page contents
ملفات

بن بلة: “الذّنبُ الذي سألاقي اللهَ به هو إعدام شعباني”

شهــادةُ رائد جيش التّحرير عن الولاية السّادسة عمر صخري لـ "أخبار الوطن":

شعباني لَم يتمرّد، بل جُبِرَ على الدّفاع عن نفسه جبراً

خُضتُ التّمرد بهدف الانتقام لشعباني، والثأر ممن أعدموه

كلُّ ما وردَ في مِلّف شعباني كان ملفّقا.

الـحــلــقة الثالثة عشر:

يستكمل رائدُ جيش التحرير عن الولاية التاريخية السادسة، وأحد أهم كوادرها، عمر صخري صاحب 87 سنة، رصد آخر أيام “التّمرد” الذي قاده مع ثُلّة من المجاهدين، حيث يروي أن ما أقدم عليه كان بهدف الانتقام والثأر من الذين أهدروا دمَ شعباني عبر تنفيذ إعدام ظالم وجائر، وتحت ملف قضائي يعج بالتّهم الباطلة والمُزيّفة. كما يرصد لنا كيف سلّم نفسه للرئيس أحمد بن بلة بعد أن قبل بشروطه عبر وساطة وزير الداخلية بالنيابة عبد المجيد مزيان. فيما رفض وساطة قائد الأركان طاهر الزبيري، وباستسلام الرائد عمر صخري انتهى آخر جيب من جيوب “التمرد”، كل هذه التفاصيل تجدونها في الحلقة الثالثة عشرةَ من شهادته التي خصّ بها “أخبار الوطن”.

ــــــــــــــــــــ فـاروق مـعـزوزي ــــــــــــــــ

أَرسل أحمد بن بلّة خليفة محمد الطاهر حاملا لكم عرضَ تسوية لثنيكم عن التمرد، كيف تعاملتم مع هذا العرض؟

بالفعل، جاءني خليفة محمد طاهر من أجل عرض مقترح بن بلة، إلا أنه وجدني في أوجّ نشوتي، كنا حينها نستقطب المجاهدين القدماء الذين شرعوا في الالتحاق بنا تِباعا، وبدأ العدد في تزايد. وفي الوقت ذاته، بدأ نفوذنا في العاصمة يتسع ويتقوى، حيث أسسنا الخلايا والأفواج، وكنت اعتقد أنه صار بإمكاني ضخ نفس جديد ميدانيا. وبعد كل هذا التقدم الذي أحرزناه، جاءني خليفة محمد طاهر يعرض عليّ الاستسلام.

كيفَ كان ردُّكم على عرضِ الرئيس أحمد بن بلّة؟ 

قلت له بلغ أحمد بن بلة التالي: “إذا قبضت عليّ فافعل ما بدا لك”، وأردفت: “وإن قبضت عليك أنا فسأعلم ما أنا فاعلٌ بك”. ورجع إليه بموقفي هذا، ولولا استسلام محمد روينة “غنتار” لكنت قد مضيت قدما، لو بقي إلى جانبي، خاصة في ظل تزاد عدد المجاهدين، لخلقت لهم مشكلا حقيقيا.

هل صعدتَ الجبل من أجل التّمرد أو الدفاع عن النفس أو بدافع الانتقام؟

الإنتقام كان هدفي، الانتقام ممن أعدموا شعباني وفاء للصداقة التي كانت تجمعنا رغم النقائص التي كانت تشوبها، لم تكن لديّ أيّ فائدة مرجوة من تمردي وإراقة الدم، سوى الانتقام لروح شعباني.

ماهي التّهم التي وُجِّهت لمحمد شعباني؟

كل الملف الذي حوكم بسببه كان مزيف، باستثناء قضية التمرد أو الإخلال بالنظام العسكري؛ فهذه تهمة يفصل فيها المؤرخون وأهل القانون، لأن شعباني لم يتمرد بل أجبروه على الدفاع عن نفسه، هم الذين تحركوا للمواجهة قبل شعباني، وقد استفزوه أكثر من مرة، وحاولوا أن يهينوه أكثر من مرة أيضا، وحاولوا أن يلقوا عليه القبض أكثر من مرة، ولكنه كان صابرا، وهذا الاستفزاز كان دائما يلحقه من بومدين وجماعته. أما شعباني فكان يمارس حقه في الدفاع عن النفس، حتى أن بن بلة قال في هذا الموضوع: “الذّنب الذي سألقى اللهَ به هو إعدام شعباني”، لقد وكرّر قوله هذا أكثر من مرة.

ما كان مصير الولاية السّادسة بعد مَقتلِ محمد شعباني؟

بعد إعدام شعباني، أصبحت منطقة بسكرة والجنوب الشرقي وما حولهما يواجهون تهمة “شعبانيست”، وأصبح مجاهدو الولاية السادسة يخشون من هذه الضفة التي لاحقتهم (شعبانيست). أما الوسط والغرب، فأصبحا يواجهان تهمة “بلّونييست”.

من يتحمّل وزرَ إعدام محمد شعباني، ومن المسؤول عن هذه النهاية المأساوية.

شعباني جعل نفسه “قربانا” لمبادئ الثورة وحقوق المواطنين بالجنوب، بالخصوص من الأطلس إلى تمنراست.

كيف بدأت مُطاردتك في الجِبال؟

عندما غادرت جماعتي حتى أدبِّر أمرهم، تركتهم في إحدى الشعب، مؤكدا عليهم بأن يغيروا موقعهم من شعبة إلى أخرى باستمرار، بل حدّدت لهم مكان اللقاء. أُلقيَ القبض على بعض الأفراد الذين كانوا معنا ببريكة، وحقق معهم الدرك، فقادوا قوات الدرك إلى شعبة كنت قد غادرتها.

مقاطعا..هل كانت مغادرتك خطوة احترازية أم عفوية؟

بل احترازية، فهم قد رحلوا إلى شعبة مغايرة عن تلك التي وجهتهم إليها، نزلوا بشعبة فيها ماء؛ فبدل أن يقطعوا مقسم العمور، تنقلوا إلى شعبة أم الذخائر، لم أكن هناك ولم أخبر أحدا أنني كنت في ذاك المكان، بل أبلغتهم بأن نلتقي في شعبة التوميات بجبل بوزكرة. وحين سأل العسكر المجاهدين أين تركتم سي عمر جاؤوا بهم إلى أم الذخائر، حيث لم أكن موجودا. وهذا إن دلّ على شيء فيدل على وفائهم، لقد كانوا مجاهدين أقحاح.

ماذا حلّ بالذين تبقوا من جماعتك، ما كان مصيرهم؟

أمرت إبراهيم بأن يعود للمجاهدين، فيما ذهبت أنا لأجلب شخصا يساعدني. دخلت المدينة فلم أجده، فعدت للمكان لذي اتفقنا على أن نلتقي فيه فلم أجده. في حين، قدم أفراد من جماعتي إلى المكان الذي اتفقنا عليه، لكنهم لما شاهدوا البعير ترعى فهموا أن العسكر قد وصلوا فاتجهوا إلى أم الذخائر. عندما وصلت لم أجد أحدا، انتظرتهم حتى الغد فلم يظهر منهم أحدا. عدت إلى المكان الأول فلم أجدهم أيضا. بقيت هائما على تلك الحال عشرة أيام تقريبا. كنت خلالها أتنقل وحدي بين جبل الظهراوي وجبل قسوم، ومن شعبة إلى أخرى. في النهاية، عدت إلى السلقة عند حفناوي عوف حيث وجدت إبراهيم وصادق وأبي اليقظان هناك.

كيف تجمّعتم، وما هي الخُطة التي رسمتموها؟

سألتهم ما الذي حدث لكم؟ قالوا: ” داهمنا الأمن فهربنا والشخص الذي كان مكلفا بالأموال عمَد على إخفائها في مكان كشفهُ العسكر، فأخذوها ووضعوا بدلها قنبلة. فيما تفرقت الجماعة عند الجبل الأزرق، كل منهم اتخذ وجهة معينة، فمنهم ذهب صوب بسكرة ومنهم صوب لوطاية. وقد تعرض الصادق وأبي اليقظان وإبراهيم اللذين رفضوا الاستسلام إلى معاناة شديدة، جراء الإمطار فعلقوا في الأوحال وعانوا الأمرين من الجوع والبرد عدة أيام. وأنا أيضا تشردت أياما عديدة في الجبال، لكن عامل صغر السن واللياقة التي كنت أتمتع بها جعلاني أقاوم.

مقاطعا..كيف اتّفقتم على تسيير المرحلة لمواصلة التّمرد؟

اتفقنا في لقاءنا على أن يتخذ كل واحد منا مكان يختبئ فيه، فإبراهيم اتجه إلى بيطام، ونصحت الصادق بأن يختبئ في بسكرة، ولم أفصح له عن وجهتي. في يوم من الأيام، جاءني شنوفي عبد القادر الذي كان معنا منذ بداية التمرد، وقد ألقي عليه القبض وعانى من التعذيب، فقال لم يبقَ لنا جيش، غادر وأخبرني أنه لم يعد قادرا على المواصلة. فسألته عن الطاهر عيلان إن كان خرج من السجن، فأجابني بنعم. هذا الأخير كان رئيس دائرة في غرداية وقد كان في بسكرة أثناء التمرد فتم القبض عليه. وقضى ثمانية شهور في السجن. قلت له أجلب لي سي الطاهر وأذهب لسبيلك. أدركت شخصيا أن أمر التمرّد قد انتهى، ولم يعد بإمكاني المواصلة. فجاء سي طاهر، فسألته: هل تملك الشجاعة؟ فأجابنب بنعم، قلت له هذه شروطي أبلغ بن بلة بها.

ما هي الشّروط التي حدّدتها للرئيس أحمد بن بلّة؟

أولا، ألا ينتظر مني أي اعترف أمام الناس أو يحاول التشهير بي، فهذا لن أقبله. ثانيا، إعادة الإطارات المفصولين إلى وظائفهم وكل هذه الشروط مازالت مسجلة عندي إلى الآن، فان قبل بشروطي فسأتيه وإن لم يقبلها فلا جدوى للحديث عن الاستسلام.

 في هذا الوقت، كان طاهر زبيري يحاول الاتصال بي، حتى ينال ترقية، والأمر ذاته بالنسبة إلى والي عنابة بغدادي الذي فعل المستحيل كي يتصل بي. وقد تمكن من الاتصال بعائلتي كل هذا في سبيل الترقية. وقد بلغتهم بأني لا أقبل موفدا إلا من الرئاسة، وتحديد طلبت عبد المجيد مزيان الذي كان وقتها وزير الداخلية بالنيابة. فقبل بن بلة بشروطي وكان يلقبني دوما بخويا عمار، ولم يتكلم بسوء عني، وقد وصلني عبد المجيد مزيان وتناولنا وجبة الغذاء سويا ورافقته نحو الرئاسة، التقينا بالرئيس أحمد بن بلة الذي بادرني بقوله: “لو جئتني قبل اليوم ما كنت أعدمت محمد شعباني”، فأجبته: “لم أعرفك قبلا”.

اظهر المزيد

وليد كويني

صحفي جزائري، من مواليد 1993، مهتم بالشأن السياسي والرياضي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق