page contents
أقلام الوطن

تجريم الاستعمار الفرنسي لا يحتاج إلى قانون

بقلم الدكتور عز الدّين معزة

صرح السيد “عبد المجيد شيخي” مستشار الرئيس الجزائري المكلف بشؤون الذاكرة خلال الفترة الاستعمارية الممتدة بين “1830-1962” بما يلي: “إن تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر لا يحتاج إلى نص قانوني، لأن الشعب الجزائري جرمه منذ زمن”. ومضيفا: “بالنسبة إليّ كمسؤول يشرف على ملف الذاكرة، هذا الأمر ليس بأولوية”، ثم استدرك قائلا: “مهمتنا الأساسية هي إبراز نضال الشعب الجزائري ضد الاستعمار ووضعه في متناول الجميع”.

قضية تجريم الاستعمار الفرنسي الاستيطاني للجزائر من 1830 إلى 1962، طُرحت بشكل سيئ خلال السنوات العشرة الأخيرة؛ ففي فيفري 2010، قدّم 125 نائبا في المجلس الشعبي الوطني مشروع قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي للجزائر، إلاّ أن تلك المبادرة تلاشت، ودفنها الرئيس المخلوع “عبد العزيز بوتفليقة”.

الاستعمار – في حد ذاته – جريمة ضد الإنسانية، وعليه تقديم الاعتذار والتعويضات المادية، وما يطالب به الشعب الجزائري فرنسا هو الاعتراف بجرائمها في الجزائر طيلة 132 سنة، والاعتذار عما ارتكبته في الجزائر من جرائم ودفع التعويضات.

هل يكفي حسب تصريح “عبد المجيد شيخي” أنّ الشعب الجزائري قد جَرّم فرنسا منذ زمن أن يدفع فرنسا بناء على ذلك إلى الاعتراف والاعتذار وتقديم التعويضات للشعب الجزائري؟

كل المؤرخين بما فيهم مؤرخو فرنسا النزهاء يؤكدون على ارتكاب الاستعمار الفرنسي في الجزائر من 1830 إلى 1962 جرائم ضد الإنسانية. وعلى سبيل المثال لا الحصر سوف أركز على مؤرخة فرنسية اهتمت بالتوثيق لجرائم فرنسا في الجزائر خلال الثورة التحريرية من 1954 إلى 1962. ففي سنة 2000، ناقشت المؤرخة “رافائيل برانش” أطروحة دكتوراه في التاريخ المعاصر الموسومة بـ “الجيش الفرنسي والتعذيب أثناء الحرب الجزائرية “1954-1962”.

تطرقت بأدلة موثقة إلى فضح السياسة الفرنسية في الجزائر وركزت في أطروحتها على سياسة التعذيب التي مارسها الجيش الفرنسي على الجزائريين المدنيين بمختلف الوسائل، وشرحت أساليب التعذيب بالماء، كرسي الاعتراف، مخلب القط، قناع العار، التعذيب بأداة التثبيت الخشبية، وتؤكد بأنها أساليب تعذيب ممنهجة مارسها الجيش الفرنسي في الجزائر.

لكن، هذه المؤرخة لم تذكر أن عشر ملايين جزائري كانوا كلهم في سجن كبير محاصر بأسلاك شائكة مكهربة على الحدود الجزائرية المغربية والحدود الجزائرية التونسية مع تهجير 3 ملايين جزائري ووضعهم في معسكرات شبيهة بالمعسكرات التي وضع فيها النازيُون اليهودَ خلال الحرب العالمية الثانية، وربما أسوء منها بكثير وتهديم أكثر من 300 قرية جزائرية، وإقامة مناطق محرمة في عدة جهات من الوطن مع تجويع السكان وتقنين الطعام ومنع حركة التنقل داخل الوطن إلاّ بعد رخصة تمنحها فرق الإدارة المختصة، مع سكوت منظمة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة على استعمال الجيش الفرنسي أسلحة محرمة دوليا (النابالم وإجراء تجارب نووية فوق التراب الجزائري).

في شهر جوان 2000، خصصت جريدة “لوموند” الفرنسية ملفا كاملا عن جرائم فرنسا في الجزائر ووضعت عنوان “التعذيب وذاكرة الفرنسيين”، صدر هذا الملف في عدة صفحات بالوثائق والصور والملفات والشهادات الحية، أَذكر بعضها:

شهادة “لويزة إغيل أحريز” التي شاركت في معركة الجزائر، وألقي القبض عليها في سبتمبر 1957، وتعرضت لتعذيب جهنمي لمدة ثلاثة أشهر كاملة متهمة الجنرال “ماسو” والجنرال “بيجار”. شهادتها هاته أثارت عاطفة السفاح “بيجار” الذي هدّد بمحاكمة الجريدة واصفا تصريحات “لويزة” بأنها “نسيج أكاذيب”، على عكس الجنرال السفاح “ماسو” الذي اعترف صراحة بممارسة التعذيب أثناء ثورة التحرير قائلا: “عندما أفكر في الجزائر أشعر بالحزن. . كان بإمكاننا القيام بغير ذلك”.

أما المؤرخ “بيار فيدال ناكيه” فقد عبر بقوله: “لم أتصور أنني سأرى هذا في حياتي”، هذا الأخير قد وثق بالأدلة ما كان يرتكبه المكتب الثاني للجيش الفرنسي من أساليب تعذيب ممنهجة، التي استمدها من “غيستابو” النازية.

أما الجنرال المجرم “بول أوساريس”، فقد اعترف صراحة لجريدة “لوموند” بإعدامه لـ “علي بومنجل” بإلقائه من على الطابق السادس يوم 23 مارس 1957، واغتياله “العربي بن مهدي” شنقا بيديه. هذه الاعترافات التي توثق لجرائم ضد الإنسانية من بعض جنرالات وأطروحات المؤرخين الفرنسيين والجزائريين أقلقت السياسيين الفرنسيين واليمين المتطرف، حيث لجأ الرئيس الفرنسي “جاك شيراك” إلى سحب وسام جوقة الشرف من الجنرال “بول أوساريس”، وعندما سأل صحفيو جريدة “لوموند” هذا الأخير عن ذلك أجابهم، قائلا: “لقد عوقبت على ما قلته، وليس على ما فعلته”، مضيفا: “أن ما قمت به في الجزائر من أعمال غير قانونية كانت بأمر من الحكومة الفرنسية وما أنا إلا عسكري أطبق الأوامر”.

جرائم فرنسا الاستعمارية في الجزائر لم تبدأ مع ثورة التحرير أو كما يريد بعض المؤرخين الفرنسيين أن يؤكدوه بأن جرائم فرنسا ضد الإنسانية في الجزائر بدأت مع معركة الجزائر التي قادها الجنرال “ماسو” سنة 1957، بل هي سلسلة متواصلة من الجرائم ضد الإنسانية في الجزائر منذ 1830 إلى تاريخ خروج فرنسا من الجزائر، بل إن كلمة استعمار في حد ذاتها جريمة ضد الإنسانية، ومن الخطأ جدا أن نركز فقط على جرائم القتل والإبادة وإحصاء عدد شهدائنا الأبرار، وما تلك الجرائم ضد الإنسانية إلا جزءا من جرائم أخرى ارتكبها الاستعمار الفرنسي الاستيطاني في وطننا، منذ نزوله في سيدي فرج يوم 14 جوان 1830، وهو يرتكب جرائم في حق شعبنا، حارب مقوماتنا من تاريخ ولغة وعادات ودين، صادر الأراضي، هجّر السكان قسرا مع تفقير وتجهيل الشعب الجزائري، وكل هذه الجرائم راسخة في ذاكرة كل جزائري؛ فالشعب الجزائري جرّب الاستعمار منذ 1830 فهل يكفي ذلك حسب تصريح “عبد المجيد شيخي” لأن تعترف فرنسا بجرائمها وتعتذر للشعب الجزائري وتعوضه عما عاناه من فقر وجهل وتقتيل وإبادة ونهب لثروات بلاده؟

من الممكن أن نقول إننا لسنا في وضع يسمح لنا بالضغط على فرنسا للاعتراف بجرائمها ضد الإنسانية في الجزائر، وتهرب المسؤولين الجزائريين من سنّ قانون يجرم فرنسا.

فحراك 22 فيفري 2019 طالب فيه الشعب الجزائري بمقاطعة فرنسا سياسيا وثقافيا واستبدال اللغة الفرنسية باللغة الإنجليزية، بل وحمّلوا فرنسا كل ما آلت إليه الأوضاع في الجزائر منذ 1962.

من المؤكد أن السياسة الاستعمارية في الجزائر كلها بنيت على إهانة الشعب الجزائري وسلب حقوقه وأرزاقه ومعاملته كمعاملة العبيد، فليس الجيش الفرنسي وحده من ارتكب جرائم ضد الإنسانية في الجزائر ولكن النظام الإداري كله كان مجرما ومتعسفا وظالما.

فلماذا لا نفتح نقاشا عاما حول جرائم فرنسا الاستعمارية ضد الإنسانية، وننقل بذلك تاريخنا كما هو بلا انتقائية ولا أدلجة للأجيال التي ولدت بعد 1962؟ أم أن الأمر دُبِّر بليل؟ فمعظم مراكز التعذيب التي كانت منتشرة عبر التراب الوطني قد أزيلت وطمست آثارها، ومناهج تدريس تاريخ ثورتنا التحريرية لأولادنا لا يركز بصفة عقلانية ومنطقية على ما قام به الاستعمار الفرنسي في الجزائر.

لماذا استطاع اليهود أن يفرضوا على عدد كبير من الدول الأوروبية وغيرها قوانين تحرم إنكار المحرقة ومعاداة السامية؟ هل الشعب اليهودي هو الذي فرض على الدول ذلك القانون؟ أم أن حكومة الكيان الصهيوني هي التي ضغطت على الدول بقوانين تحرّم معاداة السامية وإنكار المحرقة؟ وهل تأسيس محكمة “نورينبيرغ” كانت بسبب تجريم شعوب الحلفاء للنازية، أم أن قادة الحلفاء هم الذين أسسوها لمحاكمة النازيين الذين ارتكبوا فضائع بحق الإنسانية؟

هل نطالب بتجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر أم ندعو إلى تجريم الاستعمار الفرنسي في كل من إفريقيا وآسيا؟

الأحرى بدعاة إصدار قانون يجرم الاستعمار الفرنسي في الجزائر أن يتعاونوا وينسقوا مع كل الدول التي استعمرتها فرنسا وتقديم شكوى موثقة بكل الدلائل لمحكمة الجنايات الدولية، والضغط على فرنسا لدفعها للاعتراف بجرائمها ضد الإنسانية التي ارتكبتها خلال مرحلة استعمارها لتلك الدول.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى