والمعلوم أن فرحات عباس زار عبد الحميد بن باديس في مقر جريدته الشهاب بعد صدور رد هذا الأخير وسجل ذلك بن باديس بقوله “فالسيد فرحات عباس، لم يتألم ولم يتكدر، وسلك مسلك كبار رجال السياسة الذين يحبذون النقد وينصاعون لكلمة الحق، فزار إدارة الشهاب وأكد لها تقديره لجهودها، وجرت له مع صاحب الشهاب محادثة دلت على سمو أدبه وعلو كعبه في عالم السياسة والتفكير “.

وعليه، ففي هذه المرحلة كان تفكير فرحات عباس للهوية يتصادم كلية مع تصور العلماء وبعيد كل البعد عن الطرح الاستقلالي الذي يمثله مصالي الحاج؛ فالكولونيالية هي التي فرضت هويتها الفرانكفونية بالعنف على الأهالي ومن ثمّ حصل اليقين أن استرجاع الهوية لن يكون إلا بالعنف، وأن فرحات عباس هو من ضحايا السياسات التعليمية الفرنسية، فالإدارة الفرنسية أيقنت أن القضاء على ثورات الجزائريين في المستقبل لا يتم إلا من خلال التعليم الذي يعد الأداة الفعالة والناجعة للسيطرة على عقول وقلوب السكان الأصليين الرافضين للأجنبي. والتعليم، حسب “جول فيري”، سوف يوجد أناسا فرنسيين مسالمين ومعتدلين وغير ثوريين، ويتقبلون الأفكار والثقافة الفرنسية ويدافعون عنها بكل شراسة. وكل ذلك تجسد في المرسوم الحكومي سنة 1883 المشهور باسم “مرسوم جول فيري”، والذي ينص على إجبارية ومجانية التعليم للأهالي، وهو المرسوم الذي عارضه المعمرون بشدة، وكان هدف هذه السياسة التعليمية الفرنسية هو إيجاد نخبة محلية ذات ثقافة وتكوين فرنسيين، وتجسيد سياسة الإدماج لضمان الهيمنة الفرنسية على ثقافة السكان المحليين، ولعل فرحات عباس كان ثمرة من ثمار تلك السياسة التعليمية في تلك المرحلة.

وهذا المنحى السياسي والثقافي لفرحات عباس جعله يقع على النقيض من التيار الاستقلالي، ففي مقال بتوقيع قيادة نجم شمال إفريقيا، وتحت عنوان ” أيها الشعب الجزائري انهض ضد مشروع فيوليت” كتبت صحيفة الأمة الصادرة في جانفي 1937 ” لا يمكن للشعب الجزائري قبول الذوبان والانقراض عن طريق الاستيعاب والاندماج، شعب لغته واحدة، ودينه واحد، وعاداته واحدة، وتقاليده الإسلامية واحدة، هذا الشعب لا يتنازل عن جنسيته من أجل بطاقة اقتراع، يبقى صامدا موحدا ويواصل الكفاح المنظم من اجل انتزاع استقلاله الوطني “.

وظل مقال ” فرنسا هي أنا ” لعنة تطارد فرحات عباس حتى إلى آخر أيامه، فكل المناوئين له يتخذونه ذريعة للطعن فيه واتهامه بالموالاة لفرنسا، ولذلك يعود في كتابه “الاستقلال المصادر” إلى التوقف عنده وتصحيح كل أنماط الفهم الخاطئة له، ففكرة الوطن الإقليمي كانت – حسبه – غريبة عن الإسلام وغريبة أيضا عن الجزائر المسلمة، يجب علينا أن لا ننسى كما يقول بأنه: ” بدون تحرير الأهالي لن تدوم الجزائر الفرنسية، ففرنسا هي أنا، لأنني أمثل العدد، فأنا الجندي وأنا العامل وأنا الحرفي وأنا المستهلك، ولو رفضتم مشاركتي، فإن عيشتي الهنية ومشاركتي في العمل المشترك سيكون كذبة كبيرة (…) كان من السهل الفهم أن كلمة “أنا ” لم تكن تخصني شخصيا، هذا الأنا كان مشتركا، قلت فقط إن الجزائري إذا لم يجد نفسه معنيا في بناء الجزائر الفرنسية فلن تدوم هذه الأخيرة كثيرا “. وعليه، فإن تصريحه هذا لا يمثل كما يفهمه خيانة للإسلام والوطن. فالجزائر الفرنسية التي بناها المعمرون لن تدوم طويلا.

ولكن للأسف، فإن مقال ” فرنسا هي أنا ” تم تلقيه بمعناه المباشر ودون تأويل يمكن أن يعفي صاحبه من ما يحمله الفهم المباشر من معانٍ تطعن في انتماء ووطنية الرجل، وظل مسوغا للتشكيك في جزائريته والمزايدة عليه خاصة من طرف بعض الوطنيين الشوفينيين، الذين لم يغفروا له أطروحة “فرنسا هي أنا” رغم التحاقه بالثورة سنة 1956 وقيادته للحكومة الجزائرية المؤقتة.

بقلم الدكتور مصطفى كيحل

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى