page contents
أقلام الوطن

دودو كما عرفته

السّعيد بوطاجِين

التقيت بأبي العيد دودو( 1934 ــ 2014) في نهاية السبعينيات. كان يدرّسنا وحدة الأدب المقارن في معهد الأدب بجامعة الجزائر المركزية في عهد محمد مصايف والتلي بن الشيخ وأبو القاسم سعد الله وأحمد الأمين ومحمد حسين الأعرجي والجنيدي خليفة. كانت الجامعة خلية نحل وشهدا وجدلا ومعنى، وكان كبار الأساتذة مؤلفين مكرسين نتسابق لتلقي دروسهم في مدرج ابن باديس، القاعة البهيجة التي أنجبت عدة أقواس قزح.

 ظل دودو قيمة معرفية، وقامة أكاديمية وسردية ومسرحية وترجمية، أحد هؤلاء الذين صنعوا مجد الصحافة والنقد والجامعة بمحاضراته ومقالاته وأعمدته، وبتواضعه وسلوكه الذي كالغيث والندى، ثم أشرف لاحقا على سلسلة الأدب الأجنبي، وكنت أشرف حينها على سلسلة سحر الحكي في الاختلاف، كما كنت مساعدا له في وحدة الأدب المقارن. كان يتابع كتاباتي القصصية ويوجه لي ملاحظات نقدية دقيقة، ورغم اشتهاره بنكتته وسخريته السوداء وخفة روحه وبهجته، فقد كان يعيش حالة من اللا جدوى حتى في مناقشة الرسائل والأطاريح، وفي مؤلفاته الساخرة، ومنها صور سلوكية. لقد عرفنا، بفضل ترجماته، أعمال كايزروغوته والرحالة الألمان، ومنهم هاينريتش فون مالتسان في كتابيه: ثلاث سنوات في شمال غربي أفريقيا، ومدخنو الحشيش في الجزائر.

 عندما صدرت ترجمة الحمار الذهبي لأبوليوس، وقبل أن يراها، حصلت على نسخة الطبعة الأولى من آسيا موساي. كنا في ملتقى علم النص. قلت سأفاجئه. كتبت إهداء ساخرا على لسان دودو أمجّد فيه فضائلي على الأمم. وضعت كلّ الألقاب والأوصاف التي تفوقني بسنين ضوئية وقلت له وقّع دون أن تقرأ. عندما رأى ترجمته اندهش، تأمل الكتاب وابتهجت عيناه كجدولين صغيرين ذاهبين إلى المدرسة. قرأ إهدائي لي وابتسم. كانت ابتسامته بركة من البارئ، كوجهه الذي من بهاء النورانيين، ثمّ كتب إهداء آخر: أنا الموقع أسفل سافلين أبو العيد دودو، أشهد أنّ السعيد بوطاجين تعيس وشقي مثي. مازلت أحتفظ بتوقيعه لأنّ بعض العلامات الممتلئة نعمة ربانية تذكرك بالدلالات العظمى، وبالناس الذين رحلوا غير مكترثين بالسياقات البهيمية التي عشناها، وما زلنا.

  لقد ظللت أتساءل عن سرّ تخليه عن النمسا وألمانيا حيث كان يدرّس، ولماذا عاد إلى الجزائر رفقة زوجته النمساوية؟ هل أخطأ؟ ربما كان البلد أجمل، رغم نبذه العقل والثقافة وتركيزه على الرقص والدفّ وكرة القدم والنهب والشعوذة. رفرفت في الذهن هذه الفكرة عندما استضافني في بيته رفقة عائلته. لاحظت ضيق الشقة المقفرة حيث تنحني مكتبة رمادية برفوفها القصديرية المقوسة، وكانت هناك تحت الأسرّة البسيطة والأثاث الرثّ علب مليئة بالكتب، ومخطوطات لدراسات وترجمات لم تنشر، أزيد من أربعين؟ كان شيئا مؤلما. لم يكن دودو أستاذا وباحثا فحسب، كان إلها يونانيا يمشي في الأسواق ويقيم مع مؤلفاته التي غزتها الرطوبة. تذكرت عندما ألقى علينا في 1981 كلمة مقتضبة بحضور مئات الطلبة والأساتذة: “اسمعوا، من يريد أن يكون مدرّسا فليتقن عمله، ومن يرغب في أن يكون باحثا فليفعل ذلك بجدّ، ومن يريد أن يصبح سارقا فليسرق جيدا”. لقد كان يعيش مع السراق إذن، وذاك مقصده من الكلمة الحزينة، رغم أنه كان يبدو مرحا.

 لن أنسى عندما طلب مني مئة دينار. كنا أمام الكلية، وكان مفلسا كفأر الكنيسة بسبب النفقات والأمراض والتنقلات والأدوية، ككثير من كتّاب جيله الذين ابتعدوا عن الوسخ وعاشوا كبارا وقانعين. كتبت وقتها مقالة في “الجزائر نيوز” بعنوان: مئة دينار لدودو، وعندما قرأتها أستاذة في أحد الملتقيات بجيجل، قالت لي زوجته باكية: هل سامحته؟ فهمت سرّ الدموع. من ألمانيا إلى القفر؟ يبدو الأمر مفارقا جدا، وانتحاريا. كان يتقاضى قرابة 500 أورو، أقلّ من راتب بطال في فرنسا، وأقلّ بعشرات المرات من مستحقات لاعبي أرجل الماعز ومطربي الساندويتش الذين أصبحوا قياصرة في وطن طارد للكفاءات.

  في أواخر أيامه، كنّا جالسين في مكتب العميد الأستاذ الشريف مريبعي. أهديته نسخة من “اللعنة عليكم جميعا”. وجدته مرهقا كإله الإنجيليين في اليوم السابع من سفر التكوين. قال لي لم أعد أقدر على الكتابة بسبب الأصبع. في جسدي 13 مرضا، وكلّ مرض يستدعي علاجا. استمعت إليه دون تعليق، وقلت في سري: يمكنك أن تضيف وباء خطيرا اسمه الجزائر. عندما يتواطأ عليك الأنذال عليك أن تقاوم، أن تختار نهايتك بشرف المحارب، ولن يحدث ذلك إلا بمشقة. كنتَ مرتاحا وطن غوته، بمنأى عن هؤلاء الذين يعتبرون الكتاب من الكبائر،لا يقرأون سوى حسابات أرصدتهم وما تمليه الأمعاء. يا دودو، هل البرلماني الذي يقضي وقته في المذود والتصفيق ورفع الأيدي والأرجل أفضل منك؟ ثمّ انسحبت من الكون عليلا وقد تعب القلب، كما الزنجي والعبيد القدامى.

 لم يخطئ أبو فراس الحمداني عندما كتب: “إذا متّ ظمآنا فلا نزل القطر”، كما لم يجانب الصواب الشاعر بول فاليري في قوله: “ما جدوى أن يكون وطني شاسعا إذا لم أكن أملك فيه شقة؟”.قد نولي اهتماما للكتّاب والباحثين والمفكرين بعد رحيلهم، ونبذر أموالا كانوا بحاجة إليها لدرء المسغبة: هذه المناسبات عرفان بفضائلهم، أمّا أجمل تكريم فيكمن في الاهتمام بهم وهم أحياء، معذبون ومنسيون ومتعبون، غير أنّ ذلك لن يحدث قريبا في ظل تبوأ الرخويات التي تفكر بالمعدة العابرة للقارات: أدينك يا وطني، وأشفق عليك لأنك بين ناب وناب.

 

اظهر المزيد

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى