page contents
أقلام الوطن

خمس محطّات بارزة للحريّة والسّيادة الشعبية في تاريخ الجزائر المعاصرة

في حياة المجتمعات والدول، تبرز محطات فاصلة بين أزمنة، فهي مرجعيات تفاضل بينها وترسم معالم القادم منها. وفي تاريخ الجزائر بوسعنا أن ندل على بعضها، كتقدير خاص على فعل التأسيس لإرادة جمعية تنشد الحرية والسيادة. إنه في أتون السقوط وفقدان البوصلة تخرج أفكار أو مبادرات أو قرارات تعيد الدم إلى الجسم المطعون وتُثوِّر الوعي الذي انهزم واندحر أمام سطوة الأقوى ومحق العصر للساكن والمتهالك. هذان التدليل والمفاضلة هما في الآن ذاته مراجعة وتقييم لما قد كان علامة فخر أو إنتشاء. وبعبارة أخرى التخلص من التمركز على الذات غير الفاعلة والسالبة نحو ذات تثق في إمكاناتها، أو قل مجتمع يبعث وجوده بالثقة والاندفاع المطلوب.

المحطة الأولى:

في العصر الحديث،  بالنسبة إلينا،  أحد أهم المحطات الفاصلة وأولها التي كرّست هذه الدافعية هو كتاب “المرآة” الذي ألفه حمدان خوجة سنة 1833 والذي صدر قبل أهم كتب النهضة العربية “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” لرفاعة الطهطاوي، و”مسالك الأقوام ي معرفة أحوال الممالك ” لخير الدين التونسي). وسبب هذا التقديم لهذا المنجز هو احتواءه على فكرة “الكيان الجزائري” التي تعتبر فكرة رائدة ” ليس للجزائر فقط ولكن أيضا بالنسبة للعالم العربي ولعل العالم الإسلامي أيضا”[1]، مثلما يؤكد أبو القاسم سعد الله. ثم طرحه لفكرة الأمة الجزائرية :” إن مسألة الجزائر مسألة خطيرة لأنها تخص حياة أمة بأجمعها”[2].

لسنا نعلم مبلغ تأثير كتاب “المرآة” بأفكاره السياسية ذات الارتباط بحركة تحرر الشعوب وحقها في تقرير المصير. لقد كانت أفكاره ليبرالية تؤمن بالمساواة بين الشعوب، إذ يقول:” إنني أرى أنه لا ينبغي أن يكون الاختلاف في الدين سببا في سلب الحقوق الاجتماعية” وهو بهذا يؤسس لضرورة تخلي فرنسا عن فكرة الاحتلال:” وذلك بإقامة حكومة أهلية حرة مستقلة، كما وقع في مصر، تتدين بالدين نفسه وتتبع العادات نفسها،  على أن تبرم معاهدات تكون في صالح الشعبين.  عندئذ، فإن فرنسا ستجد مصلحتها بكل تحقيق أحسن من أنه لو تبقى الجزائر مستعمرة لها”. وفي فقرة شهيرة يقول صاحب المرآة:” إنني أرى اليونان تساعد وتتكون على أساس متين بعد أن فصلت عن الإمبراطورية العثمانية، وأرى شعب بلجيكا يفصل عن هولندا بسبب بعض الاختلاف في المبادئ السياسية والدينية، وأرى، جميع الشعوب الحرة تهتم بالبولونيين وباسترجاع سيادتهم، كما أنني أرى الحكومة الإنكليزية تخلد مجدها بعتق الزنوج، ويضحي البرلمان البريطاني بنصف مليار للمساعدة على ذلك العتق، وعندما أدير البصر إلى بلاد الجزائر، فإنني أرى هؤلاء السكان المساكين يرزحون تحت نير الاستبداد معرضين للإبادة ولجميع آفات الحرب وتلك المظالم كلها التي ترتكب باسم فرنسا الحرة”[3].

المحطة الثانية:

ثاني هذه المحطات هو خطاب مصالي الحاج الذي ألقاه بمناسبة تنظيم تجمع المؤتمر الإسلامي الجزائري، الذي عقد 7 جوان 1936 بمدينة الجزائر. لقد جاء هذا المؤتمر بمبادرة وفكرة من عبد الحميد بن باديس، الذي اعتبره يوما مشهودا في تاريخ الحركة الوطنية. ويذكر فرحات عباس أنه انعقد: “كعلامة على الفرحة بقيام الجبهة الشعبية في فرنسا، وأن كتلة النواب المنتخبين هي التي ولدت هذا المؤتمر”. ألقاه يوم 02 أوت 1936 ونشرته جريدة الأمة (لسان حال حزب الشعب الجزائري) يوم 26 أوت 1936 ومما جاء فيه:” إننا نحن أيضا من أبناء الشعب الجزائري ولا نقبل أبدا بأن يكون بلدنا ملحقا ببلد آخر خارج إرادتنا. لا نريد تحت أي عذر، أن نرهن مستقبل وأمل التحرر الوطني للشعب الجزائري”.

المحطة الثالثة:

يتعلق الأمر باجتماع مجموعة الـ 22 الملتئم في يوم 25 جوان 1954 لجماعة نشطاء “المنظمة الخاصة”، نعتبره مبادرة فريدة وعلامة فارقة في مسار الحركة الوطنية،  كان من نتائجه تأسيس جبهة التحرير الوطني وجناحها العسكري وإعلان قيام الثورة المسلحة. حسم سويداني بوجمعة النقاش عندما قال:”هل نحن ثوريون أم لا؟. وإذا كنا نزهاء مع أنفسنا فماذا ننتظر للقيام بالثورة؟”، وأما العربي بن مهيدي فقد حث على خلق وضعية جديدة تفرض على مجموع المناضلين الاختيار بين حرب التحرير أو السجن.

المحطة الرابعة:

هو استفتاء تقرير المصير الذي نظم يوم الفاتح من شهر جويلية 1962، سارية شرعية الوطنية الجزائرية وسيادة الشعب الجزائري، بنتيجته الساحقة ( قدر عدد المصوتين لصالح أن تصير الجزائر دولة مستقلة بـ 5.975.000 من أصل 6.000.000 ناخب). نلاحظ أنه يتم الالتفات إلى ما تضمنه سؤال الاستفتاء التقييدي بأن تبرز علاقة تعاون مع فرنسا مثلما تم الاتفاق عليها في بيان وقف إطلاق النار لـ 19 مارس 1962، فاعتبر من قبل البعض قاعدة نيولوكولونيالية، وبالتالي تجاوز فعل تأسيس السيادة الشعبية وشرعية الفعل الثوري الذي قاد إليها. فقد نصت اتفاقيات إيفيان على : أن الدولة الجزائرية تمارس سيادتها الكاملة والمطلقة في كل المجالات في الداخل والخارج، وخاصة في الدفاع الوطني والشئون الخارجية. وتحدد هذه الدولة بحرية ما تراه يخدم مصالحها من مؤسسات، وتختار النظام السياسي والاجتماعي الذي تراه مناسبا لها.

هل يوجد أي لبس في هذه العبارة؟ لا يظهر ذلك بكل تأكيد.

المحطة الخامسة:

في تاريخ الجزائر المستقلة، سلام وازدهار الوطن مرتبط بتلازم الديمقراطية والتنمية. وتبرز أحداث جد هامة فيه، نذكر: مراجعة اتفاقيات إيفيان سنة 1965،  تأميم المحروقات سنة 1971،  وضع إستراتيجية التنمية سنة 1967 (التي طمحت إلى بناء اقتصاد مزدهر ومتكامل يستطيع تلبية كل احتياجات كل السكان، والقضاء البطالة وتحسين “مستوى معيشة السكان”، في ظرف وجيز أفقه سنة 1980). إننا ندرك جيدا أهمية هذه المحطات، بيد أن نتائجها لم تكن في مستوى التطلعات والأهداف المسطرة. كان المسار العام للأحداث والخيارات قد آل إلى حيث أضحى وجود الدولة الوطنية الجزائرية على المحك، من خلال الأزمتين الاقتصادية والأمنية بين سنتي 1986و2000. أهم مخرجاته رهن الاستقلال الاقتصادي والأمن الغذائي، وفشل السياسة بعنوان عام هو تعثر خطوات الانتقال الديمقراطي الواعدة لما بعد إقرار دستور 1989.

بهذه المحددات يمكننا إصدار أحكام عامة على ما استجد من أحداث وقرارات للفترة ما بعد سنة 2000 (مرجعيتنا قانون الوئام المدني الذي تم إقراره في نهاية سنة 1999)، وميزتها العامة انتهاك قواعد وأصول الديمقراطية. ظل صانع القرار يشتغل على ما علق في ذاكرة الجزائريين من انطباعات قاسية ومؤلمة عن الأزمة الأمنية وضياع الأفق، إلى درجة أنه نجح في تجاوز انهمار موجة “الربيع العربي” بمثالها الأبر الشارع التونسي.

إننا نعلم وندرك قدرات ما يسمى “النظام”،  الذي استطاع تجاوز التهديد الوجودي “الإنقاذي” أولا ثم للجماعات المسلحة ثانيا. ليس من جانب السطوة الأمنية وإنما التماهي مع قوى اجتماعية مؤثرة بفعل بريق المناصب والامتيازات، كما تجلى في مبادرة وقف المسار الانتخابي سنة 1992 ثم تشكيل “حزب سلطة” سنة 1997 هو التجمع الوطني الديمقراطي.

نريد أن نصل إلى القول بأن مفهوم السيادة الشعبية هو أحد أركان السياسة الذي ظل مغيبا في بلادنا، والذي يحيل إلى ما ينبغي أن يكون القرار الوطني ويسنده ومفهوم الشرعية. بطريقة أو أخرى تم تجسيد هذا الركن وهذا السند في حراك 22 فيفري 2019 وشعار “جيش، شعب خاوة..خاوة”. ولكن في الديمقراطية الكلمة للشعب عبر صندوق الاقتراع بالحرية والشفافية. اعتبرنا مسيرات الحراك إعادة اعتبار للعمل السياسي المقبور، وسعيا لجعل السيادة المنطلق والواقع له. فهي بالتالي دعم لمباني الوطنية الجزائرية وتأهيل لمؤسسات الدولة.

لقد آمنا بأن روح الحراك هي استعادة للوطن من “محولي النهر”، ومرتكز وثبة من أجل نهضة شاملة. فنتخلص من الزبونية المقيتة التي ميزت العلاقة بين صانع القرار والمواطن، ويصير شعار دولة الحق والقانون واقعا عبر محددي العمل والعدالة. هذا لا يكون إلا عبر قراءة صريحة وشجاعة لهذا التاريخ، من أجل معالجة المثالب والتغيير.

بقلم الدكتور عبد السلام فيلالي- جامعة عنابة

[1] – أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنية الجزائرية. 1830-1900.الجزء الثاني.مرجع سابق، ص 34

[2] – حمدان بن عثمان خوجة. المرآة. تقديم وتعريب وتحقيق، محمد العربي الزبيري، 2007، ص 46

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى