page contents
أقلام الوطن

حملة الانتخابات المحلية في الجزائر.. ضعف في الخطاب و”فقر” في الوعود !

بقلم: د / حسينة بوشيخ

مرة أخرى سيكون الجزائريون على موعد مع صندوق الانتخاب لاختيار ممثليهم في المجالس البلدية والولائية لفترة خمس سنوات مقبلة، ومرة أخرى تبدو الحملة الانتخابية باهتة ويبدو المرشّحون أمام سباق صعب، ليس مع منافسيهم ولكن مع الناخب الذي يصعب إقناعه واقتياده نحو الصندوق !

فتاة شابة في منتصف الثلاثينات من العمر تعمل مهندسة معمارية، تسعى جاهدة مع الحزب الذي ترشّحت ضمن إحدى قوائمه في ولاية عنابة لإقناع الناخبين في القرى و الضواحي المحيطة ببلديّتها الكبيرة للتّصويت عليها واختيارها ممثلة لهم، لكنّها بعد أيام من الجهد المتواصل، اكتشفت أنّ كل أفراد عائلتها وكثير من المقربين منها لن يمنحوها أصواتهم، ليس لأنّهم لا يريدون ذلك أو يقاطعون الانتخابات، ولكن لأنّهم لم يسجلوا أنفسهم ضمن القائمة الانتخابية، وبعضهم انتبه لذلك بعد انقضاء المهلة القانونية القصيرة للتّسجيل وتحيين القوائم ..

والحقيقة أنّ هذه العينة تذكرنا بتلك الكتلة الصامتة من الناخبين المفترضين الذين لا يهتمون بالحصول على بطاقة ناخب من الأساس، وهؤلاء هم خارج حسابات السلطة التي تحصي عدد الكتلة الناخبة مع كل استحقاق انتخابي جديد..

وعليه فإنّ كثيرا ممّن يحضرون التّجمعات الانتخابية هم ليسوا منتخبين مفترضين، بل فئة يتملّكها الفضول لاستطلاع برامج المرشّحين أو بالأحرى الوعود التي سيلقونها على مسامع الناس. أما الفئة التي تمتلك بطاقة ناخب ويفترض أن يستهدفها المترشّحون بوعودهم واقتراحاتهم، فإنّها باتت منذ زمن غير مضمونة أو لنقل أنّ اقناعها بالانتخاب ليس سهلا.

حملات باهتة واقعيا ضعيفة افتراضيا

تسعى الحملة الانتخابية عادة إلى التعريف بالمترشّح وتقديم برنامجه أو أفكاره التي يناضل من أجلها، سواء كان منتسب إلى حزب أو مرشح حر، وذلك بهدف إقناع الناخب بالتّصويت لصالحه، وقد نظّم قانون الانتخابات هذه المرحلة تحقيقا للمساواة بين مختلف المترشحين والتشكيلات السياسية وضمانا لحق المواطن في الاختيار بكل حرية ودون ضغوط أو تأثيرات خارجية، غير أنّ ما يلاحظ على الحملات الانتخابية في الجزائر هو ضعف الخطاب السياسي وإغراقه في الخطب الجوفاء و الوعود البرّاقة التي لا تتماشى حتى مع طبيعة الاستحقاق الانتخابي، الأمر الذي يظهر بعض المترشحين في صورة ضعيفة ومهتزة تبتعد بهم عن تحقيق هدف إقناع الناخبين، فيتحدث مرشّح للتشريعيات في مجالات خارج صلاحيات النائب البرلماني أو يقدم مرشّح للانتخابات المحلية في بلدية نائية وعودا تتجاوزه وتتجاوز نظام البلديات بأكمله، أو يرافع رئيس حزب لمواقف حزبه في السياسة الخارجية والقضية الفلسطينية، بينما تغيب تفاصيل الشأن المحلي وخصوصيّات البلديات والمجالس الشعبية الولائية التي يسعون للظفر بكراسيها.

فالخطاب السياسي خاصة خلال حملة انتخابات محلية، يُفترض أن يتماشى مع مختلف ظروف الجماهير وتطلعاتها باستخدام لغة بسيطة وواضحة وأحيانا موجزة أيضا، مع مراعاة تضمنه رسائل قوية يؤكد فيها المتحدث على إلمامه بواقع المواطنين وسعيه إلى إيجاد حل لمشكلاتهم مع تقديم المقترحات والحلول.

ورغم أهمية الخطاب المحذّر من المخاطر الخارجية التي تتربّص بالبلاد أو حساسية الظروف الدولية، فإنّ تركيز رؤساء بعض الأحزاب على الشأن السياسي الخارجي والوطني في خطاباتهم خلال تجمعات ميدانية في عمق الولايات، جعلها تبدو أقرب إلى الخطابات الشعبوية التي تتلاعب بعواطف المتلقي وتملصا من إطلاق وعود ترتبط بمشاريع تنموية واضحة على أرض الواقع، حيث يعي بعض المترشحين صعوبة الميدان وتعقد الظرف الاقتصادي والاجتماعي الذي يجعلهم يتجنّبون الخوض فيه مباشرة.

وعلى عكس الانتخابات التّشريعية الماضية، بدا حضور الانتخابات المحلية ومترشحوها ضعيفا حتى على شبكات التواصل الاجتماعي و الواقع الافتراضي عموما، حيث قوبلت الحملات والصور التي أعدت بارتجال وعشوائية بحملات تنمر وأحيانا استهزاء خلال التشريعيات الماضية، لأن الأحزاب والقوائم الحرة لم تعدّ العدة لذلك وتوكل أمر الترويج الانتخابي عبر وسائط شبكة الإنترنيت لخبراء ومختصين في مجال الإعلام والاتصال والعلاقات العامة والدعاية، فكان تأثيرها في الغالب سلبي، خاصة على صعيد غياب الاهتمام بسيميولوجية الصورة وتأثيراتها على الناخب المحتمل الذي يتلقى الرسالة .

والملاحظ، أنه رغم لجوء بعض المترشحين الشباب لموقع فايس بوك بالأخص أو ارسال الرسائل والملصقات الترويجية من خلال رسائل عبر تطبيق واتس آب، فإنّ الصفحات المموّلة التي تظهر للناخب في دائرته الانتخابية قليلة ولا تعكس عدد المترشحين.

وقد يعود ذلك لأسباب موضوعية ترتبط أيضا بظروف التحضير والإعلان عن القوائم المقبولة لدخول المنافسة التي تأخرت، وآثار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الواضحة جدا سواء في عدم إنفاق الأحزاب ورجال الأعمال أو في برود الشارع وقلة التفاعل مع حملات التّرويج.

بحث في فائدة ناخبين ..

ومع أنّه قد تمت المصادقة في شهر اوت 2021 على مشروع أمر يعدّل بعض أحكام قانون البلدية من أجل مجانستها مع قانون الانتخابات الجديد، لاسيما الجانب المتعلق برئيس المجلس الشعبي ونوابه، إلا أنّ مشكلة تحديد الصلاحيات أو خضوعها في النهاية لقرارات الولاة لطالما أبقت هذه المجالس مكبّلة أو غير قادرة على التّطوير والعمل بمرونة أكثر في كثير من الأحيان. كما أنه ينبغي على الأحزاب إيلاء الاهتمام للشباب المنخرط في قواعدها والعمل على تنشئة جيل يتدرّج في العمل السياسي والشأن العام والمجتمعي من خلال المجالس المحلية التي تكتسي أهمية بالغة في الحياة اليومية وتعد هي النواة الأولى لتحقيق أي تحسن أو رفاهية في الحياة، وذلك من خلال دورات تدريبية وحلقات نقاش تشرح قانون البلديات والمجالس المنتخبة وتوضح المهام والصلاحيات بدقة، فقد أظهرت الحملة أيضا، جهل بعض المترشحين بمهام المجالس البلدية خاصة، مما يوقعهم في الحرج أو قطع وعود لا يمكنهم حتى العمل على الإيفاء بها، لأنها خارج صلاحياتهم وبعيدة عن قدراتهم.

أما الكتلة الصامتة المتفرّجة التي لا تحوز حتى بطاقة ” ناخب ” فهي التي تُبقي كفّة العزوف والمقاطعة أعلى من كفّة المشاركة والتفاعل والاهتمام بالشأن المحلي، مما يجعل الأحزاب والمرشحين المحتملين في حاجة إلى عمل تحسيسي استباقي بضرورة التّسجيل ضمن القوائم الانتخابية أولا في استحقاقات مقبلة !

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى