page contents
أقلام الوطن

بعيدا عن السّاسة لأوّل مرّة.. السِنديانة وطحالب الشّجر

بقلم الدكتور بشير حاج جيدور

في بعض الأحيان، تجد نفسك تتوق إلى كتاب أو “أثرة” صحائفيّة من عبق الأمس؛ فتعود إليه قارئا مستمتعا تنظف به جنبات عقلك التي غزاها “الدّرن” وتشبثت بها عوالق من قذارة الواقع البغيض، وذلك عندما يعجز بك خيل الأفكار عن أن يحملك من نادٍ إلى نادٍ في خضم تزاحم نوادي السياسة بمن يرتادها من السّاسة وأشباههم والمنشغلون بالسِّياسة سرقة ومن نحا نحوهم، وتراص في نوادي المجتمع الأخرى الفكرية والثقافية والرياضية وغزوها من طرف “الرويبضة” وأشباه المفكرين والمحللين والمتسكعين في ظل “يحسبه الضمآن ماء”، وهو خرقة ظل زائل، لكنهم يريقون دونه ماء وجههم ليحوزوا منه نُسيمة فيعتقدوا أنهم ضفروا بالحسنى ذاتها.

قد تهوَى أن تعود إلى كتاب لا يرتبط “ما فيه” بإكراهات عالم اليوم و”ما فيه”، ويكسب عقلك من “صفحاته” أضعاف ما يجنيه من كتاب الحاضر بكل “صفحاته”؛ ففي كتب “الوسط الطبيعي وعالم الأحياء” تقرأ لتكسب معلومات عن عالم الطبيعة والأشجار والعيش في البراري والغابات وعن أنواع النباتات وطرائق عيشها وشكل غذائها ومقدار الماء الذي تحيا به وما يكفيها من هواء وحرارة وأشعة شمس ومقادير الظل التي تنموا فيها.

عالم الأشجار خير من عالم البشر!

بهذه العبارة بدأ أحد الكتاب فصلا في كتابه عن “النباتات المتسلقة”، وهو فصل علمي عن عالم الزراعة ونمو الأشجار والبكتيريا والطحالب التي تعيش معها وتنمو بجوارها وقد تتغذى معها ولا تفارق بعضها غصنها، ويعيش غيرها بساقها صعودا ونزولا، وقد يتعلق جزء آخر منها بجذورها التي تضربها في الأرض فيعيش مختبئا فيها لا يراه عيانا من نظر إلى الشجر لكنه يدرك وجوده فيها إدراك الليل بمرافقة القمر.

إن الطبيعة تأبى الفراغ ولا تتأقلم مع العدم، والأشجار كالسنديان الذي يشتهر بطوره وضخامته مثلا قد تعمر حينا من الدهر في غابة أو حديقة أو على حواف الأنهار وبين جداول الماء، لكنها أيضا قد تُجتثّ لتُرمى أو يموت غصنها إذا رام منها مالكها أو الطبيعة انتهاء نفعها، وقد تقتلع لانتفاء دورها في ذلك المكان وتنقل إلى بيئة أخرى أو حيّز من حيوز الغابة المتسعة، فتؤدي دورا آخر كما شاء لها القدر أو شاء صاحب الغابة أو مالك الحديقة. لكن المفارقة في حالات “الموت” أو “النقل” أو “القطع” أو “الاجتثاث” أن الطحالب التي التصقت بجذعها والبكتيريا التي عمّرت بساقها أو الديدان التي ظلت متشبثة بأوراقها وأخواتها التي دفنت نفسها في الأرض بجوارها وعاشت على جذورها “تعيش في صمت” لا (تموت) ولا (تنقل) ولا (تقطع) ولا (تجتث)، إلا قليل منها ممن ينتفي سبب وجودها بانتفاء عمر وجودها وقد عاشت ردحا من الزمن على ”التملق” للجذع على أنه الأقوى والأضخم ولا طاقة لطاقة الرياح به، و”التشدق” بما ليس من الحقيقة كالمدح الفاجر لأوراق الشجر أو حبات الثمر وأن الله لم يخلق في جمال الورق كهذا ولا في حلاوة الثمر كذاك، و”التسلق” على الأغصان ذهابا وإيابا وأن تجعل نفسها بمقام الحارس الذي يعمل بلا أجر ويكسب عداوة الناس إرضاء لسيده.

تلك الطحالب والبكتيريات التي تسلقت أغصان الشجر وعاشت ملاصقة إياها وكبُرت ”كروشها” من أكل الورق وبقايا ”الوسخ” الذي تمنّ به عليها “السنديانة” لا تشعر بالضجر على وصف نباتات الغابة لها بالتسلق والتملق والتشدق ولا ترتاب في نفسها ولا تجد منها الحرج، لأنها تعتقد جازمة أنها في عمل مهما اعتقد غيرها فيها ما ليس فيها بزعمهم، فالنظرة إلى الأمر عندها غير ما يراها غيرها منها أو من السنديانة لأن الفائدة بالتبادل: فالشجرة الكبيرة تحتاجهم لتتغوّل وهم يحتاجونها ليتغولوا.

طبيعة الأشياء تقتضي أن تنفض السنديانة عنها ما علق بها من طحالب الأرض وفيروساتها لانتفاء حاجتها لهم إذا قطعت أو نقلت إلى غير مكانها، وهم أيضا لن يبرحوا أرضهم ولن يعيشوا في غيرها، فالشجرة تعلم يقينا أنها ستجد أمثالهم ينتظرونها عند المربع الجديد الذي ستنقل إليه أو تُزرع فيها لأن ذلك دينهم وديدنهم، وهم بالمقابل لن يعجزوا عن تسلق الشجرة الجديدة التي يأتي بها رب الغابة إليهم وسيرحبون بها بأسنانهم وضحكات عيونهم ويلتصقون بجذعها صراعًا ولن يودعوا القديمة حتى ببصاق أفواههم.

وفي جزء آخر من الكتاب، يعرّج صاحبه على “جدلية الصغير والكبير” في نبات الغابة، فشجرة السنديان عندما تكون صغيرة داخل مربعها في مكان عيشها ولم تبدُ أغصانها للناظرين بَعدُ ولا ارتفعت كثيرا عن أديم الأرض فإن الشجيرات الأخرى لا تأبه لها ولا ”تقارب” محيطها، لأنهم يدركون أن صاحب الغابة أو قدر العيش فيها قد يُعجّل بعمرها ويقطعها، ولكل شجيرة سبب وطريقة.

لكن عندما تعلو ”السنديانة” ويشتد عودها ويصبح صلبا وقد ملكت رحاب الحديقة، فإن تلك الشجيرات يرتفع صوت أوراقها طربا وربما ”تمسحت” على ساقها وحوّلت مجرى مائها إلى مائها وأرسلت أغصانها من تحتها تعانق أغصانها، وكل واحدة تضرب ”إسفينا” على قرب أختها وتمحو كل أثر لسلوك الأمس على ما فيه من درن وسوء مسيرة.

يقول صاحب الكتاب: ”لقد كنت أعتقد أن ”الهرولة إلى المصلحة” سلوك بني البشر فقط، حتى رأيت بأم عيني أن الشجيرات ”يركضن جامحات فرحا وطربا”، وقد كنّ حتى الأمس القريب ”يندبن خدودهن كرهًا وحسدًا”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى