page contents
أقلام الوطن

باثولوجيا التاريخ.. أو هل نحن مرضى بتاريخنا؟

يتحوّل التاريخ إلى نوع من الباثولوجيا والمرض المزمن عندما تتم قراءته من طرف الفاعلين الاجتماعيين لتلبية الحاجات الإيديولوجية والجهوية والعرقية والثقافية للحاضر، أي من خلال إسقاط متطلبات الحاضر ورهاناته على الماضي، وذلك بإتباع طريقة معينة في فهم وتأويل التاريخ وأحداثه، طريقة انتقائية وموجهة، تستدعي عناصر وتستبعد عناصر أخرى، وتركز على حقب تاريخية معينة وترفع من شأنها، وتهمل وتلغي حقب تاريخية أخرى وتبخس قيمتها، وتشيد بأبطال ورموز وتبخس قيمة أبطال ورموز آخرين، وتراهن على ميتافيزيقا الأصول وعتاقة الهويات وخطاب الأصلانية، لأن كسب معارك الحاضر لا يمكن فصله عن كسب معركة التاريخ، فالتاريخ هو الأرض الخصبة لإخراج ورسم خرائط الهويات وصراعاتها، ولصياغة السرديات المفضلة لأن كل صراع حول الهوية يتطلب أنماطا معينة من توظيف واستدعاء التاريخ.

فإذا كانت فكرة التاريخ كما يقول ” محمد حربي ” هي جنة وجهنّم الجزائريين ” فما نلاحظه اليوم بسبب التحولات السياسية والثقافية المتسارعة أنه بالكاد تتحول فكرة التاريخ بالفعل عند الجزائريين إلى جهنّم، فالخلاف بين الجزائريين يشمل كل الأحداث والمراحل تقريبا سواء في التاريخ القديم أو في التاريخ الحديث، كما يشمل أيضا كل الشخصيات، كما أنه يشمل مرحلة الثورة ومرحلة الاستقلال، لأن الصراع على الحاضر يتغذى على التاريخ ومراحله وصانعيه.

إننا نعاني من باثولوجيا يصعب علاجها، وهي الاهتمام المفرط بالتاريخ ليس لمعرفة الماضي وأحداثه وإنما لاتكاء كل التيارات والقوى على توظيف لفهم معين لتلك الأحداث من أجل خوض معارك الحاضر والمستقبل، وبهذه الكيفية يصبح الإفراط في التاريخ مضرا بحاضر حياتنا خاصة عندما يتجه إلى المساس بوحدة عيشنا المشترك من خلال صراع الأصول والمرجعيات بدل تعايشها وتوافقها، وهذا ما يؤشر على أننا مرضى بتاريخنا، وأننا نستعمل التاريخ بمعناه السلبي والمدمر.

وفكرة “مرض التاريخ” طرحها الفيلسوف “فريديرك نيتشه” في كتابه “محاسن التاريخ ومساوئه”، وفي هذا الكتاب ميّز – كما هو واضح من عنوانه – بين جانبين في التاريخ: جانب سلبي وآخر إيجابي، بعد أن أكد على أن المجتمع الألماني في القرن التاسع عشر كان يعيش “مرض التاريخ”.

 أما التاريخ السلبي فهو ما يسميه بالتاريخ التذكاري والتاريخ الأثري، وفيهما يتم بعث واستعادة الماضي بأبطاله الكبار وشخصياته العظيمة والرفع من شأنها في الحاضر، وتحويلها إلى مصدر للهوية ولشدّ لحمة الجماعة، ولكن ما يعيبه “نيتشه” على هذا النمط من التعاطي مع التاريخ أنه لا يساعد على تحرير الحاضر من الماضي بل يزيد في وطأة الماضي على الحاضر وهيمنة الذاكرة على الراهن. ومن هنا، فإنه يقف عقبة أمام تدفق الحياة الحاضرة بمستجداتها وإبداعاتها، أي أنه تاريخ العرفان والوفاء الجميل على حساب الحاضر وحيويته. وللتخلص من أثر هذا التاريخ السلبي يدعو “نيتشه” إلى إعادة اكتشاف “ملكة النسيان” باعتبارها ضرورية للفرد والجماعة والثقافة للتحرّر من وطأة الماضي على الحاضر، ولكي نعيش حاضرنا بدل أن نبقى سجناء ماضينا.

و يقترح “نيتشه” فهما آخرَ للتاريخ وهو الذي يسميه “التاريخ النقدي أو الجينيالوجي” حيث يعطي الأولوية فيه للحاضر على الماضي، ويكون الحاضر هو المختبر الذي يصنع فيه التاريخ، أي أن “نيتشه” لا يدعونا إلى الخروج من التاريخ وإنما الخروج عليه، لأنه تحوّل إلى “ثيولوجيا تاريخية”. وفي التاريخ النقدي لا مجال لتقديس الأصول والبدايات، لأن التاريخ الجينيالوجي يعلمنا الاستخفاف والسخرية بالعظمة والحفاوة التي يحظى بها الأصل، فالعودة إلى الأصل تقتضي الإنصات للتاريخ وليس الإيمان الدوغمائي به. و الهدف الأسمى عند “نيتشه” هو الانتصار للحياة، وللإرادة الإنسانية الحرة.

أما بالنسبة إلى الحالة الجزائرية، فإننا مرضى بالتاريخ لأنه تحوّل إلى خطر على حاضرنا ومستقبلنا، بسبب القراءات المتصارعة والمتضادة لماضينا، لماضينا القريب كما لماضينا البعيد، وبسبب التوظيف الإيديولوجية الضيقة لتلك القراءات والمقصية لغيرها من القراءات الأخرى، فلا يكاد يخلو حدث تاريخي أو منعطف تاريخي أو شخصية تاريخية أو حقبة تاريخية من هذا الاستقطاب العدمي العنيف. فشخصيات من مثل”ماسينيسا” أو القديس “أوغسطين “، أو “عقبة بن نافع” أو “طارق بن زياد” أو “الأمير عبد القادر” أو”مصالي الحاج” أو “ابن باديس”، أو “فرحات عباس” أو “عبان رمضان” أو “هواري بومدين”.. .الخ كلها شخصيات هي محل خلاف عميق بين الجزائريين اليوم، بين مبجل لهذه الشخصية أو تلك وطاعن في هذه الشخصية أو تلك، ويمكن سحب ذلك أيضا على قضايا التاريخ الأخرى. من مثل فكرة التأريخ للجزائر، فإذا كان صحيحا أن تاريخ الجزائر لم يبدأ مع دخول الإسلام والعرب إلى هذه الأرض، فليس صحيحا أيضا ربط بدايته بفترة أو بشخصية معينة وتحويلها إلى لحظة تأسيسية أولى، والسقوط في ميتافيزيقا الأصول، فالدراسات العلمية الحديثة تؤكد أن الإنسان وجد في الجزائر منذ أكثر من مليونين وخمس مائة ألف سنة. وهكذا يتحول الاهتمام بالتاريخ في ثقافتنا اليوم إلى حالة مريبة من الاستقطاب والصراع والتنازع، بين من ينظر مثلا إلى الحضور العربي والإسلامي في الجزائر على أنه احتلال وغزو، وعلى العرب أن يعودوا إلى من حيث أتوا إلى قريش واليمن، وبين من ينظر إلى ذلك الحضور على أنه فتح حضاري وعلمي، والأمر نفسه بالنسبة إلى الوجود العثماني في الجزائر الذي استمر لمدة ثلاثة قرون فهناك من يرى فيه حماية، وأن الجزائر كانت محظوظة بمجيء العثمانيين، وأنهم جاؤوا في الوقت المناسب لصد الأطماع الإسبانية، وعلى العكس من ذلك هناك من يرى في الوجود العثماني في الجزائر أنه احتلال، ولم يكن للأتراك في الجزائر من غرض آخر ما عدا جمع الضرائب، وأنهم استعملوا سياسة “فرق تسد” بين الجزائريين لتحقيق مزيد من الهيمنة والاستغلال. والأمر نفسه بالنسبة إلى الاستعمار الفرنسي حيث نجد من يدافع عن ما يمكن تسميته “بإيجابيات الاستعمار” مثل بناء فرنسا المدن واستقدام بعض الأنظمة الإدارية والقانونية وتعليم الفرنسية التي عُدّت “ضريبة حرب ” في مقابل من ينظر للاستعمار الفرنسي على أنه كله سلبيات وجرائم ضد الإنسانية.

ويمكن أن نسترسل في تقديم عشرات الأمثلة عن اختلاف الجزائريين حول تاريخهم اختلافا جذريا، وتحويلهم التاريخ إلى خصومة كبيرة بينهم، سواء تعلق الأمر بالشخصيات والرموز التاريخية من القديس “أوغسطين” حتى هواري بومدين، أو حول الحقب والمراحل التاريخية التي طبعت تاريخ الجزائر منذ فجر التاريخ حتى اليوم، أو حول الحركة الوطنية والثورة التحريرية والدولة الوطنية. مما يؤكد أن الجزائريين مرضى بتاريخهم، وأن التاريخ بهذه الكيفية تحوّل إلى خطر وأداة لتخريب الحاضر والمستقبل، وإلى عائق كبير أمام الانطلاق نحو المزيد من القوة والوحدة والتقدم، لغياب التوافق بينهم حول هذا التاريخ بأحداثه ومحطاته وشخصياته، وذلك بسبب إسقاط معايير الحاضر على الماضي وقراءة الماضي انطلاقا من معطيات الحاضر، وتحويل التاريخ إلى مادة أساسية عند الفاعلين الاجتماعيين في صراعاتهم الإيديولوجية والسلطوية. ولتجاوز هذه الحالة يجب تحرير التاريخ من الاستخدامات السياسية والإيديولوجية والفئوية والعرقية، التي لا تهمها الحقائق التاريخية بقدر ما يهمها المردودية السياسية لتلك الاستخدامات في التعبئة والتجييش والتوجيه، وضرورة ردّ التاريخ إلى المؤرخين، الذين يتحكمون في أدوات ومناهج البحث التاريخي، والذين يتميزون بثقافة الحقيقة التاريخية واحترام حقوق المعرفة العلمية في مجال التاريخ.

الدكتور مصطفى كيحل

[email protected]

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى