page contents
أقلام الوطنبزنس

تحريك أسعار الوقود.. مسألة بحاجة إلى نقد أمام تحدي تأمين النقود

في منظوري، أجد بأن الزيادة في أسعار الوقود، هذه المرة، سيكون لها أثرا محسوسا على مختلف سلاسل القيمة في السوق وفي حياتنا اليومية، خاصة في أسعار النقل (نقل المسافرين، ونقل البضائع والمنتجات، ونقل المواد الخام التي تدخل في السلاسل الصناعية)، بإعتبار الزيادات في أسعار وقود الديزل، الذي يشكل استخدامه ما يقارب (3\4) إجمالي الوقود المستهلك وطنيا، تزيد عن 21 %.

مدخل:

لقد تضمن مشروع قانون المالية التكميلي لسنة 2020 مراجعة الرسوم على المنتجات البترولية والتي سيترتب عنها زيادة في أسعار الوقود على مستوى محطات التوزيع، هذه الزيادات التي ستمس مختلف أنواع الوقود السائل (البنزين العادي، البنزين الممتاز، البنزين دون رصاص، الديزل)، و هي مُبينة في الجدول التالي، كما أنها مرفقة بسرد مفصل لمختلف الزيادات التي مسّت أسعار الوقود في الحظيرة الوطنية للنقل، منذ العشرية (2005-2015)، مع تبيان نسب هذه الزيادات المتتالية. هذه الزيادات أعتبرها عملية غير محدودة في الزمن بل ستتواصل لاحقاً وفقاً لمقاربة “تحريك أسعار الوقود” ضمن منظور “رفع الدعم النهائي عن المواد الطاقوية المسوّقة في السوق الوطنية”.

لذلك أجد من الأهمية المساهمة في التأسيس لنقاش وطني منهجي يستحضر عديد المقاربات والمنظورات والتجارب الدولية، حتى يكون بإمكاننا إيفاء الموضوع حقه من المعالجة، و استخلاص العناصر المفتاحية التي ستقودنا إلى معالجات متينة ومتماسكة وأيضا تكون منسجمة مع مضامين المراجعات التي ينبغي أن تخضع لها منظومتنا الإقتصادية. وحتى يكون مقالي هذا خطوة في هذا الإتجاه، سأعتمد فيه على اللغة الإحصائية الحيّة التي تقوم على استنطاق الأرقام.

  1. تطور أسعار الوقود عندنا في الجزائر (بالدينار الجزائري)

 

 

 

السعر (دج)

2020 2018 2017 2015 نسبة الزيادة (%)
2020\2017 2020\2018 2018\2017 2020\2015 2015-2005
البنزين العادي 41,94 38,94 32,69 21,20 + 28,29 + 7,7 + 19,12 + 98 + 00
البنزين الممتاز 44,97 41,97 35,72 23,00 + 25,89 + 7,15 + 17,5 + 95 + 00
البنزين دون رصاص 44 41,62 35,33 22,60 + 24,54 + 5,72 + 17,80 + 94 + 00
المازوت (الديزل) 28,06 23,06 20,42 13,70 + 37,41 + 21,68 + 12,93 + 105 + 00

 

عند تحليلنا لمعطيات هذا الجدول، نجد بأن الملاحظة الأولى التي يمكن استخلاصها، تبين لنا أن الجزائر وصلت إلى الرفع من مستوى أسعار الوقود بنسبة 100 في المائة خلال مدة قصيرة لا تتعدى الستة (6) سنوات، بينما كانت الأسعار مستقرة خلال عشرية كاملة (2005-2015)، وقد تمّ تحريك الأسعار مباشرة بعد دخولنا في دائرة الصدمة البترولية الأولى للعشرية الثانية من هذا القرن والتي هزّت العالم بأسره، ثم العودة الآن لتعميق مسعى الرفع من أسعار الوقود مع الصدمة الثانية الأكثر فتكاً بالإنسانية جمعاء والأخطر في تعقيداتها وامتداداتها وتداعياتها.

كما أن الملاحظة الثانية المستخلصة تتعلق بمنحى الزيادات في أسعار البنزين بمختلف أنواعه، حيث هذه المرة، كانت الزيادات أدنى بكثير من آخر زيادات في أسعار الوقود (2018\2017)، بخلاف الديزل (المازوت) حيث نجد الزيادات التي مسّته تعتبر محسوسة، حيث سيقفز سعره بنسبة (+ 21,68) في المائة، ليصل إلى قيمة 28,06 دينار، كما سيسجل سعره زيادة أعلى من سعر “البنزين دون رصاص” بما يقارب الأربع (4) مرات.

كما نجد بأن  سعر الديزل (المازوت) قد شهد زيادة تراكمية، خلال الست (6) سنوات بنسبة (+ 105) في المائة، وبالتالي تعد الزيادة الأعلى في نسبتها بين مختلف أنواع الوقود، وهنا ينبغي التذكير بأن الديزل (المازوت) يعدّ الوقود الأكثر استخداما في الحظيرة الوطنية للمركبات، فهو يُشكل ما نسبته 72,86 في المائة من اجمالي الوقود (دون حسبان غاز البترول المميع)، حيث بلغ استهلاك الوقود 14,41 مليون طن في سنة 2019، دون احتساب “غاز البترول المميّع وقود”،  بينما لم تتجاوز حصة كل أنواع البنزين ما نسبته 27,13 في المائة.

الاستهلاك الإجمالي للوقود السائل في الحظيرة الوطنية للمركبات

الاستهلاك

(مليون طن)

2019

الاستهلاك

(مليون طن)

2016

الاستهلاك

(مليون طن)

2015

البنزين العادي 3,91 4,269 4,428
البنزين الممتاز
البنزين دون رصاص
المازوت 10,50 10,323 10,616
الاستهلاك الإجمالي للوقود السائل 14,41 14,592 15,044

 

  1. تطور أسعار الوقود عند الجارة تونس (بالدينار التونسي)

 

السعر (دت) 2020

(ماي)

2019 2018

(جوان)

2018

(أفريل)

2018

(جانفي)

2017 نسبة الزيادة (%)
2020\2017 2019\2017 2018\2010
البنزين الممتاز دون رصاص 2,005 2,065 1,925 1,850 1,800 1,750 + 14,57 + 18 + 40,51
المازوت العادي 1,530 1,570 1,405 1,330 1,280 1,230 + 24,39 + 27,64 + 40,50
المازوت الممتاز 1,775 1,825 1,685 1,610 1,560 1,510 + 17,55 + 20,86 + 66,83

 

  1. مقارنة أسعار الوقود مع الجارة تونس (2020)

 

سعر البنزين دون رصاص سعر

المازوت العادي

سعر

المازوت الممتاز

(خالي من الكبريت)

الأجر القاعدي ($) متوسط الأجر الشهري ($)
الدينار الدولار الدينار الدولار 154,26 316
الجزائر 44 0,34 28,06 0,22
تونس الدينار التونسي الدولار الدينار التونسي الدولار الدينار التونسي الدولار 119 (40 سا) 346
2,005 0,7 1,530 0,53 1,775 0,61 139 (48 سا)
النسبة

(تونس\الجزائر)

2,06 2,41 0,90 1,09

 

عند تحليلنا لمعطيات الجداول السالفة الذكر سنجد أن الزيادات في أسعار الوقود عند دولة تونس الشقيقة لم تتجاوز نسبتها (+ 50) في المائة خلال العشرة سنوات الأخيرة (2010-2020)، كما أن وتيرة الزيادات هي دوما أقل مما شهدناه عندنا في الجزائر، وهذا ما يدلل على طبيعة منحى الزيادات في سوق الوقود الجزائرية، والتي تستهدفها المقاربة بتحريك الأسعار إلى مستوى “التعادل الإقليمي” بأن تكون مساوية لأسعار الوقود في دول الجوار المغاربي أو على الأقل الإقتراب قدر الإمكان من مستوياتها، وهذا ما يوضحه الجدول التالي الذي يبين تطور أسعار الوقود عند الجارة تونس، وفيه نجد بأننا في سنة 2020 وصلنا إلى تقليص الهوة في السعر مقارنة مع الجارة تونس وإيصالها إلى مستوى الضعف فقط بالنسبة لأسعار البنزين الخالي من الرصاص، بينما كان الفارق بيننا في سنة 2017 هو 2,22 مرة. بينما الديزل (المازوت) كان التقليص في “الهوة السعرية” له طفيفا بعض الشيء حيث انتقلنا من فارق بـ 2,67 ضعف في السعر إلى 2,67 ضعف. لذلك يبقى التحدي الجوهري للجزائر يتمحور حول سعر المازوت (الديزل).

مع التذكير بأن استيراد الديزل خلال الفترة (2007-2016) والذي تجاوز في كمياته خلال هذه الفترة الممتدة على مدى عشر (10) سنوات الـ 12 مليون طن بفاتورة قاربت الـ 10 مليار دولار. ولذلك حين ندرك بأننا وصلنا إلى تحقيق مستوى تعزيز القدرات المحلية بما أكسبنا المقدرة على وقف استيراد هذه المادة الطاقوية، وهذا ما سيمكن المجموعة الوطنية من توفير مقدار هام من العملة الصعبة كانت قد تجاوزت في قيمتها متوسط الواحد مليار دولار كفاتورة لإستيراد الديزل فقط، خلال عشر سنوات، بينما تجاوزت اثنين (2) مليار دولار لكل أنواع الوقود خلال الخمس السنوات التي سبقت 2019. كما أن فاتورة الدعم لوقود الديزل المستوردة كانت باهظة، لكنها تعطينا فكرة جيدا على فارق الأسعار، فعلى مدار (10) سنوات كان متوسط سعر الديزل المستورد هو 0,7 دولار للتر، أي ما يكافئ تقريبا 61,30 دج، وكان يباع على مستوى محطات التوزيع بسعر 13,70 دج، تخيلوا الآن فارق الدعم لكل لتر والذي يقدر بـ 48 دينار جزائري .. !!!

  1. الفلسفة الإقتصادية للزيادات في أسعار الوقود ومنطق الخيارات

المعلوم أن فرض رسوم على منتجات أو مواد أو الرفع منها، يستند إلى مسوغ ما، إما السعي لتشكيل اتجاهات ايجابية في الإستهلاك أو الاستخدام والاستعمال، كالترشيد مثلا، أو لكبح أفضليتها مقارنة مع منتج مماثل، أو للدفع نحو استخدام بدائل أخرى متوفرة وجاهزة للإستخدام بفعالية و يسر، أو لدافع جبائي محض، وفي العديد من الدول، على سبيل المثال دول الإتحاد الأوروبي، تشكل الرسوم على الوقود أهم موارد الجباية لخزينة تلك الدول. لذلك حين نتناول مسألة “الرفع من أسعار الوقود” في إطار مقاربة نقدية، ينبغي لنا معرفة الدافع من وراء ذلك، وما هي النتيجة المتوخاة منه ؟

انطلاقا من ذلك أجد بأن المسعى الجزائري منذ مباشرته تحريك أسعار الوقود، لم يخرج عن نطاق منطق الجباية الصرفة، فلا بدائل مطروحة أمام المواطن ..!! .. ولا اتجاهات ايجابية للإستهلاك تشكّلت، ولا بعد بيئي تحقق، وهذا ليس تحاملا، إنما هي حقائق الأمور المستمدة من الواقع المعاش.

المعلوم أنه في كلّ دول العالم التي تتوخى في منظور إجراءات الرسم والضريبة في قطاع النقل وعلى المركبات هو الدفع بالساكنة إلى التوجه لإستخدام النقل العمومي، وهي مجتمعات يشير فيها مؤشر التنمية في مجال النقل لعديد الدول منها إلى تجاوزها (650 سيارة لكل 1000 فرد من الساكنة) بينما نحن عندنا لم نتجاوز مؤشر (150 مركبة لكل 1000 ساكن)، ورغم ذلك فهي تمتلك شبكة واسعة من النقل الحضري والجماعي الجدّ متطور، كما أنها بغية تسهيل حركة الأفراد فهي قد نجحت في التوسع في استخدام الأجيال الجديدة المتطورة والمريحة للدرجات الكهربائية التي يمكن استخدامها من قبل أي مواطن مهما كان عمره أو جنسه أو مهنته حتى ولو كان رئيس وزراء دولة، وقد هيئت بنية تحتية تستوعب ذلك وتسهل استخدامه.

لكن المشكلة عندنا فهناك فوضى في النقل الجماعي، عندنا شبكة نقل لا تستجيب لمعايير الاستخدام الحضري سواء من الجوانب التقنية أو الإنسانية أو الوتيرة الزمنية أو لمعايير السلامة الفردية والأمن الاجتماعي، مما يدفع بكل الساكنة إلى التوسع في استخدام السيارات السياحية الفردية، مع تفجر ظاهرة الدراجات النارية من مختلف الأحجام، والتي أصبحت تشكل خطرا حقيقيا على الساكنة و يتنامى حجم هذه المخاطر كلّ يوم، مع تولد اختناقات مرورية لم يعد بالإمكان معالجتها، مع العلم أن السيارة العادية تستهلك من الوقود في الاختناقات المرورية 2,7 ضعف الإستهلاك خلال السير الحضري العادي لها داخل المدن والحواضر الكبرى، وهذا ما يفسر لنا الهدر الكبير في مواردنا الطاقوية والمالية من خلال الدعم لها.

لذلك أجد بأن الزيادات في أسعار الوقود هذه المرة لا تخرج عن منطق الجباية المحضة، لتضاف هذه الرسوم الجديدة إلى السلسلة الرسم الممتد من قسيمة السيارات إلى “ضريبة البيئة” المفروضة على المركبات، إلى الرفع من رسوم السيارات المستوردة بعد الترخيص للوكلاء باستيراد السيارات السياحية الجديدة لتلبية الطلب ولإعادة تنشيط سوق السيارات بعد حالة الجمود الخانقة.

يا سادة، السيارة لم تعد من الكماليات، بل في وضعنا أصبحت من ضروريات الحياة الاجتماعية، وأزمة كورونا قد بيّنت ذلك، وهنا تكمن زاوية مركزية في النظرة الواعية والمدركة لطبيعة المعالجات المطلوبة والضرورية.

  1. الأثر المباشر للزيادات في أسعار الوقود في حياتنا اليومية

في منظوري، أجد بأن الزيادة في أسعار الوقود هذه المرة سيكون لها أثرا محسوسا على مختلف سلاسل القيمة في السوق وفي حياتنا اليومية، خاصة في أسعار النقل (نقل المسافرين، ونقل البضائع والمنتجات، ونقل المواد الخام التي تدخل في السلاسل الصناعية)، ويمكن أن نخص المنتجات الفلاحية التي بالتأكيد ستشهد أسعارها زيادات محسوسة ومضطردة، بحكم استخدام الديزل سواء في العتاد الفلاحي، أو في نقل المواد الزراعية والمنتجات الفلاحية، وأيضا ستقفز أسعار مختلف المُنتجات الصناعية، لأن بنية القيمة لها ستتغذى من زيادات مزدوجة في المدخل وكذلك في المخرج. فالزيادات في أسعار وقود الديزل، بأزيد من 21 في المائة، هذا الوقود الذي يشكل استخدامه ما يقارب الثلاثة أرباع (3\4) إجمالي الوقود المستهلك وطنيا سيكون له أثره المحسوس من زيادات شاملة في السوق الوطنية، وأحيانا ستكون هذه الزيادات دائرية ومتسلسلة.

من هذا المنظور يفترض من مقرري السياسات العمومية أنهم على إدراك جيد بهذا الأثر المباشر والسريع الذي سنشهده عند دخول هذه الزيادات في أسعار الوقود حيز التنفيذ، بل سنشهد زيادات في أسعار عديد المواد حتى قبل إقرار زيادات الوقود رسميا، بناء على تجربتنا الوطنية السابقة.

يا سادة، إن البدائل موجودة، والمفاضلة بينها أو المزاوجة بين عديدها، هي فرصة سانحة لبناء منظورات مستقبلية تعود بالفضائل الجمة على المجموعة الوطنية (طاقويا، وبيئيا، واجتماعيا، واقتصاديا، وماليا).

يتبع .. لأحدثكم بإذن الله عن البدائل والخيارات

بقلم : مهماه بوزيان – باحث وخبير مستشار في الشؤون الطاقوية والإقتصادية

mah2bouziane@gmail.com

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق