page contents
أخبار العالمالأخبار المغاربية

تُونس.. الآمالُ والمَخاوفُ!

الرّئيسُ قَيس سعيّد يُطيحُ بالبرلمانِ والحُكومةِ بعد سنواتٍ من صِراع الدِّيَكة

خلفت قرارات الرئيس التونسي قيس سعيّد، الذي أقدم على إقالة رئيس الحكومة وتجميد عمل نواب الشعب ورفع الحصانة البرلمانية عنهم، انقساما داخل الشارع التونسي بين مؤيد ومعارض ومتردد، ورغم أن الورقة الأخيرة التي أشهرها الرئيس جاءت لإنقاذ الدولة التونسية من الانهيار- على حد قوله، وبهدف إنهاء حالة الجمود والاحتقان في المشهد السياسي التي تعرفها البلاد منذ مدة، إلا أن خصومه السياسيين يعتبرونها انقلابا على الدستور والشرعية الشعبية، ما خلّف حالة من الترقب تسود الشارع، الذي أضحى ينتظر ما ستأتي به الأيام القادمة، وسط مخاوف من انفلات الأوضاع، أو تقويض المسار الديمقراطي برمته.

فاتح إسعادي

تسارعت وتيرة الأحداث في الجارة الشرقية بشكل صادم لدى البعض ومتوقع لدى الكثير من المتابعين، وإن كان الإخوان وهم الخصوم السياسيون لرئيس البلاد يعتبرون التدابير المتخذة انقلابا على الشرعية الدستورية، فقد هلّل الكثيرون من أبناء الشعب التونسي بما أقدم عليه رئيس الدولة لوقف العبث بمؤسسات الدولة، لاسيما وأن الأزمة السياسية التي تعرفها البلاد استمرت عدة أشهر، وهي الناتجة أساسا عن صراع بين المؤسسات وبالخصوص بين حركة النهضة التي تقود البرلمان برئاسة راشد الغنوشي، التي تريد تقويض أركان الدولة والاستحواذ على صلاحيات الرئيس الذي أشهر ورقته الأخيرة في وجه معارضيه.

لقد تحول البرلمان التونسي إلى حلبة صراع، لم يسبق لها مثيل، في وقت تعرف فيه البلاد أزمة اقتصادية وسياسية خانقة، لاسيما في ظل تفشي وباء “كورونا”، وعدم قدرة السلطات على التكفل بالمرضى، جراء ضعف الإمكانيات المتوفرة، على غرار نقص الأكسجين. هذا الوضع أثر كثيرا على المجتمع التونسي، تزامنا مع موسم الاصطياف، حيث يشكل القطاع السياحي المورد الحيوي الوحيد لمداخيل البلاد.

كما يتهم الكثيرون حركة النهضة بمحاولة السيطرة على مفاصل الدولة، من خلال استقطاب رئيس الحكومة هشام المشيشي وجعله بمثابة ذراع سياسية لتنفيذ أجنداتها في دواليب الدولة، واتخاذ قرارات وصفت بـ”المشبوهة”، وسعت إلى عزل الرئيس قيس سعيّد المنتخب من قبل الشعب التونسي بصفة شرعية وجعله مجرد دمية في يدها، لكن هذا الأخير، لم يتوانَ بعد صبر وصفه بـ”الطويل” في لجم تحركاتها ، مستغلا في ذلك مناسبة الاحتفالات بالذكرى 64 لعيد الجمهورية ليعلن عن قرارات جريئة كانت ملفوفة بخطاب سياسي صارم.

كل التحاليل تبقى مطروحة، فقد يقول قائل إن ما يحدث في تونس التي تغنى الكثيرون بمسارها الديمقراطي بعد ثورة الياسمين، يعد إحدى نتائج ما أضحى يطلق عليه بـ”مخاطر الديمقراطية”، أو”فخ الديمقراطية”، والتي قد تجر إلى الفوضى في بعض الأحيان، لكن ما يحصل بحسب رأي آخرين دليل على أن الديمقراطية في دول العالم الثالث أمامها مسار شاق وطويل، بالنظر إلى هشاشة الأنظمة الإفريقية، فيما لا يستبعد طرف ثالث ضلوع اليد الأجنبية فيما يحدث.

في انتظار أن تنتصر إرادة الشعوب ودولة القانون، قد تستغرق عملية التطاحن والشد والجذب بين الخصوم السياسيين من أنصار الرئيس ومناوئيه خصوصا من حركة الإخوان أشهرا أخرى، تجعل من الوضع في تونس مرشحا للانسداد أو دخول نفق تجهل نهايته.

رئيس مركز يوغرطة للاندماج المغاربي، مقداد إسعاد لـ “أخبار الوطن”:

 أمن تونس في خطر وهناك تدخلات أجنبية فيما يحصل”

أخبار الوطن: ما حقيقة الأوضاع داخل تونس؟

مقداد إسعاد: تشهد تونس أوضاع صعبة جدا بسبب عوامل كثيرة ومركبة، في مقدمتها تداعيات الوباء الذي تشترك فيه تونس مع باقي سكان المعمورة، ثم أسباب خاصة بتونس وهي اقتصادية مالية وسياسية داخلية. هذه الأسباب مجتمعة ومتداخلة أثرت في الوضع الاجتماعي الذي أصبح يغلب عليه الفقر واليأس والخوف، ما جعل أمن البلاد في خطر وبدأت الفوضى تظهر وتنتشر، الوضع صعب وهو أقل ما يمكن أن نصفه به.

لماذا أقدم الرئيس قيس سعيّد على اتخاذ جملة القرارات الأخيرة المعلن عنها؟

كان التونسيون ينتظرون من الدولة أن تضمن لهم الحد الأدنى مما يحقق لهم الأمن والاستقرار وباقي شروط الحياة من طعام ودواء، لكن مؤسسات الدولة معطلة بفعل الصعوبات المختلفة وفي مقدمتها نظامها السياسي الذي لم يتمكن من المرور بالبلاد إلى وضع الاستقرار أكثر من عشر سنوات بعد ثورة علقت عليها تونس آمالا كثيرة ، في ضمان الشغل والكرامة الوطنية لأبنائها وخاصة الشباب منهم.

كان الجميع ينتظر شيئا، أي تغييرا ما، خاصة من الجهاز التنفيذي الحاكم الذي بيده آليات الحكم، ورغم أن النظام التونسي يعتبر برلمانيا والسلطة الفعلية بيد رئيس الحكومة، إلا أن هذا الأخير كان مكبلا عن قصد من رئيس الجمهورية الذي رفض له التحوير الوزاري الذي وافق عليه البرلمان بأغلبية كبيرة. وكانت النتيجة أن دخلت الدولة في حالة انسداد منعت الحكومة من الحركة. أضف إلى ذلك اعتماد بعض الكتل النيابية، وفي مقدمتها الدستوري الحر بقيادة عبير موسي، خطة تهدف إلى تكبيل عمل مجلس نواب الشعب وخاصة الحزام الموالي للتعديل الحكومي؛ كل ذلك جعل المتاعب تتضاعف إلى حد الانسداد.

وفي وضع كهذا، كان رئيس الجمهورية في وضع مريح نسبيا، بحكم تحرره من مسؤولية التسيير المباشر، وأيضا بحكم صلاحيات له لم ينفك يطالب بها وينسبها إليه، كالعلاقات الخارجية وخاصة العسكرية (أي وزارة الدفاع) والأمنية (أي وزارة الداخلية)، حيث نجحت كل هذه الخطط في إضعاف الحكومة ورئيسها وأيضا الحزام البرلماني الداعم له، واغتنم الرئيس موعد عيد ميلاد الجمهورية الرابع والستين ليعلن عما سماه المتابعون والمختصون انقلابا دستوريا.

هل هناك ضلوع لقوى أجنبية فيما يجري في هذا البلد الجار؟ ومن هي بالضبط؟

طبعا هناك تدخلات أجنبية، بعضها مكشوف مثل الإمارات وبعضها مستتر لكنه فعّال مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي تقدم مساعدات كثيرة، والجزائر أيضا التي هي المتضرر الأول من أي فوضى تصيب تونس – لا قدر الله. هذا، ورغم أن بعض المتابعين يرون أن لمصر دورا كبيرا في ما يحدث في تونس بالنظر إلى التقارب الظاهر بين قيس سعيّد والسيسي ، إلا أني لا أرى ذلك، فتونس ليست مصر من حيث الكثير من الجوانب. فرنسا ولا شك لها تأثير كبير في تونس وممارسات خطيرة مقرفة في بعض الأحيان، ولا شك أنها حاضرة ومؤثرة. لكني أرى ما أقدم عليه الرئيس قيس سعيّد فعلا داخليا توفرت أسبابه ونضجت ثمرته وحان قطافها.

هل للوضع الاقتصادي أثر فيما وصلت إليه تونس؟

لا شك في أن للوضع الاقتصادي تأثير كبير، فتونس في وضع اقتصادي خطير بسبب جائحة كورونا في ظل تراجع الاستثمار وهروب المستثمرين الأجانب، وخاصة ثقل المديونية التي تثقل البلاد وتجعلها تلجأ إلى الاستدانة لسد ديون سابقة. تونس في دوامة مالية لا تحسد عليها، لكني اعتبر أن مشكل تونس سياسي بامتياز.

في هذا الوقت، ما المطلوب من القيادة ومن الشعب التونسيين لتجاوز المحنة؟

المطلوب من الفاعلين في تونس أخذ الدرس كاملا ووضع قواعد تعايش يحترمها الجميع لا إقصاء فيها، يكون الشعب هو السيد، تحترمه الأحزاب وتتنافس على إقناعه بخطابات واقعية وواضحة. الأحزاب التي تغيب الديمقراطية والشفافية وخاصة المالية داخلها لا تصلح.

ما المطلوب من الجزائر لتمكين الأشقاء التونسيين من تجاوز محنتهم الحالية؟

الجزائر جارة كبرى ذات وزن جيو سياسي كبير في محيطها عامة وفي تونس خاصة، وأمن تونس من أمنها لذلك كانت دوما مهتمة ومتابعة عن قرب لتطور الأوضاع في تونس، ولا تتواني في تقديم يد العون دون تردد ولا حساب، خاصة في التصدي للمخاطر الأمنية المشتركة. الجزائر هي الدولة الوحيدة التي تحظى بثقة التونسيين جميعا.

سأله: منير بن دادي

 الخبير الاقتصادي، سليمان ناصر لـ “أخبار الوطن”:

“كورونا دمّرت الاقتصاد التونسي الذي يرتكز على السياحة”

أكد الخبير الاقتصادي سليمان ناصر على “وجود ترابط بين الوضع الاقتصادي الصعب وما وصل إليه البلد من انسداد سياسي”، وأرجع ذلك إلى “خيبة الأمل التي أصيب بها الشعب التونسي عقب فشله في تحقيق أي شيء يذكر بعد عشر سنوات من الثورة، وفقدانهم للثقة في الطبقة السياسية، جراء الصراعات القائمة بين الرئيس من جهة، والبرلمان والحكومة من جهة أخرى”.

وأشار ناصر، في تصريح أدلى به لـ “أخبار الوطن”، إلى أن”الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتدهور القدرة الشرائية للمواطن، تزامَنا مع الأزمة الوبائية التي كانت القطرة التي أفاضت الكأس، بالنظر إلى أن تونس بلد صغير ومع ضعف مداخله الاقتصادية وإمكانياته المحدودة للتصدير”.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن “تونس تأثرت كثيرا بأزمة كورونا عقب فتحها الأبواب أمام السياحة بعد خروجها من الموجة الأولى للوباء، كون السياحة تعتبر أحد أهم مصادر العملة الصعبة في تونس، غير أن الوباء دفع بالبلد لأن يشهد شبه انهيار في الجانب الصحي، بسبب ضعف الإمكانات والمرافق الطبية والمستلزمات صحية عندهم”.

منير بن دادي

الأستاذ في القانون الدستوري، موسى بودهان لـ “أخبار الوطن”:

“لا بدَّ من فتح حوار حتى لا تتعمق الأزمة أكثر”

يرى الخبير في القانون الدستوري موسى بودهان أن الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد أسسها بعد اجتهاد وشرح وتفسير للفصل (80) من الدستور التونسي، ومن حقه ذلك في ظل غياب المحكمة الدستورية باعتباره رئيسا للجمهورية، وفي منصب يسمح له بالاطلاع والمعرفة وفهم وضع البلد”.

وقال القانوني موسى بودهان، في اتصال ربطه بـ “أخبار الوطن”، إنه “بالتركيز على حرفية النص الدستوري وشكله الخارجي للفصل (88) من الدستور، فما كان ينبغي للرئيس أن يتخذ هذه القرارات، وأن يجمد مجلس النواب خاصة، بالنظر إلى أن الحكومة هو من عينها باقتراح من البرلمان”.

ودعا المتحدث بالمناسبة الشعب التونسي إلى “إيجاد حل لأزمته في أقرب وقت بفتح أبواب الحوار، حتى لا تتعمق الأزمة أكثر وتصل الأمور إلى طرق مسدودة، باعتبار أن أمن الجزائر من أمن تونس”.

و أكد الخبير على “موقف الجزائر المنصوص في دستورها، والقاضي باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والجنوح في حل النزاعات إلى الحوار والطرق السلمية”.

منير بن دادي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى