page contents
أقلام الوطن

سايق الريح بالدبوس (الهراوة)

الجزء 32

(…) ” من أين جاِؤوا؟ وحدود البلد وطمح الشعب سيجته قوافل الشهداء والمجاهدين بأشواقهم وجوارحهم وتضحياتهم.” قال خالد وقد سرح بخياله بعيدا. فقلت  وكلّي هدوء: “في خريف 1958 استقبل الجنرال ديغول رئيس فرنسا مجموعة” من الأعوان مشكّلة من الباشاغاوات والمركانتية وبعض السياسيين وبعض العسكر من ضباط وصف ضباط في الجيش الفرنسي ذوي الأصول الجزائرية.

جاؤوا لتهنئته بنتائج عمليات التهدئة والسيطرة الميدانية على إثر عمليات “الأحجار الكريمة وعملية شامباين وبيلوط ومعركة الجزائر وعملية جيربواز وغيرها التي كانت تهدف مطاردة مواطن الثورة وتسليط القمع الوحشي وإقامة المحتشدات لضبط الخناق على الثورة ، وكذلك شكره على إثر إعلانه عن مخطط قسنطينة في الثالث من شهر سبتمبر من نفس السنة خلال زيارته الثانية إلى الجزائر. هذا المخطط كان يهدف أساسا إلى سحب البساط من تحت أقدام الثورة ومحاولة إفشالها وكسرها. استمع إليهم الجنرال ديغول ثم قال لهم :” الحرب ستتوقف لا محالة. نريد أن نسلم زمام الأمور في الجزائر إلى رجالنا، وأنا أريد أن أراكم غدا أثناء المفاوضات في الجهة الأخرى قبالتي وليس بجانبي …”

قبل نهاية سنة 1958 التحق أصلع الفكر الذي أتى باب الخير وسده بتونس قادما إليها من المغرب (الدار البيضاء حيث كان بالثانوية) والتحق بصفوف جيش التحرير الوطني، كما فرّ بعض الضباط ومعهم نزار خالد عبر ألمانيا والتحقوا بجيش التحرير الوطني في تونس. كانت السلطات الاستعمارية الفرنسية قد سطرت برنامجا محكما لزرع بيادقها في صفوف الجيش والثورة مستعينة ً بأجهزتها الأمنية والمخابراتية. يقول روجي فيبوط عميل مكافحة الجوسسة في “المكتب المركزي للاستخبارات والعمل” وواحد من مؤسسي مديرية امن الإقليم ( دي. أس. تي.) هذا الشخص لعب دورا أساسيا في عمليات اختراق جيش التحرير الوطني وجيش الحدود عبر أعوانه الذين كان ينتقيهم من بين ما كان يسمى بدفعة لاكوست .

كان يمنحهم تفوقا كبيرا على خصومهم داخل جيش التحرير الوطني مما يساعدهم على بلوغ مراكز القيادة بكل سهولة. يقول روجي فيبوط:”الرجال الذين نزج بهم في أجهزة الخصم غالبا في مراكز تحتية ثم نساعدهم على التدرج في انتزاع الأماكن الهامة والتموقع ضمن هرم الثورة. نسمح لهم مثلا بتمرير الأسلحة والأموال لجيش التحرير الوطني. كل تنقلاتهم السرية مؤمنة من قبل الـ (دي. اس. تي.)  وفي نفس الوقت نطارد نقل الأسلحة التي يقوم بها قادة جيش التحرير الوطني ونحجزها. كما ندفعهم إلى القيام بعمليات عسكرية مخدوعة بالتنسيق مع مصالحنا والجيش الفرنسي.

وفي كل مرّة نسهر على سير هذه العمليات بأنفسنا لإعطائهم المزيد من المصداقية. البعض من هؤلاء العملاء المزدوجي الانتماء بلغوا مراكز سامية في هرم قيادات جيش التحرير وجبهة التحرير الوطنيين. حدث لنا  أحيانًا أن  تلاعبنا بقادة ونواب قادة ولايات.” هذا ما قاله هذا الضابط الفرنسي المدعوم من قبل الجنرال ديغول، هدف فرنسة جيش الجزائر المستقلة وإبقاء الجزائر تحت التأثير الفرنسي.جابه هؤلاء الفارين شكوك وظنون ضباط جيش التحرير الوطني خاصة من هم في الدفعات الأخيرة  سنوات 1960 و1961، لكنهم تمكنوا من تسلق سلم الرتب والتدرج في مراكز القيادة في السنوات الأولى للاستقلال البلاد وهم منكمشون في تخندقهم في الظل الرأس تحت الزاورة. من بين هؤلاء من تحكموا فيما بعد في زمام البلاد ورقاب العباد ( الجنرالات أصلع الفكر – العربي بلخير وخالد نزار ومحمد العماري  ومحمد تواتي) الدين سطع نجمهم بعد وفاة الراحل هواري بومدين رحمه الله. يقول المؤرخ محمد حربي ” أن العقيد هواري بومدين ومن وراءه قيادة الأركان العامة أنه خلص إلى قناعة وهي من المستحيل بناء جيش جزائري معتمدا فقط على قادة الجيش وحدهم، هؤلاء القادة ثوار أفذاذ وشجعان ولكن ينقصهم التكوين الضروري.

لذا اختار الاعتماد على المهنيين الوحيدين الموجودين في متناوله: الضباط الفارين من الجيش الفرنسي. هم متمكنون من التقنيات اللازمة وليس هناك سواهم لإعطاء الركائز الأساسية لبناء صرح الجيش وتنظيمه. خالد نزار صرح في 12 جويلية 2012 لتلفزيون النهار أن عددهم 15000 فار من الجيش الفرنسي. وحسب المؤرخ محمد حربي :أن هناك 500 فارا من بينهم من هم بالفعل مقتنعون بالقضية الوطنية ومن ثمة ارتمائهم لخدمة الوطن. ولكن هناك ما يدفعنا للقول عن اقتناع أن العشرات منهم من استولوا على الحكم بإقصائهم للوطنيين الحقيقيين وبصفة راديكالية ، هؤلاء هم الذين شنّوا الحرب القذرة ويشكلون العائق الأكبر أمام مجيء الديمقراطية في البلاد. وهذا ما حدث مع مصطفى بلوصيف رحمه الله.

“قاطعني خالد وقد تقمص هيئة المدرس :” تعلم أن هؤلاء الضباط الفارين من الجيش الفرنسي ( داف) كما ينعتون ينقسمون إلى ثلاث مجموعات . هناك الفارين قبل 1956 وقبلها كالعقيد بن الشريف وأيت مسعودان رحمهما الله وغيرهما. فرّ عناصر هذه الدفعة بطريقة فردية منعزلة بدوافع وطنية عموما. وهناك العديد ضمن هذه المجموعة الذين شاركوا في معاركة إلى جانب المجاهدين واستشهد منهم الكثيرون رحمهم الله.وهناك دفعات 1958 وما فوق. ثم الدفعات الأخيرة ابتداء من سنة 1960 إلى غاية نهاية 1961. ينحدر هؤلاء الضباط وصف الضباط جميعهم من صف الأعيان أولاد القياد والباشاغوات الذين عرفوا بولائهم وتبعيتهم لفرنسا الاستعمارية.

تخرجوا من كبريات المدارس العسكرية  الفرنسية أو مدارس تكوين صف الضباط ، فرّوا من الجيش الفرنسي بين 1956 و1961 ليلتحفوا في دفعات متعاقبة إلى قواعد جيش التحرير الوطني  وجيش الحدود في الأراضي التونسية والمغربية. أغلبهم لم يطلق رصاصة واحدة ضد العسكر الاستعماري. استغل الباءات الثلاث وقيادة الأركان العامة مثلما رأينا آنفا بخبرتهم وتكوينهم في التنظيم وتأطير وتكوين الجنود وعناصر الجيش. أوفوا بمهامهم في سكون وهم قابعين في الظل بعيدا عن الأضواء خامدين الرأس تحت الزاورة إلى غاية الاستقلال  والعشرية التي تبعته. واستعانت قيادة الأركان العامة تحت قيادة هواري بومدين وعلي منجلي بخبرتهم وانضباطهم في تنظيم الجيش إلى أن أصبح البنية الأساسية والدرع الواقي المنقذ للبلاد غداة الاستقلال  وخلال أزمة 1962 الكبرى…”قاطعته بنوع من التذمر:” يا أخي هذه الأشياء حكينا ها من قبل أنت تكرر ما قلناه.”  لم يعرني أي اهتمام واستطرد يقول:” تمكنوا من مواقعهم هذه من بلوغ مكانة الأسطورة الخرافة.

فبالنسبة للأغلبية فهم خانوا الثورة والرئيس هواري بومدين الذي دافع عنهم واستغل خبراتهم وتكوينهم في بناء الجيش ورقى البعض منهم إلى أعلى المراتب على غرار العقيد شابو التي شغل منصب رئيس ديوان رئيس الدولة. بعد وفاة الرئيس هواري بومدين رحمه الله ووصول الرئيس الشاذلي بن جديد قصر المرادية وفي حقائبه الجنرال العربي بلخير قبل أن يصبح في تقويمك أصلع الفكر…” قاطعته مكملاً:” الذي أتى باب الخير وسدّه. أكمل.” صوّب نحوي عينان مشتعلتين ثم حرّك رأسه بالنفي وقال:” العهدة الأولى للرئيس الشاذلي بن جديد (فبراير 1979-جانفي 1984) تعتبر عموما متوازنة وايجابية نوعا ما لسببين اثنين أولها أن الرئيس الشاذلي استغل هذه الفترة للإطلاع والتحاور  ومقارنة مختلف الأطروحات والأفكار من خلال تنظيمه لنقاشات حوله وحدث لك أنك حضرت جانب من هذه اللقاءات عندما كان يجتمع بمسئولي الإعلام. باختصار كان يستمع كثيرا قبل اتخاذ أي قرار.

وبما أنه صاحب حنكة ورزين كانت جلّ قراراته متزنة وتأخذ بعين الاعتبار المسائل المعالجة في النقاشات الحادة بحضوره.  والسبب الثاني يرجع للقفزة النوعية لسعر برميل البترول خلال الفترة 1979-1982 الشيء الذي مكن الجزائر من ربح ما بين 13 و 14 مليار دولار كل سنة. هذه البحبوحة المالية مكنت من استثبات الاستقرار والسلم الاجتماعيين بالرغم من الذنوب المرتكبة في حق الاقتصاد الوطني وتشتيت الشركات الوطنية عبر ما أسموه في ذلك الوقت بالإصلاحات الاقتصادية التي قادها الإبراهيميُ الذي زرع بذور الردة. نظموا له مِؤتمرا (المؤتمر الخامس لحزب جبهة التحرير الوطني : من أجل حياة أفضل).

بدأت الانزلاقات مع بداية عهدته الثانية أي في جانفي 1984. تخلّص الرئيس الشاذلي بن جديد من أهم وزرائه ومن حزب جبهة التحرير الوطني، وابتعد عن القاعدة الشعبية وانزوى في عزلة مسلما أمره لحاشيته المباشرة. وخلال هذه الفترة تمكن أصلع الفكر من “سجنه” في برجه العاجي وتقوية مكانته هو ومن ورائه كتلة رعاة المصالح الفرنسية في الجيش وفي أجهزة الأمن المدنية والعسكرية وفي الإدارة  وفي الحكومة التي تمكن أصلع الفكر هذا من تثبيت عدد لا يستهان به من الأوفياء له في مراكز إستراتيجية وكذلك في سلك الولاة والسفارات والمناصب الحساسة. لقد ذكرت لي ذات يوم كيف بدأت تصفية الوطنيين من حول الشاذلي وكيف تم إبعاد العقيد أحمد بن أحمد عبد الغني.” قلت له أذكر ذلك.”

قال:” قلت لي أنه بعد مضي سنتين عن وفاة الرئيس هواري بومدين واستثبات سلطان الرئيس خمَيَّسْ والحلقة التي تدور في فلكه على غرار أصلع الفكر الذي كنّا نلقبه ب “الكاردينال”.

جاء الكاردينال في زيارة إلى قسنطينة موفوداً من طرف رئيسه للتحادث مع العقيد عن إمكانية تحويله إلى الحياة المدنية وإزاحته من منصب قائد الناحية العسكرية  الخامسة. العقيد كان على دراية من أن الرئيس خميس زميله في مجلس الثورة والعقيد مثله الذي شغل منصب قائد الناحية العسكرية الثانية في وهران قد زفروا في مخه فئران فأصبح يريد تقليم أظافره وإبعاده تدريجيا عن سدة الحكم كي يخلو المجال له ولمن معه ولمدعميه في الشروع في تطبيق سياسته الخاصة متحرّرا من كل القيود والالتزامات السابقة مع الرفاق.

أعجب الكاردينال بنشاط ونباهة ودهاء شاب اسمه محمد معدوم وهو المكلف وقتها بالإعلام والتشريفات لدى قائد الناحية العسكرية الخامسة. في طريقه إلى المطار حيث كان محمد معدوم مرافقه، قال له الكاردينال بهدوئه الأزلي وحنكته وجدارته في تسيير الرجال واستغلالهم كيف ما يشاء : “هذا المنصب اصغر منك يا محمد، إني أراك في مكان أحسن وأرقى ونحن  في المورادية بحاجة لرجال من أمثالك. أقترح عليك شيء : قم بإنجاز شيء ما يريحنا من الناس الذين يتشبثون بمناصبهم ويخلقون لنا متاعب كبيرة  لقوتهم الظرفية وسيكون جزاؤك أكثر مما تتصور.”

بعد أسبوع من عودة الكاردينال إلى العاصمة وُزِّعَ منشورا مجهول المصدر يعرى  السيد العقيد ويكشف فضائحه مركزا على مغامراته مع نساء المدينة خاصة بهية  المضيفة وليندة الفاتنة. وزّع المنشور على نطاق واسع في قسنطينة وعنابة وسطيف والعاصمة. انزعج ساسة ذلك الوقت خاصة رفاق العقيد في مجلس الثورة المغمور وفي الرئاسة ودواليب السلطة خاصة منهم من دعمهم وأوصلهم إلى المناصب المرموقة. هؤلاء كانوا السبّاقين للتنصل منه قبل خصومه.

بدى محمد معدوم شديد الحزن وهو يقدم المنشور الذي تحصلت عليه أجهزة الأمن إلى العقيد .

بعد أسابيع حول الرئيس خميس (الشاذلي) العقيد على التقاعد من الجيش مع حفظ كل امتيازاته وعينه وزيرا أولا في العاصمة كلّفه بمهمات قمعية قذرة تحت غطاء محاربة الآفات الاجتماعية وإعادة تأهيل الشعب للحياة المدنية مثل تحريم نشر الملابس في الشرفات ورمي الأوساخ في الطريق ومنع قطع الطريق في غير الممرّات المخصصة ذلك ما زاد من لفظ العامة له.

عندها ألتحق برئاسة الجمهورية لحضور أول اجتماع لمجلس الوزراء وجد العقيد محمد معدوم مستشارا إعلاميا للرئيس، وكان عليه في ذلك اليوم أن يستشير العقيد في إعداد بيان مجلس الوزراء الموجه إلى الصحافة.

كانت حرب المناشير ضاربة أطنابها في كل مستويات دواليب الحكم…” يتبع…

ملاحظة: نواصل حكاية رعاة المصالح الفرنسية في الحلقة القادمة. كما أنني سأجيب عن ردود الأفعال وتعاليق بعض الأصدقاء الذين لاموني على محتوى النقاش الدائر بيني وبين خالد.

بالنسبة للفريق مصطفى بلوصيف أذكر أنه يوم غضب وقد أرهقه التمرميد الذي ألحقته به لجنة التحقيق التي شكلها الرئيس الشاذلي، قال لهم: “انتم تفعلون ذلك معي لأنني لم أرضع حليب أمكم فافا. يكفيني أنني لم أرتدي سوى بزّةٍ واحدة (اللباس العسكري)، ولم أكافح سوى من أجل بلد واحد.” شكل هذا الموفق حجةً في تضخيم الحقد الدفين الذي كان ضحيته الفريق مصطفى بلوصيف.

مونتريال صلاح شكيرو

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى