page contents
أقلام الوطن

الهَريسة بالكمّون.. والثّقافة!

د. السّعيد بوطاجين

بعض الترقيع المتّبع في الجامعات والمؤسسات والبرامج ومختلف الهيئات التي تخطط لمستقبل البلد بقدرة قادر، يذكرني بحادثتين طريفتين حصلتا في وقت سابق من تاريخنا المعاصر، وهما تدلان على شيء من الاستخفاف والعبث بقضايا مصيرية تهمّ الأمة؛، الأولى شاعت بين الجامعيين والمثقفين والاعلاميين والكتّاب. وأمّا الثانية، فلم يحضرها سوى ثلاثة وبعض الأدوات الموسيقية التي كانت ملقاة هنا وهناك بانتظار لحن جديد.

لا أدري إن كان المسؤول الكبير وجّه له دعوة أم استدعاء، لصعوبة التمييز بين الاثنين في سياقات عدمية. يتعلق الأمر بمراسلة الدكتور عبد الله ركيبي للحضور إلى مكتب المسؤول الكبير لأمر مهمّ. ذهب الرجل حاملا ثقل سنواته الطويلة وتجربته الأكاديمية التي تجلت في عدة بحوث أصبحت مراجع مكرّسة. للتذكير، فإننا نستقبل بشكل رسمي في دول الخليج التي نسخر منها بتعجرف وجاهلية وعنجهية، لا نقف في الطابور لختم جواز السفر، وتنتظرنا في المطار سيارات فاخرة رباعية الدفع، ونتقاضى مستحقاتنا وأزيد نظير جهودنا الابداعية والنقدية.

عند وصول الدكتورأخبره المسؤول الكبير بأنه يرغب في أن يطرح عليه مشروع الجزائر الثقافي في جلسة قصيرة. الموضوع الذي حيّر الأستاذ يتمثل في تعريف كلمة الثقافة التي كتب عنها مجلدات، وليس في تقرير مصير الوطن الثقافي بتكتلاته وانتماءاته وقناعاته ومِلله ونِحله التي أصبح من المتعذر حصرها لأسباب سياسية وأيديولوجية عملت على تفتيت ما كان موحدا، بما في ذلك الدين الذي غدا بيدقا في أيدي البهاليل وفقهاء الظلام، دون الحديث عن اللغات المتناحرة: الفرنسية والعربية والأمازيغية، والعبرية لاحقا، من يدري؟!

وقع الرجل في حيص بيص، وبدا له الأمر نكتة. كان مندهشا من الفكرة التي تدخل في باب السريالية والتفكير الاستعجالي في أمور تستدعي عقلا وروية، كما يحصل مع برامج الجامعة والسياسات الاقتصادية والبنكية واللسانية وقضايا الوطن الكبرى التي تحتاج إلى متخصصين ومفكرين، وإلى وقت وصرامة ومنهجية ورؤية. ما يتطلب حكمة وبصيرة في تناول مسائل إستراتيجية بفكر راجح، وبمسؤولية؛ لأن هناك دساتير في العالم لم تتغير منذ قرنين لقيامها على أسس متينة، في حين أننا نكتب دستورا جديدا كلّ أسبوع بسبب قصور النظر وتحييد العقل في ظل تبوأ الجهل والعصبية ومنطق الأشخاص والقبيلة.

تحدث الدكتور مع المسؤول الكبير على مضض، وبمنطق العارف بالشأن الثقافي كجذور وواقع وامتدادات وتعقيدات يتعذر تناولها في نصف ساعة مع من لا يعرفها، ثم ختم حديثه بعد أن تعب من كلامه الرومانسي: أنصحك يا ابني بالعودة إلى الجامعة، بقي لك اجتياز امتحانين للحصول على الليسانس، ثم نرى ما يجب القيام به”: أخذت هذه القصة أبعادا أخرى، ونسجت حولها حكايات تصب في فكرة العبث بمؤسسات الدولة بحلول كاريزمية قد تصلح ليوم أو أسبوع، وليس للمستقبل البعيد.

الحكاية الثانية حصلت في الطابق الحادي عشر بحي العناصر بالعاصمة. كنت جالسا مع الموسيقار محمد بوليفة عندما زارنا مدير قصر الثقافة، وقال له: المسؤول الكبير نفسه يريد أن يحدثك في مكتبه بخصوص قضية تتعلق بالأغنية الجزائرية، وأشياء أخرى ذات علاقة بالفن. وكان بوليفة، رغم تواضعه، لا يتنازل عن صرامته في مواقف يراها مصيرية، أو إساءة إليه، وتقليلا من شأنه كملحن وكاتب كلمات ومطرب وأستاذ موسيقى في معهد التمثيل والرقص، وكإنسان له اطلاع على المجتمع وتوجهاته، وعن كثير من البهاليل الذين لا يعرفون كوعهم من بوعهم ويقومون برسم الخارطة السياسية والثقافية للبلد.

قال للموفد: لن أذهب أبدا إلى مكتب هذا الولد، عندما كنت اسما مكرسا وطنيا وعربيا، كان يمسح أنفه بكمّ قميصه ويتصعلك في أجواء المنظمات الطلابية، ثم أصبح إطارا بطريقة ملتوية أسهمت فيها الجهوية والموالاة، قل له عليه أن يهاتفني، أو أن يأتيني إلى البيت، دون مصعد، حتى يعرف الحقيقة”. نقلت نواة الحكاية بمتغيرات أسلوبية ومعجمية بفعل المسافة بين الواقعة وتاريخ كتابة المقالة. لم يذهب بوليفة إلى الوزارة، كان يعرف أنّ في الحكاية شيئا من إنّ. لقد كان مطربو الراي يعيشون حالة من البهرجة والبذخ، وكانت الأغنية الملتزمة تسيخ بفعل الحصار الذي ضربته عليها عدة جهات، ومنها وزارة الثقافة نفسها التي قدمت دعما خرافيا لذلك الصخب المنحط، بتواطؤ بعض الإعلام والأشخاص والمسوخ الأيديولوجية.

حدثني المرحوم بوليفة عن ذلك بمرارة مأساوية، وعندما سألته عن سبب امتناعه عن لقاء المسؤول الكبير شرح لي بالتفصيل موقفه من هذا الخليط الذي لا يفكر ولا يخطط إلا في دائرة مغلقة تملي عليه المشاريع والسفاسف الظرفية التي تستنزف أموال الخزينة دون نتيجة. كان يرى فيه كلّ أوجه النهب والقبح والانحطاط والاستعلاء والتخطيط لتدمير الذوق العام.

قفلة على كلام: عندما كنت رئيس تحرير آمال هاتفني مسؤول أقلّ وزنا بقليل، وقال لي: الوزارة لا تملك ستة ملايين سنتيم لتوزيع العدد الأخير من المجلة، فقلت له ابحث عن الأموال في بنوك من استولوا عليها، وإذ سألته عن مستحقات المطربة ميادة الحناوي التي غنّت في وهران في الأسبوع نفسه، أجابني: مليار ومائتا مليون سنتيم…فقط؛ مشاريع الأمة أيها المعنيون ليست تهريجا وصدى للظرف والطبل والتكتلات والأشخاص الفاشلين الذين يخططون للخراب. إنها كفاءات وطنية عارفة، وإخلاص للبلد من أجل تحصينه من التصدعات، بعيدا عن الترقيع البهلواني والخطاب الزائف الذي يتكرر باسم الوطنية الهشة التي لا تعنيها سوى الأموال والمناصب.

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. نعم يا دكتور..اننا نعيش هذا العبث منذ اكثر من اربع عشريات عجاف في مجال الثقافي الفني. زواحف النظام الفاسد يزرعون الخراب كل لحظة في ارض المليون و نصف المليون شهيد و لا تهمهم اليم المضافة في تربية الجمال و اعادة تركيب الوعي لاستمرار الدولة. فثقافة الدولة فرخت لنا مخلوقات رهيبة و تعسة تهندس خراب القدرة الفكرية و الابداعية و اسست للترقيع و الابتداع و الاتباع. يتنسخون وزراء ثقافة غير مثقفين. للاسف الشديد اصبح الريع اهم من صورة الجزايري و اهم من الارض…فالغباء انتشر كالنار في الهشيم في كل مؤسسة دون استثناء و الثقافة خصوصا بحكم انها دئما كانت و لا تزال في ذيل الاهتمامات..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى