page contents
الحدثتحقيقات وروبورتاجاتملفات

تحقيق حصري لـ”أخبار الوطن”: الباراسيتامول.. المسكن القاتل

الباراسيتامول سمٌّ لا ترياقَ له في الجزائر !

العقارُ خَدعنا 70 عاما.. إنه يُتلِف الكَبد

  • فِرنسا تُقَيِّد بيعَ الدّواء إلّا بوصفةٍ وتحذيرٍ مكتوب
  • عمليةُ زراعةِ كبدٍ كلَّ أسبوع في فِرنسا بسببِ الباراسيتامول
  • الجُرعة المَسموحِ بها 3 غراماتٍ في 24 ساعة !
  • الباراسيتامول فَقدَ صِفة الدواء !
  • الأطباء: “نقترحُ سحبَ “Paracétamol 1 g” من الأسواق الجزائرية !
  • 53 ٪ من حالات التّسمُم بالباراسيتامول في الجزائر “محاولات انتحار” !

يستخدم الجزائريون على غرار شعوب العالم دواء البارسيتامول كمسكنِ آلام دون الرجوع إلى الأطباء أو استشارتهم؛ فالدواء الذي لا تزيد قيمته عن 50 دج أصبحَ ملجأ لكل باحث عن شفاء من وعكة ما، علاجٌ يحمل في جنباته المَوت، موت محقق؛ إذ بيّنت الإحصائيات أن حالات التّسمم بالبارسيتامول مخيفةٌ.. الأطباءُ يحذّرون من سوء استعماله والوزارة الوصيّة تلتزمُ الصّمت، وصحَّة المواطن في خطرٍ بجهله وتواطؤ الوزارة الوصيّة..”أخبار الوطن” تقف عند مخاطر البارستامول في هذا التحقيق الميداني.

 فما سرُّ هذا العقار ؟! سؤالٌ حملته “أخبار الوطن” إلى مصلحة أمراض الكبد والجهاز الهضمي بالمستشفى الجامعي “مصطفى باشا (Entérologie- Gastro- Hépato)، وطافت به في مصلحة مكافحة التّسمّم بمستشفى لمين دباغين بباب الوادي (Service de toxicologie)، وجالت به في أروقة المركز الوطني لعلم السّموم بدالي إبراهيم (Centre Nationale de Toxicologie)، قبل أن تستقرَّ به لدى وزارة الصّحة، علّها تكشفُ سرَّه لك عزيزي القارئ، خاصة بعد قَرارِ البلدِ الأكثر إنتاجا له في العالم (فِرنسا)حضرَ بيعه إلا بوصفةٍ طبيّة وتحذيرٍ مكتوب، ابتداء من جانفي الجاري!

ــــــــــــــــــــ إعداد: شهيرة عنان ــــــــــــــــ

  •  ما هُو البَاراسيتامول؟

يُعرف عقار الباراسیتامول (Paracétamol) في بعض بلاد العالم باسم الأسيتامينوفين (acétaminophène)، هو مستقلب مُستخلص من مادة القَطِران، أخذ مكانته بين البشر في خمسينيّات القرن المُنقضي؛ إذ اشتُهِر بكونه عقارا آمنا مسكنَ آلامٍ وخافضَ حُمى غير مخدّر ولا مسرطنٍ، بالإضافة إلى أنه لا يُسبب الأعراض الجانبية التي يسبِّبُها الأسبرين؛ ما جعله واسع الاستعمال بين البشر بالغين كانوا أو أطفالا وحتى رُضَّعا، ومُتاحا في الصيدليات دون وصفة طبية تُقيِّد بيعَه في كل بقاع العالم – تقريبا!

طرحت شركة “معامل مَاكْنَيْل” (Mc – Neil Laboratories) دواء الباراسيتامول، لأول مرة، في الأسواق سنة 1955 كمعالج للحمى والألم لدى الأطفال. عامٌ بعدها، طرحت شركت “فْرِيدِريكْ سْتِيرِنْز وشركاؤه” (Frederick Stearns & Co) أقراص الباراسيتامول بصيغة 500 (ملغ) في أسواق المملكة المُتّحدة تحت الاسم التجاري “بانادول” (Panadol). وكان “البنادول” – حينها – يُصرف بأمر الطبيب فقط كمسكنِ الألم وخافض حُمى. وكانت دعايته “إنّه لطيفٌ على المعدة!”؛ لأنّ مسكنات الآلام المطروحة وقتذاك كانت تحتوي على الأسبرين وهو مهيِّج مَعَوي على المعدة شديدٌ، ليدخل الباراسيتامول – بعد هذا – الأسواق بمسمَّياتٍ تجارية عديدة، وينتشر استعماله بين الناس انتشارا لَم يشهَدهُ دواءٌ قبلَه قط !

 3 غراماتٍ وما زادَ عنها خَطِر

الباراسيتامول.. شديدُ السُّمِيَّة !

“البراسيتامول” عقارُ قد تَحويه أدوية بعلامات تجارية مختلفة، تشير إليه في نشراتها المرفوقة بالدواء (la notice) باسمه المشهور باراسيتامول أو باسم الأسيتامينوفين. فالـ “بانادول” (Panadol) والـ “دوليبران” (Doliprane) والـ “بارالغان” (Paralgan) والـ “إفرالغان” (Efferalgan) كلها أدويةٌ مادتها الفعّالة الأساس هي “الباراسيتامول”، بالإضافة إلى توفُّر أدوية أخرى تحوي هذا العقار كمضادات الالتهاب ومسكنات آلام أخرى، ومضادات الأنفلونزا ومضادات الرّشح. هذه أدوية تُستخدم على نطاق واسع في العلاج الذّاتي رغم أنها لا تخلو من المخاطر؛ وفي هذه الحال قد يتداخل استعمالها عند شخص واحد، ما يعرِّضه إلى تجاوز جرعة الباراسيتامول المسموح بها يوميا، فيتسمم!

 قبلَ وقتٍ قريب، كانت جرعة الباراسيتامول المسموح بها 4 غرامات في 24 ساعة لدى البالغين، تُؤخذ في فترات متباعدة لا تنقصُ عن 6 ساعات. إلا أن عام 2020 جاء بنبأٍ جديد، حلّ علينا ليقول فيه الأطباء إن في الغرامات الأربعة خطر؛ هي ثلاثةٌ فحسب إن تقيّدَ بها المريض نفعه العقار وأفاده، وإن تجاوزها عرَّض كبده للضّرر!

اعتُبِر الباراسيتامول منذ طرحه في الأسواق سنة 1955 آمنا، فلا هو يُسبب السرطان ولا هو مضر بالمعدة عكس “الإيبوبروفين” و”الأسبرين”. إلا أن عام 1966 كان نقطة تحوّلٍ في تاريخ الدواء؛ فقد سجّلت فيه أول حالة تسمم بالباراسيتامول (intoxication par paracétamol)؛ إذ كشف الأطباء عند المصاب تركيزا عاليا من مادة الأسيتامينوفين في الدّم، سببت له ضررًا بالغا في الكبد أفضى إلى وفاته. ليقف الأطباء على حقيقة مفادها أن هذا العقار قد يكون مصدر أكثر التسمُّمات الدوائية خطورة، والتي قد تؤدي إلى الوفاة!

أوّلُها غَثيان وآخرها تَلفٌ دِماغي كَبدي!

أعراضُ التّسمُّم بالباراسيتامول ومراحلُه

يُحدِثُ التسمّم بالباراسيتامول في مراحله الأولية أعراضا خفيفةً قد لا ينتبِهُ إليها الطبيب أو المصاب، ومع ذلك يؤكِّد الأطباء أهميةَ تشخيص حدوث حالات التّسمم في مراحلها الأولى، لتدارك خطر وقوع الضّرر بالكبد، لأنه أكثر الأعضاء تأثرا بجرعات الأسيتاموفين الزائدة.. تنقسم مراحل التّسمم بالباراسيتامول إلى أربع مراحل، هي:

  • وكأنَّ التّسممَ غذائي !

تظهر المرحلةُ الأولى للتّسمم بعد نصف ساعة من أخذ الجرعة الدوائية الزائدة (surdose-de-paracétamol)، وقد تمتدُّ إلى 24 ساعة كاملةً. تتمثّل أعراض التّسمُم في هذه المرحلة في الشعور بالغثيان والقيء وفَرْط في التعرٌّق، بالإضافة إلى الإحساس بالضَّعف. فيصيب الجسدَ وهَنٌ فلا يقوى المصاب على فعل شيء، تماما كما يحصل لدى المصاب بالتسمّم الغذائي. وهنا تكمن خطورة الوضع؛ إذ يهمل المصاب العارض الذي ألمَّ به فلا يستشير الطبيب، وإن فعل فقد يشخِّص الطبيب العارض على أنه تسمّمُ غذائي، فيفوِّت فرصة إنقاذ المريض!

  • تحسنٌ.. مهادنٌ كاذب!

المرحلة الثّانية من التسمّم مُهادنةٌ كاذبة! فيها تختفي الأعراض الأولى؛ فيزول الغثيان ويتوقف الاستفراغ، كما يختفي الإحساس بالإجهاد والوَهَن وتعود للمصاب عافيته ظاهرا. تبدأ هذه المرحلة بعد انقضاء الـ 24 ساعة الأولى، وتدوم حتى 72 ساعة بعد تناول الجرعة الدوائية الزائدة. يشعرُ المصاب في هذه المرحلة بالتحسن والراحة، إلا أنه في الوقت ذاته يَلحقُ الضررُ بالكبد أو الكِلى أو كلاهما! ضررٌ لا يمكن تشخيصه إلا بواسطة تحاليل مخبرية تُظهر إصابة الكبد أو قصورا في عمله وعمل الكلى. وهنا، قد يشعر المصاب بألم إذا جُسَّ بطنه (palpation abdominale) في جهته اليُمنى العلوية.

  • اعتلالٌ دِماغي كَبِدي.. إنّها الغَيبوبة

بعد انقضاء الـ 72 ساعة من بدء ظهور أعراض التسمّم الأولى، تبدأ المرحلة الثّالثة من التسمّم وتستمر حتى مرور 96 ساعة. يشهدُ المصاب في هذه المرحلة عودة علامات الإصابة التي ظهرت في المرحلة الأولى (الغثيان – القيء – الوَهن – التعرّق المفرط)، ولكنّ هذه المرة تكون الأعراض أكثر حدّة، بالإضافة إلى ظهور أعراض جديدة، منها التهاب الكبد (Hépatite)، هو اضطراب يحدث بسبب الاعتلال الكبدي الدماغي (Encéphalopathie Hépatique)، يدخل المُصاب إثره في غيبوبة، ويصيبه فقر دم حاد ونزيف وربما اعتلال الكلى. إذا بلغ المريض هذه المرحلة الخطيرة يُصبح قابَ قوسين من الهلاك، أو ربما أدنى!

  • نجاةٌ.. أو فَشلٌ في وظائف الكَبد

إذا نجا المُصاب بحياته من أهوالِ المرحلة الثَّالثة، يكون قد دخل المرحلة الرابعة في رابع يوم من الإصابة. هنا، يواجه المصاب أحدَ مصيرين لا ثالثَ لهما؛ فإما تماثلٌ للشِّفاء بأعجوبة أو إصابته بفشلٍ في وظائف الكبد أو الكلى؛ ما يحتمُ إجراء عملية زرع كبد أو كلى مستعجلة لإنقاذ حياة المريض.

البَلدُ الأكثر إنتاجًا للعقّار يتبرَّأُ مِنه

فِرنسا تُقَيِّد بيعَ الباراسيتامول إلا بوصفةٍ وتحذيرٍ مكتوب

 أعلنت الوكالةُ الوطنية لسلامة الأدوية والمنتجات الصحية بفرنسا (ANSEM)، نهاية 2019، أنها تسعى جاهدة لتقييد بيع المُنتجات التي تحتوي المادة الفعَّالة الباراسيتامول، وعدمَ السّماحِ للصيادلة ببيعها إلا بوصفة طبية، نظرا إلى تأثيراتها الجانبية الخطيرة في حال تجاوز الجرعة. ولم يمضِ من الوقت الكثير حتى تَبنت الجهات الرسمية في فرنسا قرار الـ (ANSEM)، وأعلنت تطبيقه ابتداءً من منتصف جانفي الجاري؛ حيث منعت الصيادلةَ بَيعَ الباراسيتامول إلا بوصفة طبيّة، مِثلَه مثل الأدوية الصيدلانية الأخرى.

ووِفقَ الـ (ANSEM)، فإنه بالنسبة إلى البالغين الذين لا يعانون من أي مرض ويزيد وزنهم عن 50 كيلوغراما، فإن الجرعة القصوى المسموح بها هي 3 غرامات لكل 24 ساعة. مشيرة إلى أن مدة العلاج القصوى الموصى بها هي 3 أيام في حالِ علاج الحُمى، و5 أيام في حال مداواة الألم. هذا، وألزمت الوكالة ذاتها المختبرات بتدوين عبارة “جرعة مُفرطة = خطر” (surdosage= danger) على غلاف عبوات الدواء، وإلا مُنع المنتوج من التّسويق داخل فرنسا وخارجها.

وأوضحت الوكالة أن الإفراط في تناول الباراسيتامول وراء عملية زرعِ كبد كلَّ أسبوع في فرنسا. معلنةً أن العقار تسبَّب وحده في إجراء 64 عملية زرع كبد من بين 181 عملية زرع أجريت بسبب التهاب الكَبد الحاد.

 يقول البروفسور “لاري دومنيك” (Dominique Larray) – أخصائي أمراض الكبد والطّب الداخلي بمستشفى “مونبلييه”: “نِصفُ حالات التسمم الناجمة عن الإفراط في تناول الباراسيتامول اكتشفت مُصادفة، ما يرجِّح أن الأرقام المسجّلة بعيدة كل البعد عن الحقيقة”، كما أكد أنه من بين 663 مريضاً دخلوا المستشفى بسبب إصابات الكبد الحادة الناجمة عن الباراسيتامول، تناول ثلاثة أرباع منهم جرعة زائدة منه. ونوّه البروفسور بأن اقتران تناول العقار بتناول الكحول زاد إصابتهم تعقيدا وكبدهم تلَفا.

“أخبارُ الوّطن” في مَصلحةِ أمراض الكَبد والجهاز الهَظميّ بمستشفى مصطفى باشا الجامعي

الدّكتورة بليمي هِبةُ الله: نقترحُ سحبَ صيغة (Paracétamol 1 g) من الأسواق !

استكمالا للتحقق، حملت “أخبار الوطن” انشغالها إلى مصلحة أمراض الكبد والجهاز الهظمي بمستشفى مصطفى باشا الجامعي، وهناك أحالنا البروفسور نبيل دبزي رئيس المصلحة على المتخصصة في أمراض الكبد والجهاز الهضمي الأستاذة المحاضرة هبة الله بليمي، التي خصّتنا باستقبال عَكَسَ قلقها وانشغالها بالموضوع.

أفادتنا الدكتورة الأستاذة المحاضرة بأن التسمم بالباراسيتامول يشهد منحاهُ ارتفاعا يدعو للقلق، ومردُّ هذا الارتفاع – في نظرها – هو تفشّي عقلية العلاج الذاتي (auto médication) في المجتمع؛ إذ أضحى المواطن يتناول هذا العقار بلا قيد أو حتى استشارة! كما أشارت إلى أن نجاعة العقار في معالجة أعراض عديدة جعلته واسع الانتشار ومتوفرا في كل البيوت – تقريبا- ما أفقده “صفة” الدواء عند عامة الناس. كما لفتت الدكتور انتباهنا إلى أن الشخص الذي يأخذ حبة باراسيتامول إثر صداع ألمّ به، هو يسعى إلى التخلص من العارض دون الانشغال بمصدره وهذا بيت الدّاء! وضربت لنا مثلا بأولئك الذين يشتكون الصداع النصفي (الشقيقة) فيسكِّنُون آلامهم بالأسيتامينوفين دون استشارة الطبيب، الذي لو قصدوه لأحالهم على طبيب أعصاب يصف لهم علاج الصداع النصفي (الشقيقة) فيبرؤون؛ ولأنهم لا يفعلون يكتفون بتناول مسكن الآلام الذي يفرطون في استعماله فيتجاوزون الجرعة المسموح بها يوميا؛ فآلام (الشقيقة) حادة ومزمنة.

 وما أثار قلق المتخصصة، هو عدم إيلاء المواطن أهمية لتركيز العقار في حبة الدواء التي يتناولها (500 مغ / 1غ)، ما يجعله عرضة لتخطي الجرعة المسموح بها يوميا دون أن يعلم أو يدري! قالت الأستاذة هبة الله: “نفضِّلُ – نحن الأطباء – سحب صيغة (Paracétamol 1 g) من الأسواق، والاكتفاء بصيغة (Paracétamol 500 mg)؛ هذا احتراز لو تبنّته الوزارة سيقلّل حتما عدد حالات التسمم بالباراسيتامول”. ولم تكتفِ الطبيبة باقتراح هذا الاحتراز فقط، بل نصحت بتنظيم حملات توعوية واسعة وعلى مدار العام، حملات تضع المواطن في صورة خطورة الإفراط في تناول العقار الذي طالما اعتبره آمنا 100 %. أكّدت الدكتورة أن الكلّ معني بالمشاركة في حملات التوعية التي ينبغي أن تغطي كل أطياف المجتمع، حملات تستعمل فيها وسائل الإعلام الثقيلة، وتنخرط فيها المدرسة والجامعة والجمعيات بالإضافة إلى شركات الاتصالات الناشطة في السوق الجزائرية عبر رسائل نصية توعوية (SMS) ترسلها دوريا إلى منتسبيها؛ إن الكلَّ معنيٌّ بالتحرك تقول المتخصصة فالمشكل عويص.

قالت المتخصصة إنّ الحالات التي ترد مصلحتنا تكون غالبا حالات خطيرة ومعقدة، فهذه المصلحة تُعنى بالكبد، فإذا وُجِّهَ المصاب إليها، فحتما كبده تضرَّر!

حذارِ.. ليسَ كلّ تسمُّمٍ تصحبُه أعراضٌ ظاهرة !

تحدثت الدكتورة بإسهاب عن أعراض التسمّم بالباراسيتامول، أعراض سبق لنا ذكرها بداية التحقيق، وأشارت إلى أنه عندما يظهر على المريض أعراض إصابة الكبد، فهذا يعني أن عقار الباراسيتامول قد بلغ مستويات عالية في الدم، ما قد يؤدي إلى إصابته بالتهاب كبد حاد، ويستدعي إجراء زراعة كبد مستعجلة، وهو الأمر الذي لا تتيحه مستشفياتنا.

إلا أن الذي شدّنا في تصريح المتخصصة، هو تنبيهها إلى أن بعض حالات التسمم بالباراسيتامول لا تُحدث أعراضا (surdosage asymptomatique)، ما يعني أن المصاب قد يستمر في تناول العقار وكبده متضرر، ولا ينتبه إلا حين يشخَّصُ لديه قصور في وظيفة الكبد أو الكلى!

“أخبار الوطن” في مصلحة عِلم السُّموم بمستشفى لمين دباغين

رئيسةُ مَصلحة علم السّموم..البروفسور قدور سلمة:

الباراسيتامول سمٌّ.. تِرياقُه مفقود في الجزائر !

  • 250 حالةَ تسمّمٍ بالباراسيتامول سجّلتها المصلحة في 9 أشهر
  • 38.5 %من الحالات استدعت العلاج بالترياق (Acétylcystéine)
  • 60.5 % من الحالات سجّلت لدى الأطفال والرُّضَع!
  • اعتماد الـ “Fluimicil” ترياقًا خرقٌ للقانون ويعرّضُ الطّبيبَ للمُساءلة
  • راسلنا الوزارة ثلاثَ مرّاتٍ نُعلمها بخطورة الوَضع ولم نتلقَ ردًا

قصدت “أخبار الوطن” مصلحة علم السموم (Service de Toxicologie) في مستشفى لمين دباغين بباب الوادي، كي تقف على واقع التّسمم بالباراسيتامول في الجزائر. هناك، استقبلنا كلٌّ من البروفسور قدور سلمة رئيسة المصلحة والأستاذة المحاضرة الدكتورة زعموم راضية رئيسة وحدة مكافحة التسمم.

 هَالنا حجمُ انشغال البروفسور قدور سلمة بموضوع التسمم بالباراسيتامول، التي ساءها كثيرا عدم ردِّ وزارة الصحة على مراسلاتها الثلاثة (2017 – 2018 – 2019)، مراسلاتٌ سعت من خلالها إلى وضع المسؤولين في صورة تفاقم عدد حالات التسمم بالأسيتامينوفين في الجزائر. دقّت البروفسور ناقوس الخطر بمراسلاتها الثلاثة، فالاتصالات تردهم بصفة متكررة من المستشفيات ومن الأفراد، طلبا للتوجيه في كيفية التعامل مع حالات التّسمم بالأسيتامينوفين. لكن الأطباء – تقول المتخصصة – يجدون أنفسهم مكتوفي الأيدي أمام حالات التسمم التي تستدعي علاج المصاب بالترياق، فهو غير متوفر في الجزائر كلّها!

 وفي إطار المجهودات التي تبذلها مصلحة علم السموم لاحتواء هذا الخطر المُحدق بالصحة العمومية، أفادتنا البروفسور بأن وحدة الاستعجالات بالمصلحة ذاتها، والتي على رأسها الأستاذة المحاضرة راضية زعموم، تُجري تحاليل طبية لمعرفة كمية الأسيتامينوفين الموجودة بدم المصاب، ولتحديد ما إذا كانت الحالة تستدعي العلاج بالترياق (traitement anti dotique)، هذا الترياق اسمه “أستيل سيستايين” (Acétylcystéine) يوصف كحل يعتمده الطبيب المعالج الذي يتصل بوحدة مكافحة السموم.

استعمالُه معاناةٌ مزدوجَة

                            اعتمادُ الـ “Fluimicil” ترياقًا خرقُ للقانون !                   

قالت البروفسور سلمة قدور إن موضوع التسمم بالأسيتامينوفين كان محورَ نقاش “المؤتمر الرابع للأكاديمية الجزائرية للطب الشّرعي”، وفيه أشارت المتخصصة إلى أن الترياق المستعمل في علاج حالات التسمم بالأسيتامينوفين في الجزائر هو دواء الفلويميسيل وليس ترياق الأستيل سيستايين! قالت البروفسور: “ما تقوم به خرق واضح للقانون؛ إذ إنّ دواء الفلويميسيل مرخّصٌ في الجزائر كمميع للشُّعب الهوائية، وليس كترياق لعلاج التسمم بالأسيتامينوفين، ما يعرض الطبيب إلى المساءلة القانونية إذا حدثت للمصاب تعقيدات إثر استعمال هذا الفلويمسيل. أوضحت البروفسور أن 38,5 % من حالات التسمم المسجلة في الجزائر سنة 2019 استدعت وصف ترياق الأستيل سيستايين عبر محلول وريدي (perfusion)، وهذا الشكل من العلاج غير متوفر إطلاقا، ما يجعل المسعفين في سباق مع الزمن من أجل إنقاذ حياة المصاب؛ سباق يدفعهم إلى استعمال مسحوق الفلويموسيل (Fluimucil) المأخوذ عن طريق الفم (voie orale) وهو الدواء الذي يحتوي المادة الفعالة أستيل سيستايين، هو مسحوق يحلل في الماء، فكيف يأخذه متسمم يتعذر عليه ابتلاع أي شيء من شدة الآلام وحدة القيء وأحينا يكون في غيبوبة تامة؟!

 أمام هذا الوضع الحرج، لا يجد الأطباء سبيلا سوى إذابة الفلويمسيل وإدخاله غبر أنبوب إلى معدة المصاب، إن استطاعوا طبعا. واستفاضت البروفسور تقول: “يتطلب علاج المتسمم عبر المحلول الوريدي 21 ساعة كي تُأثِّر المادة الفعالة فيه و72 ساعة إذا أعطيت له عبر الفم”. ولم تنحصر متاعب الأطباء هاهنا فحسب، بل استطردت البروفسور تقول إن الفلويمسيل غير متوفر – هو الآخر- في المستشفيات بل يتعيّن على المريض شراءه!

 طلبت “أخبار الوطن” من البروفسور قدور سلمة وضع القارئ في صورة تخوُّفها، ومدّنا بأرقام تقطع شكّهه باليقين، فقالت:

سجلت مصلحتنا في الفترة الممتدة من 01 جانفي 2019 إلى 31 سبتمبر 2019 هذه الأرقام:

  • 260 حالة تسمّم بالباراسيتامول (مستوى وطني)
  • 40 % منها سُجلت لدى الأطفال
  • 20.5 % منها سجلت لدى الرضع (أقل من سنتين)
  • 38،5 % منها استدعت العلاج بالترياق (الأستيل سيستايين)

رئيسةُ وحدةِ مُكافحة السُّموم.. الأستاذة المحاضرة راضية زعموم:

الباراسيتامول.. وَسيلةُ انتحارٍ ثمنُها 50 دينارا !

أرجعت الأستاذة المحاضرة الدكتورة زعموم راضية رئيسة وحدة مكافحة السموم بمستشفى لمين دباغين ارتفاع حالات التسمم بالباراسيتامول إلى عوامل عديدة، ذكرت أهمها فقالت: “يَسهُلُ على أيٍّ كان اقتناء علبة باراسيتامول، فثمنه 50 دينارا فقط، ما يجعله متاحا ومصدر تسمم غير هَيِّن. وأضافت أنه وسيلة انتحار متفشية.

حمّلت المتخصصة الأولياء جانبا كبيرا من المسؤولية؛ فكثيرا ما يتركون هذا العقار في متناول الأيدي- تقول – وكثيرا ما يعطونه أبناءهم عند كل شكوى بألم أسنان أو صداع، هذا التصرف أفقد الباراسيتامول صفته كدواء عند الأبناء، ما يشجعهم على تناوله دون إبلاغ أوليائهم، وأي دراية للأطفال بمقدار الجرعة المسموح بها كي يحترمونها ؟!

بعض هؤلاء الأولياء – تقول الدكتورة – لا يحترمون الفاصل الزمني بين الجرعات فيعرضون أطفالهم لخطر التسمم. وعن خطر الإصابات بهذا النوع من التسمم، قالت المتخصصة إن أهونها يستدعي غسل المعدة وأكثرها تعقيدا يستوجب عملية زرع كبد مستعجلة، العملية التي لا تملك مستشفياتنا الإمكانات لإجرائها.

 

             “أخبارُ الوطن” في المَركز الوطني لعلم السُّموم    

               رئيسةُ قِسم مُكافحة التّسمُم المتخصصة في علم الأوبئة..

                        الدكتورة إسياخم وسيلة:

56،3 ٪ من حالات التّسمُّم بالباراسيتامول “مُحاولات انتحار” !

  • 2858 حالة تَسمُّم بالأدوية سنة 2018
  • 229 حالةَ تسمّم بالأسيتامينوفين في 2018

 أفادتنا الدكتورة إسياخم وسيلة المتخصصة في علم الأوبئة ورئيسة قسم مكافحة التسمم بالمركز الوطني لعلم السموم بدالي إبراهيم بأرقام وصفتها بالمقلقة جدا، فقد سجّل المركز على المستوى الوطني 2858 حالة تسمم بالأدوية سنة 2018، ما يمثل 63،1 ٪ من حالات التسمم المسجلة عبر التراب الوطني.

احتل التسمم بالباراسيتامول المركز الثالث بين مسببات التسمم بالأدوية (8 ٪)، بتسجيل 229 حالة تسمم بهذا العقار في السنة ذاتها؛ 43،7 ٪ من هذه الحالات مرتبطة بالحوادث كتجاوز الجرعة حالة وجع الأسنان والصداع النصفي، بالإضافة إلى حوادث التسمم لدى الأطفال الذين يتناولونه خطأ.

أما النسبة الأكبر التي تمثل 56،3 ٪ من حالات التسمم فسببها محاولات الانتحار بالباراسيتامول لدى البالغين والمراهقين.

ختمت الدكتورة إسياخم حديثها بقولها إن المركز راسل وزارة الصحة وإصلاح المستشفيات يخطرها بخطورة الوضع إلا أنهم لم يتلقوا ردا منها.

 “أخبار الوطن” تطرقُ باب الوزارة دونَ أن يُفتح

حملت “أخبار الوطن”، في بداية التحقيق” همَّ المواطن إلى المصالح التي طرقت أبوابها، لكنّها استكملته بإضافة حِمل هذه المصالح إلى حِمل المواطن؛ فوزارة الصّحة وإصلاح المستشفيات وصيّةُ ومستعصيةٌ أيضا، إذ حدّدت لنا موعدا يجمعنا بالمديرة المكلفة بالإعلام السيدة خمخوم جويدة، التي ما إن طرحنا عليها موضوع التسمم بالأسيتامينوفين اعتذرت عن عدم إفادتنا بأي جواب عن سؤال قد نسأله، أو أي معلومة قد نطلبها، متحججةً بغياب الشخص المعني بهذه المسائل. وعدتنا المسؤولة بترتيب موعد معه دون أن تسميه. اتصلت “أخبار الوطن” تسألها الموعدَ، فلا هي ردت ولا هي اعتذرت، لتسقط بذلك حلقةٌ من سلسلة تحقيقنا على أعتاب وزارة الصحة وإصلاح المستشفيات! وعليه، “أخبار الوطن” تستسمحك عزيزي القارئ عُذرا، وتسألك التفهم فالوزارة موصدة أبوابها مُحكمة أقفالها.

🔴🔴 البراسيتامول.. المسكّن القــــاتل!

🔴🔴 البراسيتامول.. المسكّن القــــاتل!

Gepostet von ‎Akhbar elwatane – أخبار الوطن‎ am Mittwoch, 8. Januar 2020

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق