page contents
أقلام الوطن

تونس الثورة المجيدة

الجزء السادس

تلك كانت حالة عربية متميزة، وفي كثير من دول العالم الثالث أيضا، فالرؤساء العرب كانوا قد عمروا في مناصبهم. فلما هبت رياح التغيير بعد انهيار المعسكر الشرقي وتمدد الديمقراطية إلى دوله، وإعدام شاوشيسكو رمزها، كان الحكام العرب يستميتون في التشبث بها، معلنين عن إصلاحات شكلية في بداية تسعينات القرن الماضي، أهمها إقرار التعددية الحزبية. نذكر ذلك في عديد الدول العربية.

في تونس الاستقلال تم اعتماد نظام حكم رئاسي كرسه دستور سنة 1959، بصلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية. نفهم ذلك مع طموحات الحكم الفردي للأنظمة الثورية لما بعد الاستقلال، فالزعيم رمز وحدة الأمة وسيادتها تدعمت صلاحياته بواسطة جهاز حكم (حزب) واحد. رغم أن الدستور لم يقل صراحة بحظر وجود أحزاب أخرى، إلا أنه أقر أن اعتمادها يكون بعد موافقة الحزب الحاكم.

لقد رأينا كيف تضعضعت مكانة الرئيس لحبيب بورقيبة نتيجة محدودية أداء الاقتصاد الوطني، فكانت أحداث قفصة سنة 1980، دفعته إلى إجراء بعض الإصلاحات السياسية في السنة الموالية تضمننت السماح بتأسيس أحزاب سياسية. ثم تردت هذه المكانة بعد تدهور حالته الصحية وعجزه الواضح عن تأدية مهامه. فجاء الإبعاد من طرف وزير داخليته..زين العابدين بن علي في 07 نوفمبر 1987. عهد جديد في تونس تخللته مبادرات بالإصلاح والانفتاح، حيث صدر قانون جديد حول التعددية السياسية في 29 أفريل 1988. وتم توقيع “ميثاق وطني” لدعم الحياة السياسية بمناسبة الذكرى الأولى له مع المجتمع المدني ومنها حركة الاتجاه الإسلامي. بيد أن معالم التغيير قد خبت سريعا بعد تنظيم انتخابات تشريعية سنة 1989 كانت حصة الأسد فيها لحزب الرئيس “التجمع الدستوري الديمقراطي” الذي حاز على نسبة 80.7 بالمائة. وقد سار هذا هدي العهد الجديد الذي سوف يتميز بإحكام قبضة أمنية حديدية في التعامل مع المعارضة عموما، ونسجل منع نشاط حركة النهضة.

تونس التسعينات وبداية الألف الجديدة كانت تشع بالبهجة والأمن وتحقيق أرقام نمو اقتصادية مُرضية، نظر إلي ما كان يتحقق تحت حكم زين العابدين بن علي على أنه طفرة. وقد كان كل شيء يشي بنجاح الرئيس في حكمه، فلم تكن البلاد تشهد أي شكل من أشكال الاضطراب والتململ. كانت مفازة الجزائريين خلال سنوات الانفلات الأمني وانسداد الأفق، مئات الآلاف منهم يعبرون الحدود شهريا لأجل استنشاق نسيم الحياة وعيش لحظات رغدة سياحةً وتسوقا.

الربيع العربي، إيه تونس الخضراء أيامها كلها نضرة وغيداء. لا توجد أي سحابة سوداء في سماءها. أذكر أني زرتها سنة 2009، بلد يضج بالحركة والطموح. كنت مثل مرافقي نمدح نجاح النموذج التونسي، في الانفتاح والازدهار. انطباع لم يكن يستمر طويلا ونحن نبتعد بسيارتنا عن تجلياته في المدن الساحلية. في الجهة الغربية وبالتوجه جنوبا تدرك وجود اختلال كبير في الاستفادة من الرقي والازدهار، كنا نرى أناسا على محياهم نقرأ علامات شظف العيش وقسوته.

كان زين العابدين بن علي يرفل في بدلاته الأنيقة، يبتسم دائما مسرورا. صور اللقاءات في القمم العربية توحي أنه مثل زملائه نجح في رهان الحكم. حسني مبارك منذ سنة 1981 في مصر، معمر القذافي منذ سنة 1969 في ليبيا، عمر البشير منذ سنة 1989 في السودان، علي عبد الله صالح منذ سنة 1978 في اليمن إضافة إلى الملوك.

نعم راحت تونس تعرف بعض التباطؤ في اقتصادها، ولكن هذا ليس هو الأساس في أي تململ بل قصص قصر قرطاج وسيدته الأولى التي صار يقال أنها مرشحة لخلافة زوجها. نعم ليلى الطرابلسي وعائلتها وما يشاع عن ثروات طائلة وفساد بلا حدود، والناس في بؤس كبير. كان يقال أن التونسي شديد البأس والصبر، وأنه سوف لن يتجاوز خط التململ.

ولكن، وبعد حادثة إحراق محمد البوعزيزي لنفسه ثم موته لاحقا، بدا أن شيئا ما قد خرج عن السيطرة لما اندفع الناس إلى الشوارع منددين بالأوضاع السيئة. كثير من الخوف، وقليل من الحرية، وتغلبت الحرية: “خبز وماء، وبن علي .. لا”. شعب الإباء. ثم مشهد ذلك الرجل ليلا وهو يصرخ بصوت يعبر أزمنة التردد والاستبداد:” بن علي هرب.. بن علي هرب”.

بعد أربعة أسابيع من الاحتجاجات والاضطرابات، أطاحت الثورة التونسية الشعبية بحاكم تونس القوي، هرب وتخلى الرئيس زين العابدين بن علي عن الحكم واختياره المنفى الطوعي إلى الخارج يوم 14 جانفي 2011. جاءت مرحلة انتقالية، ولكن أوار الثورة بقي ملتهبا كما التهب في جسم أيقونة الثورة التونسية وفي حناجر أحرار تونس وكل ضحايا القمع الشديد، حيث أُعمل قانون العزل السياسي، كل رموز النظام البائد إلى مزبلة التاريخ. أستعيد رجل من الزمن البورقيبي ، الباجي قائد السبسي، رمزا لتونس الشموخ والطموح، يوم 27 فيفري 2011، كرئيس وزراء للحكومة المؤقتة. وفي 23 أكتوبر تم انتخاب المجلس التأسيسي، الذي سوف يختار  منصف المرزوقي رئيسا للجمهورية وحمادي الجبالي رئيسا للوزراء.

في سنة 2014 تم تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية، وتم انتخاب الباجي قائد السبسي رئيسا للجمهورية. تاريخ وفاة هذا الأخير 25 جويلية 2019، هو زمن جديد لاستئناف مسيرة بناء تونس الحديثة.

لقد بدت الحالة التونسية فريدة من نوعها بسبب نجاح الطبقة السياسية في تسيير مرحلة انتقالية وصياغة دستور توافقي، هذا لم يحدث في مصر رغم إمكانية ذلك. سبب النجاح هو استقلالية السياسي عن العسكري، ووجود مجتمع مدني فاعل ومؤثر. إذ نجحت الطبقة السياسية التونسية عبر الترويكا ( مع أحزاب:  حركة النهضة،  المؤتمر من أجل الجمهورية ، والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات) التي أشرفت على المرحلة الانتقالية في صياغة توافقات حول أهم الإشكالات التي اعترضت فترة الانتقال ألديمقراطيي، يتعلق الأمر ب: مدنية الدولة وموقع الدين والجيش فيها، وطبيعة النظام السياسي برلماني أو رئاسي، ومكانة ودور مؤسسات القضاء والإعلام. فعلى الرغم من الوضع الاقتصادي المنهار بسبب هشاشة الوضع الأمني وتراجع عائدات القطاع السياحي. عبر عنها الرئيس منصف المرزوقي رفقة راشد الغنوشي من خلال  مفهوم “السلطة التوافقية المشتركة” التي تقوم على “القبول بالحرية من قبلهم وقبولنا بالإسلام وأولويّة الأمن والاستقرار على كلّ شيء”. ومفهوم الديمقراطية التشاركية التي كفلت للأقلية المعارضة “سلطة حقّ النقض حول عملية إعداد الدستور؛ ذلك أنّ الدستور يحتاج إلى موافقة الثقافتين الفرعيتين كي يحظى بشرعية على المدى البعيد”[1]. مفهوم يأخذ تعرفه الإجرائي على أنّها :”تجسيد للهياكل المجتمعية التي تفرض إستراتيجيات تعاونية من أجل صنع قرار سياسي ناجع. وبعبارة أخرى، يكون التنسيق بين النخب مبنيًّا على الخوف من الانقسام المجتمعي”[2]. واعتماد التمثيل النسبي مصداقا لمفهوم الديمقراطية التوافقية التي تسعى إلى تحقيق التوازن خاصة في المجتمعات التعددية التي تتميز بوجود انقسامات قطاعية.

هذه الروح تم دسترتها في سنة 2014، ففي توطئة الدستور نقرأ هذه اليباجة:” وتأسيسا لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي، في إطار دولة مدنية السيادة فيها للشعب عبر التداول السلمي على الحكم بواسطة الانتخابات الحرة وعلى مبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها، ويكون فيه حقُّ التنظيم القائمِ على التعددية، وحيادُ الإدارة، والحكمُ الرشيد هي أساسَ التنافس السياسي، وتضمن فيه الدولة علوية القانون واحترام الحريات وحقوق الإنسان واستقلالية القضاء والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات والعدل بين الجهات”. وفي الباب الأول الخاص بالمبادئ العامة تم صياغة الإشكالات المذكورة آنفا كما يلي:

الفصل الأول: تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها.

الفصل الثاني: تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون.

الفصل الثالث: الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات، يمارسها بواسطة ممثليه المنتخبين أو عبر الاستفتاء.

الفصل السادس: الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدّسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها.

بقلم الدكتور عبد السلام فيلالي

يتبع..

[1] – أيمن البوغانمي، الانتقال الديمقراطي التشاركي في تونس: حلول نخبوية في سياق ثوري. مجلة سياسات عربية، دورية محكمة تعنى بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية والسياسات العامة، العدد 32 ماي 2018، ص 94.

[2] – المرجع السابق، ص 92.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى