page contents
أقلام الوطن

حربائية السياسة وصناعة الوعي بالقلم والصورة والصوت

بقلم الدكتور حاج بشير جيدور

السياسة والفن والأدب لم تبدأ كقضية بسلسلة “عاشور العاشر” والجدل المصاحب لها من أول يوم صنعت فيه ولن تنتهي عندها أيضا، لكن هي حلقة فقط من حلقات امتزاج السياسة بكل شيء وتداخل الممكنات بفن الممكن، وهي باب من أبواب صناعة الوعي عن طريق (الحرف والكلمة) و(الصوت والصورة) و(الضحكة والدمعة) و(استمالة المتفرج وتأطير فكر السامع) و(تنقية المجال أمام الناقد ورسم الصورة لفريق المنتجين) من أولئك المشتغلين بالوسائط المتعددة وأجهزة البث والالتقاط وصناعة المحتوى الأدبي أو الموسيقي أو السينمائي، سواء أكان رقميا أو تماثليا.

السياسة لا تنتظر تصريحا لتدخل باحات فكر المواطن ولا يطلب منها المواطن إذنا أن تجاوره ليفهم بها طبائع الناس وتشرح له ماهية نفوسهم عندما يتعلق الأمر بحب السلطة والحكم والرغبة بالاستئثار بهما وديمومة ردائهما، ذلك أن أعمالا فكرية وأدبية وثقافية واجتماعية في شكل كتب أو روايات أو قصص أو أفلام أو مسرحيات أصّر منتجوها وكتابها أن يصقلوها بنكهة سياسية ظاهرة أو مستترة من أجل أن يجعلوها “حوامل” رسائل و”أطباقا” لشفرات آمنوا بها، فيضربوا بها عمق الفكر لدى المواطن على أي شكل كان، فيصبح هذا الأخير مشروع مواطن مسيّس وجاهز للفعل عندما تبرز الحاجة إليه، فيكون عضوا في فريق دعم أو إنشاء أو تنفيذ لسابق تجهيز له تم عن طريق كتاب قرأه أو قصة اجترها أو فيلم تابعه أو مسرحية تابع فصولها وجعل نفسه أحد أبطالها.

غير أن الأسف قائم على الأرض لأن صورة نمطية تشّكلت عن العربي عموما أنه رجل يسيره قلبه ولا يحكمه فؤاده فجّل الحواس فيه معطلة، فالبصر والسمع لا يحكمان إنفعالاته أحيانا ولا يؤسسان فيه ثقافة “التعبئة النفسية”، ولا يشكلان فيه القدرة على (رد الفعل الآني)، لأنه اقتنع أو حُمِل على القناعة حملا أن الصورة في مجملها خاضعة للتركيب والمونتاج والزيادة والنقصان، والصوت قد يكون متغيرا أو مكذوبا أو مقبوض ثمنه لم يأت عبر أزقة القلب ليؤثر بل تم صنعه فيما بين الحلق واللسان، ليس فيه من الصوت إلا الصوت والإحساس فيه منعدم.

لا يزال ذات العربي للأسف يجهل دور الأدب والقصة المكتوبان أو المرئيان في تشكيل روح المواطنة لديه وأخذ العبر وتعلم الدروس وإمضاء شهادة ميلاد جديدة له بعنوان (مواطن متجدد)، والكلام هذا نفسه ينطبق على الساسة والحكام والمسؤولين، الذين باتوا هم والمواطن سواء في “الرعونة” و”الغباء” و”السذاجة”، فالسياسي الحاكم والمسؤول عن غفلة يسمح بتمرير أعمال أدبية وفنية وأفلام ومسلسلات وأغاني تُعّري الواقع العربي البغيض ويقدم أصحابها من خلالها صورة تكاد تكون والواقع سواء بسواء إلا أنها عبر شاشة أو على ركح أو في قاعة سينما، فيها ما فيها عن فساده وأشكال قمعه وسياسات تهميشه لرعيته، وتُفَصّل بشكل واقعي كل مفاسده والمظالم الواقعة على من هم تحت مسؤوليته، وبالمقابل يتمظهر المواطن في شكل ذلك “الأبله الغافل” الذي يرتدي عباءة (الذواق) و(المثقف)، فيحضر أمسية أدبية فيها تشريح الواقع الفاسد فيكملها على تصفيقات يديه ثم يعود أدراجه إلى البيت فينام، أو ذلك (الأرعن) الذي يتسمر من ساعة مبكرة في مقعده بقاعة سينما ليتابع فيلما تنهال منه رسائل سياسية كأنها قذائف جيش يستميت وتسيل منه صور الظلم والمظلومين وفساد الفاسدين تحاكي الواقع الذي يعيشه، ولا يفصل بينهما إلا أنه جالس وهم يمثّلون، وينهي جلسة الفيلم على كلمة النهاية، كأن تلك (النهاية) هي نهاية الواقع الحقيقي كما انتهت أحداث الفيلم.

أكاد أجزم أن كثيرا من الأعمال الدرامية من أفلام ومسرحيات قد أنتجت في ظلمة الليل البهيم وتم تمريرها في غفلة من ”السادة الحاكمين” أو أن عين رقيبهم كانت ”مخدرة” ومقصهم ضائع منهم، فلم يشعروا إلا والأوان قد فات، فلو كانت شياطينهم ناظرة وأباليسهم حاضرة ما مرت إلى العربي الذي يخشون ثورته أفلاما مثل كشف المستور” وفيه قصص دامية عن “اللاتي” كن يخدمن الوطن على الأسرة وفي الغرف المظلمة الناعمة أو هكذا تم تفسير الوطنية وحب الوطن لهن، ورائعة “احنا بتوع الأوتوبيس” الذي لم يشذ قاعدة “كشف المستور” عندما نقل جرعة قاسية جدا من الإحباط والحنق (للمواطن / المشاهد) عن الصورة الخلفية للأمن السياسي وما في السجن (غير الظاهر) من عذابات الفنانين والشعراء والبسطاء ممن يتناجون فيما بينهم بآمالهم في “العدالة والمساواة والحرية”، وفي ذات السياق فيلم “الحدود” و”مسرحية الزعيم” و”مسلسل عاشور العاشر” وغيرها.

الحراك الثوري الذي عرفته كثير من البلدان العربية بدء من سنتي 2010 و 2011 ارتكز في مجمله على قضايا اللاعدالة الاجتماعية وتمكين الظالم من رقاب الناس وكسر وعي المواطن بحقوقه وما يجب له من حق معقود بيد الدولة، إلا أن”الثائرين” يومها لم يستفيدوا من رصيد هام من الأعمال الدرامية التي أرّخَت لحقبة هامة من تاريخ الدولة العربية كمصر بعد (الثورة) أين حكمت فيها الأجهزة الأمنية بالحديد والنار رقاب المواطنين البسطاء وسلبتهم آدميتهم وكسرت فيهم حب الوطن وجمالية الدفاع عنه، ففيلم “شىء من الخوف” قُدّم فيه نقد لاذع لنظام الثورة الوليدة، وحاول لفت انتباه المتابع لصورة المستقبل السياسي للدولة إذا رضي بالشكل الذي يُحكم به ومنهجية من يحكمه، وفيلم “الكرنك” الذي صوّر معاناة طالبين جامعيين تعرضا لشكل مستحدث من الظلم على يد من يفترض فيهم حمايتهم وقدم للمشاهد في تلك الحقبة صورة “حقيقية” عن التعذيب الممنهج الذي يتفنن فيه ضباط جهاز أمن الدولة. كما أنتجت كثير من الأعمال التي قدمت رسائل للشعوب لكنها لم تستفد منها وكانت لا ترى منها إلا أنها (عمل تمثيلي) غير حقيقي، ففي الكويت قدّم “عبد الحسين عبد الرضا” مسرحية عن مرحلة احتلال العراق للكويت ولعب فيها دور “صدام حسين”، غير أن المفارقة أن الحاضرين يومها ضحكوا حتى ماتت قلوبهم رغم أنه أراد أن يحييها بالنقد اللاذع للسياسة الكويتية والخليجية على خلفية الغزو العراقي والاستعانة بالأجنبي.

في المحصلة، هناك فجوة معرفية شاسعة في ذهنية العربي لا تجعله قادرا على قراءة الرسائل السياسية ومحفزات الوعي الثوري والوطني التي يبثها له صناع الصورة المتحركة عبر الأفلام والمسلسلات أو حتى الأدباء والقصاصون وكتاب الروايات، لأنه ببساطة لم يستطع ربط السياسة بالفن أو الأدب ولا السياسة بالدراما وإنتاج السينما، وظل يعتقد ولا يزال أن السياسة كُفر يجب كَفرُه في مقر الحزب وقصر الرئاسة وخطابات الساسة ومحاضرات السياسيين.

من أجل ذلك قد نحتاج وقتا أطول كعرب لإعادة تعليم الارتباط بين المفهومين وتوليد قوانين لشرح دلالتهما مجتمعين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى