page contents
أقلام الوطن

بين الإعلام التقليدي والإعلام الجديد.. الحياة الخاصة من التّقديس إلى التّدنيس

بقلم الدكتورة حسينة بوشيخ

ما يزال حادث مقتل أميرة ويلز البريطانية ” ديانا ” عام 1997 في ليلة من ليالي صيف باريس، يُذكر كلما تحدثّنا عن الحد الفاصل بين حق الجماهير في الإعلام وحق المشاهير والشخصيات العامة في الخصوصية، حيث لقيّت الأميرة مصرعها إثر حادث مروري خطير، كان سببه هروبها مع رفيقها المصري من مطاردة مصوري المشاهير” الباباراتزي”.

الإنترنيت.. نهاية عصر وبداية عصر

 اليوم بعد عقدين من رحيل أميرة القلوب، لم يعد الأمر يتطلّب مصوّري الباباراتزي لرصد الحياة الخاصة للآخرين، بل إنّها متاحة عبر وسائل الإعلام التقليدي والجديد وبخاصة عبر شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل تكنولوجيا الاتصال، على رأسها الهواتف النّقالة الذكية، وكثيرٌ من المستخدمين ينتهكون بأنفسهم ذلك الحد الفاصل بين الخاص والعام.

أدّى مقتل ديانا بتلك الطريقة الأليمة، إلى إثارة نقاش غربي جاد حول ضرورة أخلقة العمل الصحفي واحترام مبدأ الخصوصيّة، وتحدّثت الدوائر الأكاديمية عن الأمر مطوّلا، كما اجتهدت التّنظيمات الصحفية المهنيّة  في اصدار الأدلة الإرشادية لتوجيه الصحفيين، لكن ذلك كله لم يُنهِ تلك الرغبة العارمة لوسائل الإعلام في اقتحام مزيد من خصوصية الأفراد وعرضها على الجمهور العام. وقد كاد التاريخ أن يعيد نفسه مع زوجة ابن ديانا الأمير هاري، الذي قرّر مع زوجته الممثلة الأمريكية ميغان ميركل، هجر كل الحياة الملكيّة ليتركه الإعلام وشأنه ويصبح مع زوجته وابنه، مواطنا عاديا ينعم بحياة هادئة لا تُسجّل كل تفاصيلها عبر كاميرات الصحفيين والمراسلين والمتطفّلين لتُعرض عبر شبكات العالم، لقد اختار الزوجان الملكيّان يوما ما، أن يتجرّدا من كل ألقابهما لأنّهما يدركان بأنّ حياتهما العائلية المستقرة والسعيدة أهم من ألقابهما الملكيّة البرّاقة.

اليوم وقد انتهى عصر الخصوصيّة المطلقة في كل الأحوال، بسبب تكنولوجيا الاتصال والرصد والتّتبع، لم تتوقّف وسائل الإعلام عن ممارسة هوايتها المفضّلة في كشف ما خلف الستائر والجدران، يساعدها في ذلك الأفراد العاديون مدفوعون بسحر التكنولوجيا ونرجسيّة الذات الساعيّة نحو الظهور والتواجد بعيدا عن حيّزها المكاني والزماني. مع أنّ بعض الناس يعتقدون أنّهم يبحثون عن ذات خاصة وعن مساحة داخلية يمكنهم فيها التفكير والعيش مع مشاعرهم وأفكارهم بعيدا عن أي تأثير خارجي، على حد قول الكاتب الأمريكي ” جون سولر” مؤلف كتاب ” نفسيّة الفضاء الإلكتروني”.

لفقد خلقت تكنولوجيا الاتصال حالة جديدة من الشعور ومن التّفكير الإنساني، حالة انتقل فيها الإنسان من الرغبة في البحث عن مساحة خاصة، إلى البحث عن صورة أخرى لتلك الحياة، موازاة مع ما يعيشه في عالمه الواقعي ضمن أسرته أو مع رفقائه وزملاءه في العمل وغيرها …

سحرٌ أسود

في هذه الحياة الافتراضية أو الموازيّة، تبدو الحياة الخاصة مثل خط الدفاع الأول الذي تتم التّضحية به للدخول في المعركة، فوسائل العالم الجديد تتغذى ممّا يبثه وينشره الأفراد الذين تسحرهم تكنولوجيا الاتصال يوما بعد آخر، لكنه سحر أسود، التّخلص منه صعب أو مستحيل، حيث كلّما ازدادت جرعة التّعلق بالعالم الذي تحويه شبكة الإنترنيت، كلما ازداد تعرض الحياة الخاصة للانتهاك وامتهان كرامة الناس بنشر صور وتفاصيل عن حياتهم كانت في ما مضى تندرج ضمن دائرة المقدّس الذي لا يمكن امتهانه بسهولة. فبعد أن كان الصحفيون يقعون في فخ المساس بالحياة الخاصة أثناء عملية نقل الأخبار وصناعة البرامج..، فإنّ عصر مواقع التواصل الاجتماعي جعل الأفراد أكثر عرضة للسقوط في ذلك الفخ، بحثا عن نوع من الرضا النفسي الذي باتت تقدمه هذه المواقع لمستخدميها بعد أن أوهمتهم بالتّحرر من كل القيود الذاتية والاجتماعية، فغزت صور الحياة الخاصة تلك المواقع وامتد الأثر ليشمل كرامة الناس وتصوّراتهم السابقة ومقدّساتهم، فالرغبة العارمة في عيش ذلك الرضا الوهمي عبر حصد الإعجاب لا يوازيها شيء آخر .

مع أنّ غاية مقاسمة تفاصيل الحياة الخاصة في عصر يوتيوب، فايس بوك، انستغرام، وتويتر وغيرها من شبكات عصر الاتصال الرقمي الذي نعيشه، لم تعد تقتصر على حصد الإعجاب الوهمي والرضا النفسي فقط، بل إنها أصبحت وسيلة لتحقيق المال والثراء، سواء بالنسبة للمشاهير القادمين من مختلف قنوات الشهرة المعروفة سابقا، أو بالنسبة لنجوم عالم مواقع التواصل الذين يرتكز عدد كبير منهم على مشاركة تفاصيل حياته الخاصة مع ما يسمى بالمعجبين، الذين هم في الحقيقة متلقون متطلّبون، يطلبون المزيد والمزيد من الصور والفيديوهات عن تلك الحياة الخاصة التي تعد لوحدها محتوى قنواتهم أو صفحاتهم، فيرى البعض نفسه ملهما للآخرين ويرى البعض الآخر أنه يستحق أن يكون نموذجا يحتذى به، فيما كثيرون ينخرطون في لعبة التسويق التجاري وهم جزء مهم من عالم استهلاكي، يختلق كل يوم أنواعا جديدة من السلع و يوهم الناس بأنهم في حاجة ماسة إليها لضمان الرفاهية وأسلوب الحياة الأمثل.

لقد جعل عصر هذه المواقع استعراض الحياة الخاصة سبيلا للثراء والشهرة، وكلما زادت درجة التباهي و”التعري” أمام الآخر ازداد حجم الانتشار والمكاسب المادية بغض النّظر عن الإضرار بالقيم الإنسانية. ويمكن لنا اليوم أن نسرد نماذج كثيرة في كل بلد عن هذه الظاهرة، لعل أبرزها عالميا ما يصفه الأمريكيون بظاهرة عائلة “كارديشيان” التي بنت امبراطورية تجارية من بيع تفاصيل حياتها الخاصة عبر تلفزيون الواقع قبل اكتساح مواقع التواصل الاجتماعي.

القانون وحق الخصوصيّة

 بعيدا عن التّمازج الحاصل اليوم بين الإعلام التقليدي والإعلام الإلكتروني، من حيث تبادل نشر المحتوى واستغلال كل التّطبيقات التي تتيحها تكنولوجيا الاتصال عبر شبكة الإنترنيت، يجدر بنا دائما طرح التساؤل عن حدود حرية الإعلام والحق في خصوصية الأفراد؟ أو لنقل ألا يجدر بنا إبقاءه حيا في ضمير وسائل الإعلام على الأقل؟ ألا يجدر بالصحفيين أن يكونوا أكثر كفاءة وقدرة على احترام مفهوم الخصوصية وتكريسه بدل اختراقه وتمييعه ..؟ في الوقت الذي يجب فيه أيضا حث الأفراد على احترام الحد الفاصل بين الخاص والعام حينما يشاركون تفاصيل تخصهم أو تخص الآخرين حتى لا يلحقون بهم الأذى..

تحفظ الكثير من القوانين عبر العالم وكذا مدوّنات السلوك المهني ومواثيق أخلاقيات المهنة، حق الخصوصيّة للأفراد وتجرّم اختراقه، وهو من الحقوق الطبيعيّة للأشخاص، فقد اعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنّه لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته ولا لحملاتﹴ تمس سمعته وشرفه، ولكل شخصﹴ الحق في أن يحميه القانون من ذلك التدخل أو تلك الحملات”. ومن بين تعريفاته الشائعة أيضا ” أن يكون للأفراد والجماعات والهيئات والمؤسّسات، الحق في أن يحدّدوا لأنفسهم متى وكيف وبأي قدرﹴ يمكن إيصال المعلومات الخاصة بهم إلى غيرهم ” مع العلم أنّ تهديد الخصوصيّة ازداد مع ازدياد وسائل الاتصال والأوعية التي تُستخدم لحفظ المعلومات الشخصيّة، كالهواتف النقّالة والبريد الإلكتروني والكومبيوتر المحمول وبطاقات الذاكرة والألواح الإلكترونية وغيرها .. ولذلك فقد اتجه المشرّع الجزائري إلى الاعتراف بحق الأفراد في الخصوصيّة وحماية حياتهم الخاصة تماشيا مع تكريسه في كل الدساتير السابقة والدستور الحالي.

وفي العمل الصحفي والإعلامي عموما، يعتبر الامتناع عن المساس بحرمة الحياة الخاصة للأفراد وخصوصيّاتهم من الأخلاقيات التي نصّت عليها وتبنّتها أغلب مواثيق أخلاقيات المهنة، كما نصّ عليها القانون العضوي للإعلام 12-05 الذي أدرج كرامة الإنسان والحريات الفردية والجماعية في نفس مرتبة الحق في الخصوصية، حيث نصّت المادة 93 منه على منع انتهاك الحياة الخاصة للأشخاص وشرفهم واعتبارهم، كما يُمنع انتهاك الحياة الشخصية للشخصيات العمومية بصفة مباشرة أو غير مباشرة. مع العلم أنّ المشرّع اتّجه إلى إيجاد آلية لتجريم الأفعال التي تمس بالحق في الخصوصيّة من خلال نصوص جزائية ( المادة 303 مكرر 1.. من قانون العقوبات ) تنص على معاقبة كل من يتعمّد المساس بحرمة الحياة الخاصة للأشخاص بأية تقنية كانت، وذلك بالتقاط أو تسجيل أو نقل المكالمات أو الأحاديث الخاصة أو السرية للغير، أو القيام بنقل أو تسجيل أو التقاط صور لهم في أماكن خاصة، دون الحصول على إذن منهم أو رضاهم، أو الشروع في القيام بجميع هذه الأعمال، بالحبس من 06 أشهر إلى 03 سنوات، وبالغرامة من 50.000دج  إلى 300.000 دج، مع إمكانية وضع الحد للمتابعة الجزائية في حالة صفح الضحية على المجني عليه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق