page contents
الحدثملفات

حرّاقة.. كفنهم بحر وجائحة !

ارتِفاعٌ وَتيرةِ تدفق قَوافلِ الهِجرةِ السِّريَة باتِّجاهِ الضِّفَة الشَّمالِيّة للمُتوسِّط

الجزائر – في الوقت الذي تقوم فيه الحكومة بإجلاء عشرات الآلاف من الجزائريين في الخارج، الذين طالبوا بإجلائهم لأرض الوطن، هناك عملية “هروب عكسية” من الجزائر نحو الخارج وفي عز أزمة “كورونا”، أبطالها شباب وأحيانا شياب ذكورًا وإناثًا، حيث عادت ظاهرة الحرقة أو الهجرة السرية مجددًا لتأخذ أبعادًا ومنعرجات خطيرة؛ فقوارب الموت التي ارتفعت وتيرتها في الآونة الأخيرة أخذت منحى تصاعديًا بالرغم من جائحة “كورونا”، التي بسطت أذرعها عبر كل دول العالم، ولم يبدد انتشار الجائحة حلم الهجرة بل زاد الشباب الجزائري الذي يعاني التهميش وفقدان الثقة في الطبقة السياسية التي لم تجد له حلولاً لبطالته، ليستيقظ الجزائريون يوميًا على أخبار اعتراض أو غرق أو وصول مهاجرين إلى السواحل الأوروبية.

إعداد: عمار قردود

فقد كثفت قوارب “الحرقة” نشاطها منذ بداية شهر جوان الماضي عبر مختلف سواحل الوطن، مستغلة في ذلك هدوء البحر واعتدال الطقس وسهولة الإبحار في مثل هذه الظروف، فضلاً عن تركيز مصالح الأمن على تطبيق إجراءات الحجر الصحي جراء جائحة “كورونا”، حيث سجل المركز الوطني لعمليات الحراسة والإنقاذ التابع للمصلحة الوطنية لحرس السواحل لقيادة القوات البحرية إحباط وحداته، عبر عديد الولايات،، محاولات كثيرة للهجرة بطريقة غير شرعية باتجاه السواحل الأوروبية. فلا يكاد يمر يوم إلا وأحبطت وحدات حرس السواحل محاولة “حرقة” همّ بها مجموعة أشخاص، وقد تم تسجيل هجرة نحو 2378 جزائريًا نحو أوروبا بين جانفي وجوان الماضيين.

في السياق ذاته، فإن عودة رحلات الهجرة غير الشرعية في هذه الظروف الوبائية التي تسود العالم ليست بريئة، خصوصاً في ظل ارتفاع عدد العمليات الأمنية التي سمحت بتفكيك شبكات تنظيم رحلات “الحرقة”، كما ذكرنا آنفا، بالإضافة إلى النشاط الكثيف لصفحات التواصل الاجتماعي التي تروج لرحلات الموت بمختلف الأشكال.

400 حراق يصلون السواحل الإسبانية خلال 24 ساعة!

كشفت عدد من وسائل الإعلام الإسبانية، بينها جريدة “إلبايس” (El País)، عن وصول 418 مهاجر غير شرعي من بينهم قُصر على متن قوارب إلى السواحل الإسبانية في أقل من 24 ساعة. ووصل المهاجرون على متن 31 قارباً صغيراً تباعاً، قادمين من السواحل الجزائرية الغربية، ليحطوا على سواحل “أليكانتي” و”موريس”، الواقعة جنوب شرقي إسبانيا.

ووصلت القوارب على مجموعتين؛ المجموعة الأولى ضمت 186 مهاجراً وصلت يوم الجمعة الماضي على متن 13 قارباً ثم مجموعة ثانية مكونة من 232 مهاجراً وصلت يوم السبت على متن 18 قارباً، كان بينهم، 6 قصر.

وذكر تلفزيون ” القناة 7″ المحلي في “مورسيا” أن عددًا كبيرًا من هؤلاء المهاجرين جاؤوا من الجزائر وأن بينهم نساء وأطفال.

مَصالحُ الأمنِ تُضيّقُ الخناقَ على شَبكاتِ تَنظيمِ رَحلاتِ “الحرقة”

ضيقت مصالح الأمن، منذ بداية الصيف الجاري، الخناق على شبكات تنظيم رحلات “الحرقة” التي كثفت نشاطها بعد راحة مؤقتة فرضها تفشي وباء “كورونا” في البلاد، حيث أطاحت برؤوسها في عديد الولايات وأجهضت عمليات إبحار سرية كثيرة، كما فككت ورشات سرية لصنع القوارب التقليدية.

فقد تمكنت قوات الشرطة بفرقة البحث والتدخل “BRI” في ولاية غليزان خلال هذا الأسبوع، من توقيف 5 أشخاص عن تهمة تكوين جماعة أشرار لتهريب المهاجرين وتعريض حياة وسلامة الأشخاص للخطر وكذا النصب والاحتيال. من جهة أخرى، تمكنت فرقة الشرطة القضائية بالأمن الحضري محمد غريس في وهران، مؤخرا، من توقيف مجموعة إجرامية مختصة في تنظيم رحلات “الحرقة” تتكون من 5 أشخاص، تم توقيف اثنين منهم فيما بقي الثلاثة الآخرين في حالة فرار، الشبكة تنشط على مستوى منطقة رأس فالكون، حيث تم حجز قارب نزهة كبير الحجم، فيما تم ضبط داخل إحدى المساكن بالمنطقة 10 أشخاص من ولايات مجاورة، كانوا بصدد الإبحار سرا نحو الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، كان يوفر لهم أحد عناصر الشبكة الإيواء قبل الإقلاع في رحلتهم غير الشرعية.

هذا، وتم حجز 4 قوارب تقليدية الصنع موجهة لشبكات الهجرة غير الشرعية بمنطقة الشط الساحلية بولاية الطارف، وذلك على خلفية تفكيك ورشة سرية مختصة في هذا النشاط، موجودة بإسطبل بإحدى الغابات، وتوقيف شخصين في الثلاثينات من العمر تورطا في هذه القضية.

الخبير في علم الاجتماع يوسف حنطابلي:

الشّعورُ باليأسِ وانسِدادُ الأفُقِ في الجَزائرِ رفعَ وَتيرةَ “الحرقة”

يرى الخبير في علم الاجتماع الدكتور يوسف حنطابلي، في تصريح لــ”أخبار الوطن”، أنّ “شعور الشباب باليأس والقنوط وانسداد الآفاق في الجزائر رفع من وتيرة “الحرقة”، بشكل مخيف نحو الضفة الأخرى “، مشيرًا إلى أن الحراك الشعبي ساهم بشكل كبير، منذ انطلاقته في 22 فيفري 2019، في تقليص عدد المهاجرين الجزائريين غير النظاميين وإن كان بشكل نسبي، حيث أنه تم تسجيل عدة حالات حرقة نحو أوروبا في عز الحراك”.

لكن-يضيف حنطابلي- ذلك “لا يعني أن الحراك كبح فرامل الهجرة نحو أوروبا وربط عودة الحرقة بالحالة النفسية للجزائريين عمومًا والشباب خصوصًا، وأنه كلما سارت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالبلاد نحو التحسن كلما سجلنا تراجعا في قوافل الحرقة والعكس صحيح”.

واعتبر حنطابلي عودة الحرقة في هذا التوقيت بالأمر العادي والمألوف، “لأن الصيف هو أحسن فترة للهجرة غير الشرعية تفاديًا لمخاطر الإبحار خلال الفصول الأخرى، وبالتالي فإن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد استئناف لرحلات الحرقة بغض النظر عن أسبابها ودوافعها والتي تختلف من شخص إلى آخر دون إنكار أن هناك أسباب سياسية وراء هذه الظاهرة”.

وربط حنطابلي الموجة الأخيرة من عمليات الهجرة غير الشرعية بـ”الوضع الاقتصادي المتردي للغاية، فضلاً عن الأزمة الصحية الحادة التي فاقمت من تأزم أوضاعهم الاجتماعية”.

عضو الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان عبد الحميد غمري:

لابُدَّ من استِحدَاث مكاتِبَ استشَاريةٍ لدراسَةِ مِيكانيزمَات إنشَاء المُؤسّساتِ وطنِيًّا

يقول عبد الحميد غمري عضو الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، لـ”أخبار الوطن”، إن هناك معلومات عن موجة “هجرة سرية” غير مسبوقة، تنظمها قوارب من غرب البلاد باتّجاه سواحل إسبانيا، مشيرًا بأصابع الاتهام إلى تجار الموت الذين يقفون وراء تشجيع الشباب على ركوب البحر في رحلات مجهولة العواقب مقابل مبالغ مالية هامة”.

ودعا غمري إلى ضرورة “استحداث مكاتب استشارية ” في كل ولايات الوطن لشرح “ميكانيزمات إنشاء مؤسسات الشباب والالتحاق بمراكز التكوين”، مشددًا – في الإطار نفس – على دور الأخصائيين الاجتماعين وتعزيز تواصلهم بالأسر لتوعية الشباب من مخاطر هذه الظاهرة.

وأشار غمري إلى أن أفضل الحلول وأنجعها لمكافحة ظاهرة الحرقة هي العمل على تغيير تفكير الشباب في الحرقة وتوفير له البدائل العملية وليس مجرد وعود. معتبرًا أن عودة الرغبة في الهجرة ناجمة عن “غياب التغيير المنشود والاقتصاد المعطل وتفاقم غياب التوازن الاجتماعي بسب الأزمة الصحية”.

وأوضح غمري أنه على متن “البوطي” (القارب المطاطي)، هناك أطباء وممرضون وعاطلون عن العمل وأفراد عائلات بأكملها، مشددًا على أن “الحرقة” لا تقتصر على العاطلين عن العمل فقط. ويضيف أنهم “يريدون العيش، ويريدون الحرية والكرامة “، مستدركًا بالقول: “لكن للأسف ربما يحققون العيش في أوروبا لكن دون حرية، لأنهم يتخفّون، هربًا من مصالح الأمن، وبلا كرامة لأنهم يعيشون الذل والمهانة والكثير منهم يعرف ذلك ولكنه يُكابر وفي النهاية لا يحقق ما يريده”.

الخبير في علم النفس الاجتماعي محمد بوساسي :

 قَواربٌ عَدِيدَةٌ ة غَيّرت نشاطَها من الصَّيدِ إلى تَنظيمِ رحلاتِ “الحَرقة”!

أما الخبير في علم النفس الاجتماعي محمد بوساسي، فقد كشف لــ”أخبار الوطن” أن “الأوضاع الاجتماعية والمعيشية المزرية التي يعيشها معظم الجزائريين في السنوات الأخيرة والتدهور الحاد في قدرتهم الشرائية جراء انهيار قيمة الدينار لتزيدها أزمة كورونا تفاقمًا، والتي خلفّت أضرارًا بالغة خاصة على بعض الأنشطة كالصيد البحري، دفع عددًا كبيرًا من أصحاب القوارب إلى تغيير طبيعة أنشطتهم مضطرين بالعمل في مجال تهريب البشر في ظل الطلب المتزايد على الرحلات غير الشرعية، ولهذا لاحظنا تزايد قوافل الحرقة في الآونة الأخيرة بالتزامن مع حلول فصل الصيف،كما استغل الحراقة انشغال القوات الأمنية التي ركزت جهدها في مقاومة انتشار الوباء في البلاد، واشتروا مراكب من الصيادين لتنظيم رحلاتهم”.

وتابع بوساسي يقول: إنّه “في 2009، صادق المجلس الشعبي الوطني على قانون يجرّم الهجرة غير الشرعية ويعاقب أصحابها بالسجن ستة أشهر المهاجرين الذين يتم توقيفهم، وخمس سنوات الذين يساعدونهم في ذلك، لكن هذا القانون الذي أصدرته الدولة لمكافحة الحرقة غير مجدٍ؛ فهو لا يخيف الحراقة، بل بات تزايد وتيرة هذه الرحلات لافتًا، فالشاب الذي يغامر عبر الهجرة السرّية، ولا يدري إن كان سينجو أو يموت في البحر، لا يخيفه القانون الردعي”.

وأفاد بوساسي بأنّ “دافع الكثير من الحراقة للهجرة من الجزائر إلى أوروبا ليس اقتصادياً وليس له أية علاقة بالسياسة، بل اجتماعي بحت يقوم على التقليد الأعمى والسير على خطى من نجحوا في بلوغ الأراضي الأوروبية “.

و كشف بوساسي أن مؤسسات أوروبية “تُقدّر عائدات شبكات تهريب المهاجرين عبر مياه سواحل البحر الأبيض المتوسط، بنحو خمسة مليار يورو سنوياً، ويخشى خبراء أن تستعيد سواحل إيطاليا وإسبانيا جاذبيتها كطريق للهجرة غير الشرعية، مع مؤشرات انحسار الجائحة وتحسن أحوال الطقس”.

الإعلامي والناشط المغترب في السويد رياض رمضان بن وادن :

الرَّحلاتُ الأَخيرةُ جاءَت وِفقَ خطّةٍ لتَسهيلِ وُصولِ الحراقة إلى إسبَانْيا

أما الإعلامي والناشط والمغترب بالسويد رياض رمضان بن وادن، فيعتقد في تصريحه لــ”أخبار الوطن” أن “الذين يتحدثون على أن السلطات غافلة عما يحدث، هم واهمون أو غير مدركين لحقيقة الوضع، فقد قرأنا حتى من يتساءل أين حراس السواحل؟ كيف تتم بكل سهولة عملية هجرة غير شرعية لأعداد هائلة دون علم أحد؟”.

مضيفًا “الحقيقة غير ذلك بتاتًا، فلا يمكن في أي حال من الأحوال أن تتم هجرة غير شرعية عبر البحر دون أن تكون فيه مساعدة أو بعلم طرف من الأطراف، سواء من جهة الجزائر أو من الجهة المقابلة وفِي هذه الحالة حراس الحدود الإسبانية، مضيفا: “في اعتقادي الشخصي، بارونات تهريب البشر، أو المتاجرون بالبشر هم على تواصل فيما بينهم، هناك عملية تواصل بينهم، ويتحركون وفق خطط مدروسة وفِي مواقيت جد دقيقة حتى تنجح العملية، وهذا بغض النظر على أننا نعيش جائحة كورونا أم لا”.

مضيفا أنه نظرا لما عانته إسبانيا هذه السنة إضافة إلى الأزمة الاقتصادية السابقة، ومعاناتها ليس فقط مع فيروس كورونا والصعوبات التي واجهتها، وإنما كذلك مع الموسم الفلاحي في هذه السنة وفساد العديد من منتجاتها الفلاحية (كمصدر أساسي لباقي أوروبا) بسبب نقص اليد العاملة، واليد العاملة عموما التي يستعين بها المزارعون والفلاحون هي من “الحراڤة” الذين يصلون إسبانيا خاصة من دول جنوب البحر وخاصة من إفريقيا، قائلا أنه لا يستبعد بأن تكون عملية الهجرة الأخيرة جاءت وفق خطة سهلت فيها إسبانيا وصولهم بأمان وعدم اعتراضهم في البحر، كما أن الفائدة الأخرى هي المساعدات التي ستتلقاها إسبانيا من الاتحاد الأوروبي فيما يخص احتضان اللاجئين.

الإعلامي والمهتم بظاهرة الحرقة رابح رحموني:

 الذّينَ نَووا الهِجرةَ كانُوا قَد هاجرُوا نَفسِيًا لحظةَ قَدّموا الطَّلبَ

قال الإعلامي المهتم بظاهرة الحرقة رابح رحموني، في تصريح لــ”أخبار الوطن”، إن “الجزائريين ممن ينوون الهجرة كانوا قد هاجروا نفسيًا لحظة تقديم الطلب وهجروا الوطن على المستوى الشعورى. ويظل حالهم على هذا حتى لو ظلوا سنوات ينتظرون الإشارة بالرحيل.فتكون النتيجة الفعلية أننا نعيش في بلد فيه الملايين من المهاجرين في نواياهم أو الذين رحلوا من هنا بأرواحهم بدون أبدانهم فتجدها تتحرك وسط الجموع كأنها أبدان الموتى الذين فقدوا أرواحهم لم يبق لديهم إلا الحلم الباهت بالرحيل النهائي”.

اظهر المزيد

عمار قردود

صحفي جزائري مختص في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق