page contents
أقلام الوطن

سايق الريح بالدبوس (الهراوة)

(…) قلت لخالد بعد تنهيدة عميقة :” لو يستمر المراقب جدّا للانتخابات في خرجاته على هذا الحال سأطبق نصيحة صديقي الدكتور السعيد  بوطاجين  وأخيّر نفسي بين أمرين : إما أن أبقى هنا في كندا ولا أفكر بتاتا في العودة إلى الجزائر أو أذهب إلى أبعد نقطة (أبعد من كندا) أعيش فيها بعيدا عن الجزائر وليكن ذلك في أدغال إفريقيا أو صحراء استراليا لكي لا أسمع عن أخبارهم ولا يصيبني وباء الرداءة  والانحطاط في التفكير.

أن الذي لم يبلغه الاسلاماويون بالرغم من السيوف والخناجر والمحشوشة وتقطيع الرؤوس  والرصاص والنار هاهي بعض الكائنات منذ مكان وبؤر استنفاعها من الريع تعود جاهدة لتحفيظنا الأربعين النووية بدلا من السعي لتربية الإنسان المواطن المسلّح بآليات المواطنة..”

أجابني خالد بنرفزة :” ألاحظ أن هذا البونادم قد استأجر مخك للمبيت بالرغم منك.” فقلت :” هذا البونادم هو لبّ الدونية في هذا النظام . بعيدا عن توجهه الذي يكاد أن يكون اسلاماوي مْدَرَّحْ بالنظر لمجهوده في الارتكاز على المرجعية الدينية، يستعملها في غير محلّها لتضليل الناس وتزييفه للحقيقة. أتتذكر يا صديقي عندما صرح أن الجماعة اجتمعت في مقر الرئاسة وانتخبته رئيسا للجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات. إلى هذا الحد ما قلنا شيئا. وبعد وفاة المغفور له الفريق أحمد قايد صالح يطلع علينا من جديد ليقول أن الفريق أحمد قايد صالح هو الذي عيّنه على رأس هذه اللجنة؟ بربك قل لي كيف يمكن لهذا البونادم الذي يزيف الحقيقة بهذا الشكل راكبا خنزير الكذب المبرح أن ينال ثقة الناس في عمل لجنته ؟..”

فأجابني خالد باستهزاءٍ:” 115 مليون سنتم في الشهر يا صديقي لا تحتاج إلى الكذب فقط.” فقلت له على الفور:”115 مليون كيف ذلك؟” فأجاب خالد:” البونادم يتقاضى 60 مليون سنتم تقاعده كوزير سابق كلّ شهر وماهية شهرية تقدر ب55مليون راتبه الشهري كرئيس اللجنة. هذه الامتيازات لمن لا يستحي تدفعه لأكل لحم البشر وتقمص كلّ أنواع الدونية..” فقلت بمرارة:” أو تدري يا خالد أن أكبر الجرائم في أمريكا الشمالية هي التهريب الضريبي والتحايل على الضرائب والكذب. التهرب الضريبي لأنه أكل حق الغير. أما الكذب أو التصريح الكاذب فهو خيانة وجريمة في حق الناس. وهذا البونادم تحايل على الحقيقة  ونكّل بها. فمن أين لنا أن نثق فيه وفي عمله؟ هو يعتبر أن لجوءه إلى المرجعية الدينية وأحيانا إلى السلفية سيقيه شرّ تنكر الناس له ولفظه وتجلب له تعاطف عامة الدهماء معه ومع عمله. ولهذا يعود من جديد إلى مرجعيته المهلهلة المسندة على ثقافة الزَوِي التضليلية بقوله :” تارك الانتخابات كتارك الصلاة، لأن التصويت فرض على كلّ واحد.” يا لا للّي… هذا البونادم المكلّف بمسايرة العملية الانتخابية بطريقة سلبية يتموقع على بعد سنوات ضوئية من مبتغانا. وبما أنه يهوى التخفي وراء الدين والغيبيات فالأولى له أن يعتمد شعار الفيس خلال حملاته الانتخابية في 1990 و1991 عندما طرح شعار”صوتك أمانة في عنقك تحاسب عليه يوم القيامة”  على الأقل فأن سميولوجية هذا الشعار هي أقرب لعقول الدهماء ويعد خطابا واضحا لإقناع الموالين لسياستهم وترهيب الملحدين واللائكيين. أما الإدعاء عن جهل وضلالة أن القيام بالواجب والحق الوطني (الانتخاب) كالصلاة فهذا لا تسمية له غير الطيش والانغماس في دهاليز الرداءة وبأس المصير.

ولنسلم بموقفك هذا يا بونادم، فماذا سيكون موقف الذي لا يصلّي من خطابك؟ ألا تعلم بعد أنه في بلد السودان الذي ظل قابعا لسنوات تحت نير التطرف الاسلاماوي والفكر المتحجر الذي لا ينظر سوى إلى الخلف قد تخلّص في النهاية من أوزاره وسلطان مشايخ الشوم ومن سيطرت الكهنوت والغيبيات  والظلامية وارتم أهله ونخبه في طريق البحث عن سبيل الخلاص لمجتمعهم بعدما فقدوا ذاتهم  وتخلّصوا في النهاية من دكتاتورية الشريعة  وهم يمجدون الآن اللائكية رافعين شعار اعتمادها في تسير شؤون البلاد مع الإبقاء على حرية المعتقد والتزام الفرد بتعاليم دينه السمحة والحفاظ على علاقة شخصية ومباشِرة مع ربّ الكون  سبحانه لا تقبل ولا ترضى بأي وساطة لا من بني البشر ولا الجن ولا الملائكة ولا إبليس…” قاطعني خالد بمزاحه المعهود:” ونتيجة لذلك فإن فريق كرة القدم السوداني تمكن من سحق فريق إفريقيا الجنوبية وتأهل بجدارة لتصفيات أمم إفريقيا القادمة…”  فأجبه وكلّي جدّية:” لا يهم . ولا أعتقد أنّ لتوجههم الجديد علاقة بانتصارهم في المجال الكروي. المصيبة الكبرى عندنا أننا مثابرين على التدحرج إلى الأسفل  بتقهقرنا إلى الوراء . ولا زلنا نبرر عجزنا في تسيير الشأن العام “بقال الله قال الرسول” وهكذا حال المسايرين للعملية الانتخابية المنتفعين والمسترزقين منها التي من المفروض أن تكون نظيفة لا غبار عنها ملفوفة بثقة المواطن. ألم يحن بعد الوقت للاهتمام بتربية المواطن وتعويده على الدفاع على حقوقه في المواطنة  وممارسة حقّه وواجباته  خدمة لمستقبله وليس لقبره ، وفي اعتقادي لن يتأتى هذا مع هذا البونادم بعقليته هذه.”

 قال خالد:” ألان لديه البقعة البنية في وسط جبينه؟” قلت:” لا بل بسبب تصريحاته الخارجة عن مجال التغطية.  أضف لهذا ترعوين السلطة في سعيها إلى رسكلة العبث والرداءة. كل هذا لا يمكن أن يخرجنا من عنق الزجاجة. تسعى السلطة، حسب التصريحات الرسمية إلى الإفراج عن سجناء الرأي وتشجيع الشباب في الترشح للانتخابات التشريعية أي أنها تريد برلمانا تكون الغالبية فيه للشباب. حق يريد به باطلا. وتعتبر أن هذا الإجراء سيغرس الأمل في نفوس الشباب ويقلص من نزعة الطيش والرمي بأنفسهم في البحر والانتحار. وكأنهم لا يدركون أن تجاوز هذه النهايات والخروج من الأزمة السوداء لا تكمن في إجراء الانتخاب وحدها بل تتطلب وضع الآليات التي توفر الشغل وخلق الثروة وتوطيد العدالة في اسمي معانيها وتجاوز التعامل بالأساليب القمعية وفرض الحوار السياسي الحقيقي لا تستجيب فيه السلطة بمنطق البوليس. كما أن الوضع يتطلب القرار السياسي الشجاع الذي يخول تسليم السلطة إلى الشعب. وضمن هذا المنظور يستوجب اختيار أنظف الناس وأكفأهم لتوكل لهم تنظيم ومراقبة الانتخابات في كل مستوياتها. وليس فقط بتشبيب البرلمان.”

قال خالد :” أنا معك. خوفي أنهم يسعون إلى تكرار موبقاتهم ومأساة (لانْسيجْ). وزعوا الملايير على الشباب في شكل قروض وبدلا من حثهم على خلق المصانع وورش الإنتاج الصناعي وغيره وخلق مناصب الشغل وإنتاج الثروة شجعوهم لاستعمال قروضهم في الزواج بزوجة واحدة أو أكثر وشراء السيارات الفاخرة طلبا للسلم معهم بتشجيع من وزيرهم الأول سلال.. أتذكر تصريحاته.”

قلت والمغص في بطني:” السلطة الفعلية والصورية بسيرهم في هذا المنهاج  أي بدلا من توفير الشغل والمسكن ووضع آليات وميكانيزمات الخروج من عنق الزجاجة وتوفير بناء المواطن الصالح تسعى السلطة وتوعد بمساعدة الشباب العاطل على تمويل حملته الانتخابية من تغطية تكاليف طباعة صوره وملصقات الحملة وكراء القاعات ومصاريف التهريج. هذا المسعى في اعتقادي مشبوه ومبني على الغلط إذ يهدف في النهاية إلى تشكيل برلمان صوري على شاكلة برلمان الحفافات فقط أنه يكون مشكلا من العاطلين عن العمل والشومارا من لا تجربة لهم في العمل يتهافتون ويهرولون إلى الفوز ب ال 30 مليون التي سيتقاضاها مدى الحياة الشاب العاطل الذي يصبح برلماني، وبهذا الشكل ستتحول الحملة الانتخابية والانتخابات إلى حلبة اقتتال  ساخنة يفرضها الطمع الجشع بدلا من الصراع لانتقاء أحسن البرامج السياسية والاقتصادية  ومنحها إمكانية التطبيق للنهوض بالبلد.”

ردّ علي خالد:” ومن بعد يَجِيك هذا البونادم المنقوص ذهنيا فرحا متحمسا ليعلن عن سحب 40 حزبا لاستمارات المشاركة في الانتخابات معتبرا أن ضخامة هذا العدد علامة خير. أي منطق يعتمده هذا البونادم غير السعي لدسترة الفساد والتمادي في أساليب التزوير.”

قاطعته على الفور:” لا أريد أن نستمر في تضييع الوقت مع هذا البونادم. لنعد إلى حكايتنا. توقفنا عند مظاهرات صيف 1986 في قسنطينة والقصبة وما تلاها من اعتقالات وعدم تدخل الجيش بالرغم من طلب الرئيس الشاذلي وذراعه الأيمن أصلع الفكر الذي أتى باب الخير وسدّه، من رئيس الأركان في ذلك الوقت الذي رفض تدخل الجيش فاعتمدوا على مدير البوليس العسكري المرحوم لكحل عياط؟… يتبع…

مونتريال – صلاح شكيرو

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى