page contents
الثقافةبورتريه

بورتريه.. عبد الحميد بن هدوقة.. أب الرواية “الظاهرة”

حقّق "طفرة" وشكّل الإستثناء

أخبار الوطن – مشوار أدبي أمتد أكثر من نصف قرن، خلد طاقة أدبية استثنائية لشخصية صنعت اسما بارزا في الساحة الأدبية الإبداعية، بعد أن حقق “طفرة” في السرد الجزائري، وشكل “الاستثناء” بين أبناء جيله، فهو النموذج الصامد المحايد، البعيد عن ضجيج الشهرة، والذي مازال أدبه حيا في الأوساط الأدبية الجزائرية والعربية.. إنه الأب الروحي للرواية، “عبد الحميد بن هدوقة” الرجل الحي الذي لا يموت !

بورتريه: أسماء بوصبيع

“أخبار الوطن” من خلال نافدة ندوة احتضنتها المكتبة الوطنية أمس، بمناسبة ذكرى ميلاد الأديب صاحب أول رواية جزائرية مكتوبة باللغة العربية، “ريح الجنوب”، التي نشرت في سنة 1971، تقف عند مسرة الرجل وشهادات كم عايشوه.

 طفولة بائسة.. لكنه محظوظ!

طفولة بن هدوقة لم تكن كالجزائريين الذين ولدوا بين الحربين العالميتين فقد كانت طفولة صعبة يميزها واقع مؤلم ويطبعها البؤس والتعاسة، خصوصا في الأرياف، غير أنه يعتبر نفسه أسعد حظا مقارنة بنظرائه الآخرين لأنه نشأ في عائلة مثقفة نسبيا مقارنة بالوضع السائد في تلك الفترة، وكان لأبيه تكوينا يقترب من تكوين أعضاء جمعية العلماء المسلمين وإن لم ينتسب إليها.

ولد عبد الحميد بن هدوقة بتاريخ 9 جانفي 1925 بقرية الحمراء قرب المنصورة ولاية برج بوعريريج،ونشأ في عائلة اشتهرت بالعلم في كامل المنطقة حيث كان والده الذي تلقى العلم في جامعة القرويين بفاس بالمغرب، فقيها ومعلما درّس القرآن وأصول الفقه والأدب واللغة في مختلف قرى المنطقة بين برج بوعريرج والمسيلة وغيرها.

خلال صباه، إلتحق عبد الحميد بن هدوقة بالمدرسة الفرنسية الموجودة في المنصورة، وبالإضافة إلى تمدرسه كان يحفظ القرآن الكريم وأصول الفقه، وشغوف بالقصص، خاصة منها، ألف ليلة وليلة وسيرة بني هلال وألفية بن مالك وغيرها من الكتب…إلخ.

كان يلعب بالكتب!

كما يعتبر عبد الحميد بن هدوقة نفسه، محظوظا لأنه نشأ وسط الكتب، إذ يقول إنه عندما بدأ يحبي كان يحبي مع الكتب. حيث كانت تملك عائلته مكتبة ضخمة متوارثة عن الأجداد.. وفيما يخص أولى مطالعاته للكتب عندما كان صغيرا، يحكي عبد الحميد بن هدوقة أن أمه كانت تنسج الزرابي، وكان أبوه يجلس في زاوية البيت بينما هو يقرأ القصص على أمه في الليل ساهرين على قنديل البترول، حيث كان يقرأ قصص عنترة وقصص إفريقيا والشام وغيرها، وبعض قصص من ألف ليلة وليلية التي كانت الجزء الأهم التي يختارها له أبوه. وحينما تسأله أمه عن معنى جملة أو كلمة لم تفهمها، أحيانا كان يرد عليها بالخطأ فيقوم والده بتصحيح الخطأ سواء كان معنويا أو لغويا.

بن هدوقة يقاسم المهاجرين الجزائريين في فرنسا تشردهم

بعد شهر واحد من أحداث 8 ماي 1945، التي ضربت منطقة الشرق الجزائري، شد عبد الحميد بن هدوقة الرحال إلى مرسيليا. حيث وصل في جوان 1945 بالتحديد عند أحد أقربائه الذي كان تاجرا. دخل إلى معهد التكوين في تحويل المواد البلاستيكية ونال دبلوم قبل أن يلتحق بمصنع لتحويل المواد البلاستيكية، هناك ولمدة ثلاث سنوات كان له احتكاك بالواقع المرير للمهاجرين الجزائريين الذين كانوا في فرنسا طلبا للقمة العيش في مصانع رونو وسيتروان، ذلك الواقع الذي سينقله من بعد في “الكاتب وقصص أخرى”.

كما التحق عبد الحميد بن هدوقة بجامع الزيتونة في سنة 1949، فبعد عودته من فرنسا كان قد وجد ابن عمه المسعود بن هدوقة طالبا من طلبة الزيتونة، فقرر مرافقة ابن عمه إلى جامع الزيتونة ونجح في تسجيل نفسه هناك في سنة 1949.

التحق عبد الحميد بن هدوقة بمعهد التمثيل العربي حيث زاول دراسته هناك لأربع سنوات، وخلال دراسته في تونس نال الشهادة العالمية في الأدب من جامعة الزيتونة وشهادة التمثيل العربي من معهد فنون الدراما في تونس.

بن هدوقة في قبضة البوليس!

إلى جانب دراسته، كان لعبد الحميد بن هدوقة نشاطا سياسيا بارزا في الحركة الطلابية بالزيتونة حيث ترأس جمعية الطلبة الجزائريين بتونس رفقة علي كافي كممثلين لحركة انتصار الحريات الديمقراطية.

وفي سنة 18 جانفي 1952، ألقي عليه القبض من قبل السلطات الاستعمارية بتونس بعد أحداث 18 جانفي 1952،  حيث تم نقله إلى سجن المحمدية بتونس، غير أنه تمكن من الفرار والعودة إلى الجزائر.

هناك زاول التدريس بمعهد الكتانية بقسنطينة، وغداة اندلاع الثورة التحريرية، وفي 5 نوفمبر 1955، جاءته معلومات مفادها أن البوليس الاستعماري سيعتقله، فهرب إلى قريته الحمراء قبل أن يرحل إلى فرنسا مرة ثانية.

في سنة 1958، عاد مرة ثانية إلى تونس حيث تعاقد مع الإذاعة التونسية تحت إشراف جبهة التحرير الوطني التي قامت بتهريبه من فرنسا. وقام بإنتاج عديد البرامج الإذاعية أهمها برنامج “ألوان” الثقافي للتعريف بالأدب المغاربي سواء المكتوب بالعربية أو بالفرنسية، بالإضافة برنامج خاص بالأطفال تحت عنوان ” جنة الأطفال” بالإضافة إلى تمثيليات إذاعية أسبوعية تمزج بين البوليسي والاجتماعي.

كما أشرف عبد الحميد بن هدوقة بعد تكليفه من قبل وزارة الأخبار التابعة للحكومة الجزائرية المؤقتة، على إخراج ” صوت الجزائر”.

بعد الاستقلال!

بعد ثلاثة أشهر من نيل الجزائر استقلالها، يقرر عبد الحميد بن هدوقة العودة إلى الجزائر حيث حط رحاله بالجزائر العاصمة في أكتوبر 1962، ليلتحق مباشرة بالإذاعة والتلفزيون الجزائري ويقوم بتأسيس الفرقة الفنية التابعة للإذاعة والتلفزيون الجزائري التي كانت تضم أغلب الممثلين والفنانين الجزائريين، قبل أن يتقلد عدد من المناصب في المؤسسة منها مدير للقناة الأولى والثانية الناطقة باللغة الأمازيغية.

وفي 19 سبتمبر سنة 1990 ينتخب ضمن أعضاء اللجنة المديرة المنبثقة عن المؤتمر الخامس لاتحاد الكتاب الجزائريين كما انتخب أمينا عاما مساعدا ورشيد بوجدرة أمين عام.

كما تقلد منصب المدير العام للمؤسسة الوطنية للكتاب ثم رئيسا للمجلس الأعلى للثقافة قبل أن يعين عضوا ونائب رئيس المجلس الاستشاري الوطني من قبل الرئيس الراحل محمد بوضياف.

وبعد اغتيال الرئيس محمد بوضياف، يصبح عبد الحميد بن هدوقة رئيسا للمجلس قبل أن يقد استقالته في 26 جويلية 1993.

بدايات عبد الحميد مع الكتابة والتأليف

بدأت في سنة 1951، لكن بعدما سقط طريح الفراش حين كان في مرسيليا يعمل بالمصنع تحويل البلاستيك بدأ يفكر فعلا في الكتابة والتأليف. وبين سنة 1955 و1958 بدأ يؤلف تمثيليات إذاعية باللغة العربية للبي بي سي وأو أر تي أف BBC وORTF عندما كان في تونس، ألف عدة مقالات للمجاهد.

و بطلب من الحكومة الجزائرية المؤقتة ألف كتاب يحمل عنوان ” الجزائر بين الأمس واليوم” الذي صدر في تونس في سنة 1958. وفي سنة 1960، ألف مجموعة قصصية تحت عنوان الظلال الجزائرية صدرت في بيروت عن دار النشر دار المكتبة الحية، وفي سنة 1960 أيضا، صدرت له الأشعة السبعة عن الشارقة القومية بتونس، وفي سنة 1967، تصدر الأرواح الشاغرة، مجموعة شعرية عن المؤسسة الوطنية للنشر والتوزيع بالجزائر

في سنة 1971، تصدر له أول رواية هي “ريح الجنوب” عن المؤسسة الوطنية للنشر والتوزيع بالجزائر والتي ستترجم إلى الفرنسية في سنة 1975 من قبل مارسيل بوا، ثم إلى حوالي 20 لغة، منها الاسبانية والإيطالية والألمانية والهولندية والروسية والصينية وعدة لغات أخرى. لتتوالى إبداعاته.

عبد الحميد بن هدوقة.. يقول!

يقول عبد الحميد بن هدوقة عن أدبه: ” حاولت في ما كتبته على تواضعه، أن أعالج نقاط التأزم الرئيسية في الوضع الجزائري بصفة تدخل أكبر قدر من المستقبل في الحاضر، وتبتعد عن المضامين الجاهزة والأشكال النابعة من مراكز خارجية، اعتقادا مني بأن الانطلاق من المعطيات التاريخية المحلية لكل قطر عربي لو روعيت في أعمالنا الأدبية لأرجعت لنا شيئا من الكرامة”.

وداعا أيها القامة الرّمز!

وعند تخطي عبد الحميد بن هدوقة سن السبعين، ترصد المرض الخبيث جسده، وسكنه لينخره بدون سابق إنذار، ليخطفه اليوم يوم 21 أكتوبر 1996 حارما عائلته وأصدقاءه من دفئه وإبداعه، تاركا وراءه إرثا ثقافيا وفنيا وفكريا معتبرا، ليصبح أحد الأدباء الكلاسيكيين للجزائر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى