page contents
أقلام الوطن

سايق الريح بالدّبوس (الهراوة)

الجزء الثّاني

قال لي خالد بن الرطل، ذات يوم في إحدى لحظات ضعفه، كان غارسا بصره في الأفق البعيد والسيارة تجري بسرعة فائقة، يداه ملتحمة بمقود المركبة، كنّا في طريقنا إلى قسنطينة، كان عليّ أن أسلم نسخا من كتابي الجديد “ذّرة الرمل” المحظور لصديقي علي جرّي المدير الجهوي ليومية الخبر،  بهدف توزيعه في شرق البلاد.

تطوع خالد لاصطحابي كسائق بالنظر إلى ما أعانيه من قصر النظر. كان هو – وقتذاك – “فارغ شغل” ويمر بمرحلة عصيبة من التذمر والتهميش. وكان يغتنم أبسط ظرف يلهيه وينسيه وضعه المقرف.

أخذ قدح القهوة البلاستيكي بيد واليد اليسرى ظلّت ماسكة بالمقود، ارتشف جغمة من السائل الأسود ثمّ مصمص شفتيه في تأفف، تنهد بعمق ثم قال :”أو تدري ما حدث لي يوما أياما قليلة بعد فراقها لي؟ نظرت إليه في حيرة ودون أن يحرك رأسه باتجاهي أو يحوّل بصره عن عمق الطريق وعن تلك النقطة البعيدة الضمنية التي يطاردها منذ أن انتصب خلف المقود قال بهدوء ومن صوته تفوح نبرات الحزن والبؤس.”

عندما أخرج إلى الشارع العام وأمشي وسط المارّة أحملق دائما في وجوههم أحاول إيجاد مسلك يوصلني إلى بيتي غير البعيد من سوق العصر، لأنني عادة ما أندم على خروجي على الناس منذ ذك اليوم المشؤوم. أحس بأنني عاري الجسد لا ثوب فوقي، قدماي عاجزة عن حملي وداخل صدري دقّات قلبي كالدف. فأشعر حينها بوهن في ذراعي وصداع في رأسي هكذا حالي وأنا أبحث في وجوه الناس عن شيء ما في نظراتهم الجافة والخالية من أي بصيص حياة، بدت أعينهم هذه وكأنها زجاجية تحمل ظهرا من الشقاء والحيرة، فتغزوني حينها ثورتها طالعة من أعماقي مازلت أتذكر الشتائم كلمة بكلمة وكلّ أسماء الطيور والزواحف وكلّ النعوت الأخرى الطائشة التي وجهتها لي على مرأى ومسمع من الجيران والمارّة يوم هجرتني منذ سبع سنوات خلت:”كرهت هذه المعيشة المرّة معاك. لا عندنا دار زي الناس، لا نا عايشين زي الناس. لعبت بي وضيعتني بي بأولادي يا…”(هو قالها كبيرة كما قالتها هي، وأنا اليوم ناس ملاح لن أكرّر هذه العبارة البذيئة.)

“انفعل وفور ما أتصور نفسي كالصاعقة أنزل على رأسها فأفجره. وفي لحظات يتراءى أمامي وسط الجمع الكبير وجهها الجميل الذي أذبل الحزن ابتسامته، ثم تحضر أمامي نظرات ابنتاي الصغيرتين وقد دفنت الكآبة براءتهما وطفولتهما.

هجرتني منذ أن فقدت عملي ومصدر قوتهم يوم أغلقت المؤسسة الوطنية للإنتاج السمعي البصري المنبثقة عن إعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية التي نفذها الوزير الأول عبد الحميد “لاسيونس” (الإبراهيمي) العائد من أمريكا ليرشق المسامير الأخيرة في نعش الاقتصاد الوطني عبر تفتيت المؤسسات الاقتصادية. هو مبتكر حكاية الـ 26 مليار من العمولات؟ أتذكر خرجاته أيام عزّه كان ألذع من سموم كبار المناوئين للنظام وللشعب. في كلّ مرّة يحمل مؤسسات الدولة الاقتصادية منها على الخصوص والشعب مالا يتجرأ عليه أشرس الثائرين الناقمين على الوضع في البلاد. لكنه لم يتجرأ ولو لمرّة واحدة التهجم على السلطة الفعلية أو القائمة.

أذكر أنهم نظموا له مؤتمرا استثنائيا بين أيدي السلطة لجبهة التحرير الوطني الحزب الوحيد المسخر بين أيدي السلطة في جانفي 1981 لتكريس برنامجه. وعندما جاء الخامس من أكتوبر كنّس كلّ شيء، “ريب” في طريقه أقوياء النظام في ذلك الوقت من مساعدية محمد الشريف إلى قاصدي مرباح رئيس جهاز المخابرات – رحمهما الله – إلى زعزعة ركائز حكم الشاذلي بن جديد – رحمه الله – فما كان منه أن خرج علينا بمقولته المشهورة: “ليش يا مواطن هذا الانكسار؟

وقت ذك كان ربّان الباخرة الجنرال العربي بلخير العرّاب الأكبر. فجيء بالجنرال نزار خالد إلى الواجهة على رأس المؤسسة العسكرية وبالفيس(…).

أمّا الإبراهيمي الذي زرع بذور الردّة، فقد وجد في التيار الإسلامي ملاذا له واختبأ في مدينة لندن وسط الإسلاماويين مقتنعا بأنه أنظف من كلّ أصدقائه وزملائه في الحكم الذين انساقوا وراء النهب المنظم والسطو المقنن على المال العام، حتى في ظل حكومته، كانوا يؤسسون لجزائر الفساد والانحلال والدونية.”

توقف خالد عن الكلام. تسلّم من علبة السجائر سيجارة كانت ملقية هكذا لحالها. توقف عن التدخين منذ مدّة لكنه عندما يزوره سعار التدخين يأخذ هذه السيجارة بين أصابعه يلهو بها بعض الشيء ثم يمسك بها بين شفتيه قبل أن يلقيها من جديد في المكان الذي اختاره لها. كنت دوما ألح عليه لكي يتوقف عن التدخين، لأن التدخين والكحول “كوكتيل” من أنجع الوصفات الضامنة للهلاك. كان خالد يرد علي عتابي بوقاحة وبلادة لا نظير لهما :” لا عليك التوقف عن التدخين مسألة سهلة جدّا لقد جرّبتها عدّة مرّات.”

غير أنني لاحظت عليه اليوم شيئا غريبا غير معتاد منه. حزنه اليوم كان طاغيا على طباعه. كان كثير التنهيد والتيه في طيشٍ كبيرٍ.

انتصب في مكانه، نظر باتجاهي وقال:”تعرف يا صديقي إنني كثيرا ما أحلم وأنا صاحٍ. أحلم أن أرى يوما هذا الشعب منتفضا “ينش”  الذباب عن أطرافه ومناخيره، ينتفض ويكسّر جدران الخوف ويمزّق لُحف الخديعة التي تلفه. أحلم أن أراه يحتكم إلى الشارع ويقاوم.”

نظرت إليه متسائلا في حيرة من أمري وأنا أردد في داخلي:” ماذا دهاه خالد؟ إنه يتكلّم عن الحراك الشعبي ونحن مازلنا في مطلع التسعينيات؟”.

قال بحماس:” قبل أن أكمل لك حكايتي مع أكتوبر 88 من موقعي فأنا لي أكتوبري، أريد أن أعود بك إلى المنبع…”.

سكت ثم استطرد بعد مدّة صمت معتبرة، وكأنه قد عبّر بقية المسافة التي تفصلنا عن مدينة قسنطينة فقرر أن يروي لي حكايته من البداية التي اختارها، أمام سكوتي وترددي إزاء فرضه علي حكايته انطلق يقول من غير إذن منّي:” عائلتي من منطقة تبعد بنحو 80 كلم غير بعيدة عن قسنطينة. سهل تحيط به جبال زرقاء. هناك مشتة الأهالي وقرية الكولون.

يسكن الدّشرة الأهالي الفلاحون، التي تبعد بنحو كيلومترين عن القرية الأوروبية حيث يسكن الكولون. يفصل بين الموقعين بر خالٍ اتخذت منه كتيبة المظليين موقعا لها·

لا يحق لسكان الدّشرة دخولُ الحيّ الأوربي بعد الخامسة مساء ولا يُسمح سوى لبعض الخدم والعاملين في حدائق فيلات المستعمرين (البحارة) وبعض المدمنين على الخمر المعروفين والقياد وأذناب المعمرين الآخرين بالبقاء في القرية إلى غاية الساعة التاسعة ليلا..

يتشابه هؤلاء البشر في تقاسيم الذلّْ التي تطبع محياهم وفي الملابس الرثة التي يرتديها الأهالي من سراويلَ مطببة وقمصان مصنوعة من خيش. ويتقاسمون شأنهم شأن باقي السكان الأهالي ذلك الإربداد الغامضُ الكريهُ البائسُ الذي يغلِّفُ دوما وجوههم العابسة، أمّا التجاعيد عند أطراف أعينهم فهي أشبه بتلك التجاعيد التي تطبع وجوه وجبهات الجنود الذين يقضون سنواتٍ كثيرةً في الصحاري والبحار يترقبون الأفق البعيد دوما.

لا يحقُّ لهذا الصِّنفِ من النّاسِ البقاءِ في الحيّ الأوروبيّ، فعلى الطّريقِ الّذي يربط بين الدّشرةِ والحيّ الأوروبي تقع ثكنةُ المظليين حيث ينتصب هناك حاجزٌ دائمٌ منذ مجيء الأمريكان إلى المنطقة خلالَ الحربِ الكونيّة الثّانية.

الفرقُ شاسعٌ بين الأهالي الشّاردين في هذه البراري الّذين تصبغُهم لافحةُ الهجيرِ الّتي تحرقُ الشّجرَ والحجرَ وكلَّ أنواعِ النّباتِ وجلودِ البهائمِ وبين الشّبابِ الأمريكان الّذين جيء بهم إلى هذه البلادِ قبلَ توجُّههم إلى شواطئ إيطاليا وجنوبِ فرنسا والشّواطئ التّونسيّة لمواجهةِ جيوشِ رومل القادمةِ من الصّحراءِ اللّيبيّة.

وبالرغمِ من معدّاتهم المتقدّمةِ جدًا في ميادينِ النّقلِ والتّسلحِ ووفرةِ المأكولاتِ المعلّبةِ، فهؤلاء على بعد سنوات ضوئية عن القائد “أيك إيزنهاور” وحاشيته المتخمة بالصدف البحري في شرفات نزل “سان جورج” المتربّعِ على إحدى ضفافِ الهضبةِ الجنوبيّةِ لموقعِ الجزائرِ العاصمةِ المطلّةِ على حوضه االفسيحِ.

الأهالي يطلقون على السّنواتِ الممتدة بين 1942 و1945 الماركان وسنواتِ الشّرِّ وسنواتِ “التوفيس”· شحّتِ المؤونةُ خلالَ هذه السّنواتِ وغزا الفقرُ والوباءُ كلَّ البيوتِ.

( يتبع)

الأستاذ صلاح شكيرو – مونتريال

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى