page contents
أخبار العالمالحدثملفات

انتِفاضَةُ استِكمالِ الاستِقلالِ!

الجَزائرُ تُحيّي الذِّكرَى الـ67 لاندِلاعِ الثَّورةِ التَّحريريّةِ وسطَ دَعواتٍ لإعَادةِ رسمِ العَلاقاتِ مع بَاريس

تحيي الجزائر، غدا، الذّكرى الـ67 لاندلاع ثورة أول نوفمبر 1954 المجيدة، وسط دعوات لمراجعة وإعادة رسم علاقات الجزائر مع باريس اقتصاديا، دبلوماسيا وثقافيا! وتشكل هذه المناسبة التاريخية العظيمة فرصة سنوية لاستذكار النضالات وملاحم الكفاح متعددة الأوجه ضد المستعمر الفرنسي، من أجل استرجاع السيادة الوطنية وحماية التراب الوطني كاملا.

تحتفل الجزائر بالذكرى الـ67 لاندلاع الثورة في الوقت الذي تعرف فيه العلاقات بين فرنسا والجزائر توترا كبيرا بسبب تطاول الرئيس الفرنسي”إيمانويل ماكرون” على الجزائر، من خلال تصريحات سامة ومفاجئة وغير مسبوقة أدلى بها في وقت ليس ببعيد، ذهب فيها إلى حد التشكيك في تاريخ الجزائر كأمة، لتشهد العلاقات “الجزائرية – الفرنسية” توترات وصلت إلى حدّ استدعاء الجزائر سفيرها من باريس، وحظر الطائرات العسكرية الفرنسية من التحليق عبر أجواء البلاد.

وتحل ذكرى اندلاع ثورة التحرير الجزائرية لتعيد، من جديد، النقاش حول تاريخ فرنسا في الجزائر على مدار 132 سنة من الوجود، الذي ميزته حرب ضد الإنسان الجزائري طالت هويته وثقافته وتاريخه وأرضه، استخدمت فيها فرنسا كل الوسائل غير الإنسانية الممكنة لتجعل من الجزائر فرنسية إلى الأبد، ولم تتوان فرنسا في ارتكاب أبشع المجازر والانتهاكات التي وصلت إلى حد استخدام أبناء الجزائر كفئران تجارب في تجاربها النووية بالصحراء الجزائرية، التي ما زالت آثارها قائمة إلى اليوم.

ويعود ملف تجريم الاستعمار إلى الواجهة، والذي ظل لسنوات حبيس أدراج البرلمان لدواع مختلفة، حيث شرع نواب الغرفة السفلى للبرلمان في إطلاق لائحة وجمع تواقيع، تدعو لتفعيل مقترح قانون تجريم الاستعمار، بقصد إعادة بعث مشروع قانون يحمل فرنسا مسؤولية الجرائم التي ارتكبتها في الجزائر طيلة فترة استعمارها للبلاد، وهي المبادرة التي تقودها حركة مجتمع السلم، بهدف دفع فرنسا للاعتذار وتقديم تعويضات مادية ومعنوية للضحايا.

فهل تعتبر مساعي بعض النواب والجهات السياسية من أجل بعث مشروع قانون تجريم الاستعمار على مستوى البرلمان في هذا الوقت بالذات جدية؟ وهل فيه نية لتمرير المشروع والتصويت عليه عبر غرفتي البرلمان، أم إنه سيلقى مصير المبادرة التي تم طرحها سنة 2009؟ وما المطلوب للوصول إلى علاقات ندية مع باريس دون القفز على ملفات الذاكرة؟

منير بن دادي

رئيس الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم، أحمد صادوق لـ “أخبار الوطن”:

“المطلوب سنّ قانون لتجريم ممارسات الاستعمار “

قال رئيس الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم، أحمد صادوق، إن “مبادرة تجريم الاستعمار الفرنسي ليست مبادرة جديدة، وإنما هي تشهد تجديدا ، بعد أن تم طرحها على مستوى البرلمان سنة 2009”. وحسبه، “فالسياق والظروف يقتضيان ذلك، وعبر عن أمله في أن تمر اللائحة هذه المرة للمصادقة، ولا تبقى حبيسة أدراج مكتب المجلس”.

ودعا أحمد صادوق، في تصريح أدلى به لـ “أخبار الوطن” على هامش يوم برلماني بمجلس الشعبي الوطني، “البرلمان ل تبني هذا القانون بشكل عاجل وجدي وسريع”، وأفاد بأن”حركة مجتمع السلم قد أطلقت مبادرة في هذا الإطار، بالتنسيق مع باقي الأحزاب السياسية، وعلى البرلمان الجديد أن يتحمل مسؤوليته، الآن قبل الغد”.

وأشار رئيس الكتلة البرلمانية لحركة “حمس” إلى أن “المطلوب من البرلمان أن يبادر من خلال اختصاصه في سن قانون لتجريم ممارسات الاستعمار الفرنسي، بعد التصريحات الاستفزازية للسلطة الفرنسية الرسمية، وعلى رأسها الرئيس “ماكرون”، ولا ينبغي له انتظار الضوء الأخضر من فرنسا، لأن الأخيرة قد مجدت الاستعمار، وكرمت الحركى بالأوسمة، ولم تستشر الجزائر، ولم تراعِ مشاعرها وعلاقاتها”.

منير بن دادي

أستاذة العلوم السياسية، الدكتورة نور الهدى برنو لـ “أخبار الوطن”:

“الخروج من قوقعة الاستعمار يفرض علينا تعزيز الجبهة الدّاخلية”

“أخبار الوطن”: ما قراءتكم لمساعى بعض النواب والجهات السياسية في تكثيف الضغط من أجل بعث مشروع قانون تجريم الاستعمار على مستوى البرلمان؟

نور الهدى برنو: هناك مساعٍ تبنتها جهات سياسية لإصدار قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، على غرار نواب حركة مجتمع السلم وغيرهم من تشكيلات حزبية وحركات مجتمع المدني وجمعيات، لكن هذه المساعي ليست الأولى بل سبقتها محاولات جديدة باءت بالفشل، لأن هذا الموضوع بالذات هو سيادي ومن صلاحيات رئيس الجمهورية، وبالتالي فهو خاضع للإرادة السياسية العليا، فالمصادقة على مشروع قانون تجريم الاستعمار يقابله حتما توتر في العلاقات الثنائية رغم أن فرنسا لا تعترف بجرائمها، ظنا منها أن الاستعمار نشر قيم الحضارة والإنسانية وهذا ما أنجر عنه إصدار قانون تمجيد الاستعمار الفرنسي في 2005.

الخروج من قوقعة الاستعمار يفرض علينا أن نتوحد لتعزيز الجبهة الداخلية حتى تقاوم ما تبقى من الحرب بالوكالة التي تهدد بزعزعة الاستقرار، وعلينا استرجاع الاعتبار التاريخي ووضع حد للتصريحات المستفزة، وفي التصريحات الأخيرة للرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، قال إن الجزائر ليست محمية فرنسية وسنتعامل بمبدأ النّد للنّد، وهذا مؤشر إيجابي على أن هناك نية ودفعة قوية من الرئاسة للمضي في هذا الملف الذي بات مجمدا لسنوات، فالعمل على هذا الملف هو سيادي والحد من التدخل الفرنسي والتقليل من الوجود الفرنسي في الجانب الاقتصادي بعد ما أصبحت الجزائر توجه التعاون الاقتصادي نحو الدول الأفريقية خاصة.

لماذا كثر الترويج لمشروع القانون هذا في هذا الوقت بالذات؟ وهل هناك نية لتمريره والتصويت عليه عبر غرفتي البرلمان؟

مشروع القانون هذا يأتي ردا على التصريحات “ماكرون” التي كانت مقصودة لكسب أصوات اليمين المتطرف في الانتخابات الفرنسية، فلابد من أن يخرج للوجود قبل الانتخابات ليقضي على حظوظ “ماكرون في الفوز في الانتخابات بما أن الجالية الجزائرية في فرنسا تشكل نسبة لا يستهان بها، وبذلك سيلقى موجة معارضة له. فرنسا تتخوف من مشروع القانون هذا لأنه يلزمها بدفع تعويضات كبيرة جراء إلحاقها بالجزائر الضرر على مر السنوات ، على غرار التجارب النووية التي أجرتها سنة 1960 إلى جانب تعويض المنفيين إلى كاليدونيا الجديدة والكثير من الملفات. وأهم مادة قد تعطي المشروع دلالة قوية لتجريم الاستعمار، والتي نادى بها النواب ولاقت استجابة، هي محاكمة مجرمي الحرب وكانت مقترحة من فترة حكم بوتفليقة لكنها قوبلت بالنسيان نظرا إلى اعتبارات دبلوماسية بين البلدين.

ما المطلوب للوصول إلى علاقات نديّة مع باريس دون القفز على ملفات الذاكرة؟

أصبح من الضروري الفصل في ملف الذاكرة كجزء مهم في استمرار العلاقات ، ولابد من رد الاعتبار له كرد فعل على قانون تمجيد الاستعمار، ومن المستحيل أن تكون علاقات مع باريس دون التطرق إلى ملفات الذاكرة ؛ لأنها جزء أساسي في استمرارية العلاقات. وملف الذاكرة لن يسقط بالتقادم، فهو مستمر ولابد من أن تأخذه السلطات بعين الاعتبار، ففرنسا تكتفي باعتذار رمزي أما الجزائر تطالب بالتحكيم والتجريم الدولي، والنفوذ الفرنسي الاقتصادي في الجزائر تراجع بشكل كبير في الآونة الأخيرة نظرا إلى تكبد الشركات الفرنسية بالجزائر أكثر من 19 مليار دولار خسارة، خاصة في قطاعَي الخدمات والنقل وغيرهما.

وبعدما غيرت الجزائر نظرتها للعلاقات الثنائية بمنطق “رابح – رابح “، ومن بين الصفقات الفرنسية التي خسرتها في الجزائر، تراجعت واردات الجزائر من القمح الفرنسي، وتخلي الجزائر عن خدمات الشركة الفرنسية للمياه “سيال”، حيث لا يمكن فصل الجانب السياسي عن الجانب الاقتصادي في العلاقات “الجزائرية – الفرنسية”.

سألها: منير بن دادي

رئيس الكتلة البرلمانية لحركة البناء، كمال بن خلوف لـ “أخبار الوطن”:

“علينا إعادة النّظر في الاتفاقيات مع الشّركات الفرنسية”

أفاد رئيس الكتلة البرلمانية لحركة البناء، كمال بن خلوف، بأن “الشركات الفرنسية في الجزائر كانت تعيش عملية التفاضل والامتياز، بحيث تؤول أغلب الصفقات إلى الشركات الفرنسية بطريقة قانونية وغير قانونية، وهذا ما أضر بالمصالح الجزائرية والشعب الجزائري، وجعل من الدولة الاستعمارية تعيش على حساب الدول الأخرى”.

ودعا كمال بن خلوف، في تصريح خص به “أخبار الوطن” على هامش يوم برلماني بمجلس الشعبي الوطني، إلى “إعادة النظر في مثل هذه الاتفاقيات، سواء كانت اقتصادية أو تجارية أو ثقافية، من أجل إعادة ترسيمها في سياق المصالح المشتركة وبصفة الجزائر دولة سيدة، مضيفا أن “الجزائر ليس لها مشكل في التعامل مع أي دولة إذا كانت مصالحها مضمونة، والكل رابح”.

منير بن دادي

المؤرخ والأكاديمي، محمد ولد سي قدور القورصو:

“علينا إنشاء جبهة مناهضة للاستعمار من أجل المطالبة بالتعويضات “

أكد المؤرخ محمد ولد سي قدور القورصو على”ضرورة إعادة بعث مشروع القانون الذي يجرم الفعل الاستعماري، داعيا إلى عقد جلسات حول التاريخ والذاكرة بمشاركة جامعيين ومختصين معروفين يتمتعون بالمصداقية”.

وأشار القورصو، في تصريح أدلى به لوكالة الأنباء الجزائرية، إلى أنه “من الضروري إعادة بعث مشروع القانون المجرّم للفعل الاستعماري وتعديله من طرف متخصصين معروفين”، وقال إن “ما ينقص حاليا هو غياب مخطط عمل ناجع من شأنه أن يشمل جميع الجوانب المتعلقة بالذاكرة، إذ يتعين أن يشرف على هذا المشروع مختصون يتمتعون بالمصداقية ومعترف بهم”.

ودعا المتدخل إلى إنشاء “جبهة مناهضة للاستعمار على مستوى المستعمرات الفرنسية السابقة من أجل طلب اعتذار، والمطالبة بتعويضات حتى لا تختبئ فرنسا وراء قوانين العفو بهدف حماية نفسها من كل متابعة قضائية”.

وأبرز القورصو أن “أحداثا تاريخية مجرمة لفرنسا حملت توقيع مرتكبيها، في حين أن الإجراءات المتخذة من طرف رجال السياسة والعسكر الفرنسيين خلال حرب التحرير الوطنية تمثل أدلة أخرى قطعية يجب إدراجها في قاموس الجرائم الاستعمارية الفرنسية بالجزائر”.

وبالعودة إلى التشكيك في وجود أمة جزائرية قبل الغزو الفرنسي سنة 1830، كشف القورصو أن “الموضوع ليس بالجديد، لأن الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” اتبع من سبقوه دون ذكرهم بما أن جامعين وكتاب وسياسيين وبطبيعة الحال رؤساء فرنسيين تحدثوا عن الشيء ذاته قبله”.

وأكد القورصو أن التصريحات الأخيرة للرئيس “ماكرون” “لا تعمل على تذليل النزاع التاريخي بين الجزائر وفرنسا بل تعمل على تغليط أولئك الذين يؤمنون بذلك أو يتظاهرون بالاعتقاد بذلك لأسباب أخرى غير موضوعية”.

وأردف قائلا “إن الأمر المؤسف وغير الأخلاقي في حالة “ماكرون” هو استرجاعه المتعمد والانتقائي لتاريخ الجزائر خصوصا الصفحات الدامية خلال الفترة الاستعمارية ثم خلال حرب التحرير الوطنية لأغراض غير معلنة”، ويرى المتدخل أنه “يجب توفير ثلاثة شروط، لاسيما الحصول على الأرشيف والبحث الذي يجب أن يكون في خدمة العلم والمعرفة الموضوعية وتطبيق طرق مؤكدة علميا ترتكز على أحداث تاريخية”.

منير بن دادي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى