page contents
أقلام الوطن

بؤس الأبويات

بقلم الدكتور مصطفى كيحل

لا مجال لإحداث التحولات الكبرى في حياة الأفراد و الجماعات في عالمنا العربي نحو قيم الحرية و التعقل و الإبداع دون الحفر في جذور التسلط و بنيات الاستبداد الكامنة في موروثنا الثقافي و الفكري ، و من بين تلك البنيات البنية الأبوية أو البطريركية التي تكون النظام الأبوي ، الذي هو كل نظام يدعي امتلاك الحقيقة والمعنى و الفضيلة و الخير و السلطة في الآن نفسه .

و يخترق الخطاب الأبوي مختلف البنيات الاجتماعية و الثقافية و السياسية من مثل البنيات المؤسسية : كالأسرة و المدرسة و دور التربية و التنشئة الاجتماعية  و العمل و الدين و الدولة و الثقافة …الخ . أي هناك خطابات أبوية مختلفة الحقول ، و لكنها تشتغل وفق منطق داخلي واحد و تتضمن بنية نظرية تشتمل بدورها على نسق واحد من العلاقات الثابتة ، و لعل أهم ما يتسم به الخطاب الأبوي – سواء العائلي أو التربوي أو الديني أو السياسي ما يلي :

الخطاب الأبوي يكرس من حيث المنظور الوجودي و الانطولوجي رؤية للكون و تصورا للحياة ،و من ثمة للمجتمع ، و هي الرؤية الهرمية التي تنزل من الأعلى إلى الأدنى و من الماضي إلى الحاضر ، فالخطاب الأبوي مصدره التعالي ما يضفي عليه نوعا من الهيبة ، سواء كان هذا التعالي من السماء إلى الأرض أو من جيل السلف إلى جيل الخلف أو من الكبار إلى الصغار ، أو من الحكام إلى المحكومين .

من المنظور الابيستيمولوجي المعرفي يرتبط الخطاب الأبوي برؤية معينة للحقيقة و المعنى ، فهو ينص على أحادية الحقيقة و تناهيها ولا يتعامل معها من منظور أنها صائرة متحولة باستمرار و انه لا يمكن القبض عليها كلية في المستوى البشري التاريخي . فالحقيقة لم تقل كاملة و لا يمكن لأي ذات أن تتماهى فيها و بمعنى آخر فان المنظور الأبوي للحقيقة و المعنى يتناقض مع المنظور الابستمولوجي. فالحقيقة ابستمولوجيا هي تاريخيتها و جملة تحولاتها واغتناء عناصرها، أي أن الخطاب الأبوي يرهن الحقيقة و يسيجها.

كما أن الخطاب الأبوي هو خطاب السلطة و ليس خطاب معرفة، فعلى المستوى السياسي يرتبط الخطاب الأبوي ( خطاب الزعيم، القائد، المنقذ ) بالقوة و السلطة و الاستبداد و من ثمة فانه خطاب الشمولية المنغلقة و الأحادية في الرؤية و القرار و التسيير، أي يتمثل كما هو سائد بخطاب الحزب الواحد أو خطاب حكم العسكر.

و الخطاب الأبوي في مجال الدين و المقدس هو خطاب الفقيه أو الإمام. الخطاب الذي يقدم نفسه على انه يتطابق مع المقصد الإلهي الكلي و النهائي للنصوص المقدسة، بمعنى انه يمتلك قدرات خارقة تمكنه من إدراك الإلهي بشريا  إدراكا صحيحا، و يغدو بذلك  خطابا وثوقيا يكفر كل رأي مغاير لرأيه و لا يقبل إلا بنمط واحد من التأويل و التفسير و لا يعترف بوجود اتجاهات متعددة في التأويل و الفهم و التنزيل.

و هكذا نلاحظ أن خطاب رب العائلة، و خطاب سيد القبيلة، وخطاب فقيه الأمة، و خطاب رئيس الدولة. الخ، بالرغم من اختلاف الحقول التي يشتغل بها كل منها ، فإنها جميعا تشترك في الأسس و المسلمات نفسها التي تنطلق منها و تستند عليها في الاشتغال على موضوعاتها . فالخطاب الأبوي غير نقدي، دوغماتي يقدم نفسه على انه مصدر المعرفة الصحيحة، و مصدر المعرفة الحقيقية المطلقة و  الخير الكلي، و الفضيلة و السعادة و هذه المسلمات الضمنية هي التي تشكل ما يمكن تسميته بالنظام المعرفي الأبوي أو الابستمية الأبوية البطريركية.

ويعد الخطاب الأبوي العائلي بمثابة الخطاب المؤسس للبنية الأبوية في الثقافة و المجتمع ، أي أن الأبوية في العائلة هي أساس الدوائر الأبوية الأخرى في الدين و السياسة و الدولة و المجتمع و الثقافة . و من بين المفكرين العرب المعاصرين الذين اهتموا بتفكيك البنية الأبوية الفلسطيني ” هشام شرابي ” الذي بلور مصطلح البطريركية في الخطاب العربي المعاصر ، حيث تمحورت جل مؤلفاته حول تفكيك و نقد الخطاب الأبوي ، و من أهمها ” البنية البطريركية :بحث في المجتمع العربي المعاصر “و ” مقدمات لدراسة المجتمع العربي ” و ” النظام الأبوي و إشكالية تخلف المجتمع العربي ” و ” النقد الحضاري للمجتمع العربي في القرن العشرين ” و مذكراته التي حملت عنوان ” الجمر و الرماد و صور من الماضي” .

و يقوم مشروعه في النقد الحضاري على نقد النظام الأبوي و تعرية ايديولوجيته و تفكيكه من الداخل .” فالأب هو المحور الذي تنتظم حوله العائلة بشكليها الطبيعي و الوطني ، إذ العلاقة بين الأب و أبنائه ،و بين الحاكم و المحكوم هي علاقة هرمية ، حيث إرادة الأب في كل من الإطارين هي الإرادة المطلقة ، و يتم التعبير عنها في العائلة و المجتمع بنوع من الإجماع القسري الصامت  المبني على الطاعة و القمع ” و لقد أورد في كتبه نصوصا تبرز نمط العلاقة التسلطية التي تحكم الأب تجاه أفراد عائلته ، فهو حتى إذا كان لطيفا و حنونا ، يبقى بعيدا عن متناول أطفاله لما يبديه من ابتعاد و تعال ، و لذلك فالطفل في معظم العائلات ينمو و يشعر بأنه مكبوث و مظلوم و تعيس .

فمن منا نحن العرب ، كما يقول محمد قروي ” يستطيع أن يزعم أن عائلته أو البيئة التي عاش فيها قد أرادته و قبلته و أحبته ، و اعترفت بذاته ؟ لا أحد بكل تأكيد .إذ كيف يمكن للإنسان أن يكون محبوبا عندما ينحصر وجوده في كونه شيئا مفيدا قد جرى إنتاجه من أجل استمرار العائلة و ضمان شيخوخة الوالدين ، أو من أجل إرضاء كبرياء الأب الذي يثبت رجولته بكثرة أطفاله ، و أشد عداء يشعر به الطفل هو تجاه أبيه الذي هو مصدر السلطة التي تحطم الطفل و تقمع طموحاته ، فالأب لا ينجبنا من أجل ذاتنا ، بل من أجل نفسه ، و ليس نحن الذين نأتي للعالم ، بل هو الذي يرى حياته مطبوعة بطابع التبرير و القيمة ، و هكذا فإن ولادتنا ليست إبداعا حرا ، بل محاولة لتمديد حياة الأب ، إنه ينجبنا لنكون سندا لحياته ، و بالتالي فهو يحرمنا من حياتنا نحن ، فنحن لا نعيش بل نتيح له أن يعيش من خلالنا ، و هذا ما يجعل حياتنا مزيفة منذ البدء .

وهكذا ينمو الطفل و هو مسيج بالأبوية و مقولب بشخصية الأب لينمو شعوره بأن وظيفته الأساسية تجاه العائلة لا تجاه المجتمع ، و هذه التنشئة المتبعة في الأسرة العربية التقليدية تهدف إلى قولبة الفرد على النحو الذي يريده المجتمع فيكون سلوكه انعكاسا لسلوك الأب و نسخة رديئة للسلوك الاجتماعي ، وذلك من شأنه المحافظة على النظام القائم و تقاليده و عرقلة كل رغبة في التغيير و النهوض بالمجتمع .

فسلطة الأب هي سلطة جوهرية في العلاقات الأسرية لهيمنتها على تصورات و رؤى الأفراد ، فهو بمثابة الذات العارفة التي تستهلك الحقيقة الصحيحة ، كما انه رمز الفضيلة أي هو القدوة و النموذج الذي يجب الاقتداء به ، و ذلك من شانه أن يبعث عند الأجيال الجديدة القابلية للاذعان و المحافظة على الأنساق القيمية السائدة و البنى الاجتماعية القائمة .

وما يترتب عن ذلك هو إعادة إنتاج شخصية الأب و تكليسها و جعلها شخصية أسطورية ، أو الخروج عنها و التمرد على سيطرتها و إحداث القطيعة معها و رفض احتكارها للحقيقة و الفضيلة و السلطة ، و البحث عن مشروعية أخرى خارج المشروعية الأبوية عن طريق رفض الامتثال للنظام القائم و هتك رموزه و إهدار قيمته عن طريق العنف المادي أو الرمزي .

فصحيح كما يقول “حليم بركات”  أن الأب يكافح ليس من أجل ذاته بل يرى في نفسه دورا وسيطا و جسرا يعبره أولاده إلى مستقبلهم فيحقق ذاته من خلالهم : لو نظرنا إلى هذه العلاقة من وجهة نظر الأب لوجدنا أنه هو أيضا يعتبر حياته ليس له بل لأولاده ، و كل ذلك يؤكد رسوخ الأبوية لأن الطموح الأبوي يستمر في الأبناء و يراد للأبناء أن يكونوا بمثابة المشروع الذي عجز الأب عن تحقيقه ، و يقف ذلك عائقا أمام تحقيق كل فرد لذاته خاصة إذا تناقض طموح الأب مع طموح الأبناء .

وعليه فإن نقد الأبوية لا يعني التمرد الأخلاقي على الآباء أو دعوة للعقوق و عدم الاحترام بالمعنى الأخلاقي و إنما نقد الأبوية غرضها هو إفساح المجال أمام تشكل شخصية الأبناء في جو من الحرية و الاستقلالية و ابتعاد الآباء عن جعل الأبناء نسخا مشوهة و رديئة لهم ، باستخدام سلطتهم و قوتهم مما يورث لدى جيل الأبناء الخنوع و الخضوع و يعيق بناء شخصياتهم بكيفية سليمة مما ينعكس إيجابا على نمط تفكيرهم و حياتهم .فالأبوية المرفوضة هي تلك التي تسلب الأبناء ذاتيتهم لحساب ذاتية الأب و هي التي لا تسمح بهامش كبير لتكون شخصية الأبناء في جو من الحرية و الاستقلالية .

 يتبع ..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق