page contents
أقلام الوطن

خطاب في الإيدولوجيا

بقلم الدكتور مصطفى كيحل

من بين المفاهيم الأكثر تداولا في حواراتنا ونقاشاتنا مفهوم “الإيديولوجية” ومشتقاته، حيث نميل إلى استخدام هذا المفهوم خاصة عندما لا نستسيغ بعض الأفكار ولا تسعفنا الكلمات والجمل من أجل التعبير عما يدور بخلدنا من غير توظيف كلمة إيديولوجيا وبتعبيرات مختلفة، وتشترك هذه التعبيرات في أغلب الأحيان في تضمينات دلالية تحيل على معاني سلبية كالقدح والتشويه، فالفكر الإيديولوجي يقدم كنقيض للفكر العلمي وكنقيض للفكر التاريخي وللفكر النقدي الموضوعي، بمعنى أن نسق التفكير الإيديولوجي هو نسق لا يقول الحقيقة، بل وظيفته الأولى هي العمل على تغييبها وتحريفها.

وعندما ننظر في تاريخ وجينيالوجيا المفهوم نجد أن انزياح مفهوم الإيديولوجيا عن معناه الصحيح كما حدده الفيلسوف الفرنسي “دوست دي تراسي” في كتابه “مشروع عناصر الإيديولوجيا” سنة 1796 باعتباره تلك الفعالية التي تشتغل على تحليل الأفكار المأخوذة بصفتها شبيهة بعلم النبات وعلم الحيوان الطبيعيين، بهدف دراسة أصول هذه الأفكار وعلاقتها بطريقة تجريبية منطقية” يعود إلى “نابليون بونابرت” الذي أطلق مصطلح “الإيديولوجيين” بازدراء على أعضاء “أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية” و هم مجموعة من الكتاب والمفكرين الذين عارضوا توجهه السياسي وطموحاته الإمبراطورية.

ومنذ تلك اللحظة أصبح مفهوم “الإيديولوجيا” يحمل هذه الشحنة الدلالية المتضمنة لتوصيفات الاحتقار والتزييف إلى اليوم. بمعنى آخر فإن الإيديولوجيا خضعت لاستبدالات دلالية وانزياحات معرفية صيرتها رؤية تحقيرية منتجة للوعي الزائف بعد أن كانت في أصلها فكرة علمية تقوم على دراسة الأفكار وتحليلها ونقدها وتقييمها، أو باعتبارها نظاما من المبادئ والأفكار والتصورات التي يعتقد حاملوها بأنها صحيحة، وهي التي تشكل منظورهم إلى الإنسان والطبيعة والوجود، وتوجه سلوكهم وتتحكم بعلاقاتهم .

ويبدو أن ما أضفاه نابليون على مصطلح الإيديولوجيا من معاني سلبية هو السائد في استعمال المصطلح إلى اليوم، حيث يستعمل المصطلح من جميع الأطراف ومن جميع التيارات سواء منها الموجودة في السلطة أو تلك الموجودة في المعارضة، وتتنافس كل الأطراف في تبادل الاتهامات بالأدلجة وتزييف الوعي وتغييب الفكر النقدي والتقييم الموضوعي.

فالإيديولوجيا هي التهمة الجاهزة التي تتقاذفها جميع الأطراف فيما بينها سواء كانت موالاة أو معارضة، قوى تقدمية أو قوى محافظة، قوى يسارية أو قوى ليبرالية، قوى قومية أو قوى قطرية، قوى دينية أو قوى لا دينية. فالجميع يستعمل المدخل الإيديولوجي من حيث يعي أو لا يعي بذلك، لأن تمثلاتنا وفهمنا للأشياء تمر دوما عبر الأفكار التي نحوزها عنها، وهذه الأفكار تتماهى مع وجودنا وكينونتنا.

وبشكل عام فإن الإيديولوجيا اليوم أصبحت تحدد من خلال تضادها مع  الخطاب العلمي، فالخطاب العلمي معرفي بينما الخطاب الإيديولوجي نفعي، وبصيغة أكثر دقة فإن الإيديولوجيا كما يقول “لويس التوسير” باعتبارها نسقا من التمثلات، فهي تتميز عن العلم من حيث إن وظيفتها العملية المجتمعية تفوق من حيث الأهمية، وظيفتها النظرية المعرفية”،  وهذا ما يجعلها لا تقبل مراقبة العقل النقدي لمضامينها وتجلياتها حتى تحافظ على صلاحية وظائفها المختلفة من مثل التبرير والتحوير والتنكير والتزوير والإخفاء التي تعتبر من الوظائف الأساسية المعروفة للإيديولوجيا، لأنها هي دوما في حالة تعارض ضمني مع شيء هو بمثابة الحقيقة.

ولقد سبق للفيلسوف “فريديريك نيتشه” أن حدد مفهوم الإيديولوجيا بأنها مجموع الأوهام والتعديلات والحيل التي يعاكس بها الإنسان الضحية قانون الحياة، فينظر إلى الإيديولوجيا انطلاقا من الحياة كظاهرة عامة تفصل عالم الجماد عن عالم الحياة، بمعنى أن الإيديولوجيا تشتغل كقناع وتقدم علاقة مركبة مع الواقع، لأنها تعكسه وتحاول تسويغه وبنفس القدر تشوهه وتطعن فيه، ولكنه تشويه يعكس حقائق معينة ويغيب أخرى وذلك حسب الغرض المرسوم مسبقا، فغرض كل عمل إيديولوجي كما يقول “محمد أركون” هو تشويه الحقائق التاريخية من خلال تحويرها وانتقاء بعض عناصرها لبناء حكايات تأسيسية هي أقرب إلى العمل الأسطوري منه إلى الواقع الحقيقي، أي أن أهم ميزة في الايديولوجية هي “تشويه العملية الحقيقية لمجرى التاريخ من أجل المحافظة على تأييد الشعب لصورة منمذجة ومثالية عن الشرعية”.

ولذلك نلاحظ عبر التاريخ كيف أن رجال السياسية يعملون دائما على تحويل الأفكار و التصورات إلى إيديولوجيات ، فيميلون حسب ” جان فرانسوا دورتييه ” في مقاله : لماذا لا تموت الإيديولوجيات أبدا ؟ إلى رفع رايات المعارك و إعلاء الصوت بالشعارات ، و تجييش الجماهير و البحث عن أكباش فداء من أعداء حقيقين أو وهميين . و لذلك فان الايديولوجيا حسبه لا تموت بل تتطور و تمتد و تنتشر ، و إذا ضعفت أو ماتت سرعان ما تبعث كالعنقاء من جديد من رماد نارها . لأن الايديولوجية إلى جانب الاقتصاد و السياسة تشكل جزءا عضويا في كل مجتمع ، فالتمثلات المتكونة من صور و أساطير و تصورات و أفكار هي ضرورية للمجتمعات ، و الايديولوجيا حسب ” فرانسوا شاتليه ” هي تشكيلة متجانسة نسبيا من التمثلات و الأفكار و القيم و المبادئ الموجهة للعمل ( شعارات) التي تعبر عن نفسها في نصوص و بواسطة مؤسسات إعلامية أو مؤسسات التعليم ، و التي تهدف إلى تحويل وعي الناس و إلى تعديل الإجماع و توجيهه في المسار المختار ، و بعبارة أبسط فإن العملية الفكرية تتدخل بشكل واسع لتنتج مفعولات الوحدة و الانصهار و الدينامية و التحكم الذاتي التي يتطلبها شكل الدولة ” .

وتتمتع الإيديولوجيا بقدرة على التأثير من خلال قدرتها على توجيه عمليات التقييم لدى الفرد ، فالحكم على الأشياء و الظواهر فيها  يكون من الداخل و ليس من الخارج ، لأن المنطق الداخلي للايديولوجيا يكون دائما متسقا مع ذاته قبل اتساقه مع ما حوله ، و يفرض معاييره الذاتية على العالم الخارجي ، كما أنها تمارس تأثيرها على الفرد بشكل لاواع أي كبنيات قبل كل شيء ، و من جهة أخرى  تقترب الايديولوجيا من تصور علم النفس الاجتماع الديني للدين ، الذي يفسر الدين كنظام من الإيمان أو العقائد و نظام من اللاإيمان أو اللاعقائد .

و لو نستعمل لغة  ” ميلتون روكيش ” فإن الايديولوجيا هي عقلية دوغمائية تتميز بأنها عبارة عن تشكيلة معرفية مغلقة قليلا أو كثيرا و مشكلة من القناعات و اللاقناعات الخاصة بالواقع ، فهي تتمحور حول لعبة مركزية من القناعات أو اليقينيات ذات الأهمية الخاصة ، كما أنها تشكل سلسلة من أشكال التسامح و اللاتسامح تجاه الأخر . و هذا ما يجعل  الإيديولوجيا لا تختلف كثيرا عن الدين ، ففيها كما في الدين نتكلم عن زمن التدشين و عن الآباء المؤسسين ، و كما نقاتل من أجل قضايا دينية مقدسة نقاتل أيضا من أجل قضايا ايديولوجية ، فأغلب الحروب التي شنت كانت باسم ايديولوجيات عرقية أو ثقافية أو حضارية ، كما أن كل أنماط الهيمنة و السيطرة في المجتمعات القديمة و الحديثة يتم تبريرها بأجهزة ايديولوجية ، فإلى جانب أجهزة الدولة التقليدية القمعية العنيفة من مثل : الحكومة و الجيش و الشرطة و المحاكم و السجون، يتحدث ” لويس التوسير ” عن الأجهزة الايديولوجية للدولة من مثل المجال الديني و مؤسساته و المجال التعليمي و مؤسساته و المجال العائلي و النظام السياسي و الأحزاب  و النظام الإعلامي و مؤسساته  ، و الفرق بين  الأجهزة التقليدية القمعية  للدولة و الأجهزة الايديولوجية حسب” لويس التوسير”  هو أن الجهاز القمعي للدولة يشتغل بالعنف في حين الأجهزة الايديولوجية للدولة تشتغل بالايديولوجيا ، و أهم وظيفة هي ما يسميه ” التوسير ” الوظيفة الطبقية ” لأن الايديولوجيا السائدة هي دوما ايديولوجيا الطبقة السائدة ، و أنها لا تستخدم فقط للسيطرة على الطبقة المستغلة ، بل تستخدم أيضا و تصلح لتجعل منها هي ذاتها طبقة سائدة ، بأن تجعل علاقتها المعيشة مع العالم كأمر واقع و مبرر.

الجزء الثاني

وحتى لا ننجر مع التحليل الماركسي للايديولوجيا أكثر ، فإن ما يميز الايديولوجيا أيضا هو قدرتها على اختزال الواقع بمشاكله و مفارقاته في مشكلة واحدة و المراهنة على حل واحد ، بمعنى أن الايديولوجيا تميل إلى تكثيف الموضوعات في موضوع واحد و اختزال تعقد الواقع الاجتماعي و التاريخي إلى مجموعة قليلة من القضايا المتناسقة إلى حد ما و الموجهة إلى إعطاء قيمة أو إضفاء مشروعية على عمل ما ، كما يكون الحل واحدا ، و ذلك ما يتعارض مع الفكر الموضوعي و العلمي الذي يبني قضاياه على الوصف و التفسير.

فالخطاب الايديولوجي مهموم  بالشعارات الكبرى كالقول بأن الدولة هي الشر أو هي الخير ،  أو القول أن  اللبيرالية  هي نهاية التاريخ   ، أو أن الإسلام هو الحل  ، أو أن العولمة هي المستقبل … و غيرها من الشعارات المضغوطة التي تفرض نفسها على الفكر و توجهه ، و تصبح بمثابة الأفق الذهني للفرد و المنظار الذي يرى من خلاله ذاته والمجتمع و العالم ، و على أساسها يتم تبرير السلوك الفردي و إضفاء المشروعية على هذا النظام أو ذاك ، و تحول إلى مرجعية في الإدراك و التفسير و التقييم و الاستحسان و الاستهجان .

و لا يمكن للايديولوجيا أن تنتشر و تسود بدون ” العمال الايديولوجيون ” ففي كل العصور أقامت الدولة كما يقول ” م.روتبورد ” حواريين وظيفتهم هي إضفاء المشروعية عليها . و هؤلاء الايديولوجيون مكلفون بتفسير أن جريمة فردية هي شيء يتعين إدانته لكن نفس الفعل الذي تمارسه الدولة بصورة جماعية عبارة عن عدالة . بدون ايديولوجية ليس هناك جهاز دولة و الساسة يعرفون ذلك منذ القدم ، لقد تغير مضمون الايديولوجيا لكن الهدف ظل هو هو دوما : و هو إقناع الرأي العام بان وجود الدولة و سيئاتها أمران ضروريان و يتعين أن يكونا مطلقين . ليس هناك نظام دولة ، سواء كان ديكتاتوريا أو ديمقراطيا أو غيره ، لا يمكن أن يستمر طويلا إذا لم يكن الرأي العام يدعمه و يسانده ، و من هنا تنبع الحاجة الضرورية للدولة من أجل تجنيد صناع و منتجي الايديولوجيا الذين هم المثقفون . و هذه الوظيفة كان يؤديها في السابق الرهبان و رجال الدين ، لأن الدولة في نهاية المطاف ليست سوى رابطة بين مجموعة من الأفراد الذين اتفقوا فيما بينهم على أن يسموا أنفسهم بالدولة ، و أعطوا لأنفسهم ممارسة الاحتكار الشرعي للعنف ، بالاعتماد على نوع من الإخراج المسرحي للسلطة أو ما يسميه ” جورج بالاندييه ” ” المسرحة السياسية ” لأن التاريخ تصنعه موازين القوى ثم تخلع عليه المشروعية من طرف السلطة المنتصرة ، لأن كل سلطة تجد نفسها دوما في حاجة إلى تبرير شرعيتها من خلال تشويه المنشأ الحقيقي للسلطة ، فالسلطة لا تستمر إلا على المسرح و لا تستمر إلا بالتضليل و التمثيل و الإيهام و أداء الأدوار و افتعال الخطابات ، و لذلك يقال أن الكذب هو الابن الشرعي للسلطة و أن السياسي لا يمكنه أن يقول الحقيقة كاملة .

و هذا يجرنا للحديث عن آليات الخطاب الايديولوجي أو بالأحرى وظائف الايديولوجية التي تتجه إلى تحويل ظروف الوجود المنظور إليها على أنها لا تحتمل إلى ظروف مقبولة و مثالية أيضا ، و ذلك إما بالاعتماد على أجهزة الدولة القمعية أو على أجهزتها الايديولوجية التي تكون وسيطا بين الأفراد و ظروف وجودهم الحقيقية ، و من بين وظائف الايديولوجية الفعالة وظيفة الحجب و الإخفاء و التنكير ، فالايديولوجيا تميل إلى إخفاء الواقع الموضوعي و التغطية عليه و تقنيع حقيقة القوى التي تتحكم بالرهانات الكبرى للحياة ، و إخفاء مصالح أو عواطف تجاه الأنا أو تجاه الأخر ، فكل الخطابات الايديولوجية لا تكشف عن مراميها الحقيقية ، فرفع شعار ” الحاكمية لله ” يحجب حقيقة أن طبيعة السلطة زمنية و ليست مقدسة ، و أن الانسان هو من يحكم في كل الحالات برغباته و أهواءه و استبداده ، و الايديولوجية العلمانية التي تريد أن تكنس المقدس من الفضاء العام ، ما تخفيه هو أنها تقدم نفسها مقدسا بديلا مهابا لا يجوز المساس به ، و تحشد القوانين من أجل حماية العلمانية ، و يمكن سحب هذا الكلام على باقي الايديولوجيات الأخرى . و من بين الوظائف الأخرى للايديولوجية وظيفة التبرير و التسويغ ، حيث تحتاج كل ايديولوجية إلى أنصار و متعاطفين ، و لذلك تنتهج الايديولوجيا آليات التبرير من أجل كسب مزيد من الأتباع و الذين هم بحاجة إلى الاقتناع حد اليقين بصدق ما يؤمنون به و بخطأ معتقدات الخصوم ، و التركيز أكثر على الجانب العاطفي في التعبئة و التجييش و ما يتطلبه ذلك من رفع لشعارات ايديولوجية حماسية . كما تقوم الايديولوجية بوظيفة التعيين التي فيها يتم التركيز على قيم بعينها كأساس يقوم عليه تنظيم المجتمع من مثل الحرية و الإخاء و المساواة ، و وظيفة التوجيه و غيرها من الوظائف التي تكسب الايديولوجية فعالية و تعطيها حضورا في المجتمع و الحياة .

و هذه الخصائص هي التي تجعل الايديولوجيات لا تموت ، و من الطوباوية بمكان تصور مجتمعات بدون ايديولوجيا ، أو الحديث عن نهاية الايديولوجية ،  و عليه فليست الايديولوجية كما يقول ” التوسير ” شذوذا ، أو شيئا زائدا عرضيا في التاريخ ، إنها بنية جوهرية أساسية بالنسبة للحياة التاريخية للمجتمعات ، و إن وجودها و الاعتراف بضرورتها هما وحدهما اللذان يسمحان بالتأثير على الايديولوجية و جعلها وسيلة واعية فعالة في التاريخ “

فالأمم مثلما تعيش على وقائع و حقائق تعيش أيضا على سرديات أيديولوجية ، فالحياة لا تطاق بدون ما تقدمه الايديولوجيات من أوهام و تهويمات و أحلام و أمال و حماسات تستعملها السلط لضبط حياة الأفراد و الجماعات . فالايديولوجيا تساهم في إنتاج المعاني و اقتراح الرموز و اجتراح الأفكار التي يقتنع بها الناس و تتحول بالنسبة لهم إلى شرط للوجود و الاستمرارية و دافع للعمل و التغيير . حتى و إن كانت تتناقض مع الفكر العلمي و تنزعج من الفكر النقدي و من الفكر التاريخي ، لأنه ليس بالحقائق وحدها يعيش الناس و يستمرون في الوجود .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق