page contents
أقلام الوطن

سايق الرّيح بالدبوس (الهراوة)

الجزء الأول

بدلا من العودة إلى المواضيع الآنية، قرّرت أن تستمر الحكاية ونسافر سوياً إلى جوفها في الذكرى الثانية للحراك، وما التقطته عيني الجريحة من صورٍ من مدينة خرّاطة منتصف هذا الشهر.

رأيت قدماء مجاهدي الحراك وعشرات الآلاف من الشباب وغاشي كبير. بكلّ تأكيد أن الشاب صاحب صرخة” باععوها يا علي” موجود وسط هذا الجمع الغفير من حيث إنهم جاؤوا من كلّ حدب وصوبٍ. وعادت معهم المناورات الكبرى تجرّ وراءها الأيديولوجيات متعددة التوجهات ومروجيها على حساب آمال ومطامح الشعب في حراكهم.

أقطاب افتراضيون وحقيقيون وكذا طموحات وأطماع ونوايا متشعبة. آلمهم أن النظام القائم بقمعه واستبداده لقي روحه في خضم كلّ هذا. مثلما لقي رَواحْتيهُم من يزحفون على بطونهم يتوقون إلى بركة الحراك، من بينهم أناس معروفون منهم من أعلن عنوةً وخديعة للناس أنه ينسحب هو وجماعة حزبه من البرلمان لنكتشف بعد سنتين أنهم ما يزالون تحت قبة البرلمان إلى غاية حلّه، ومن بينهم من تدّعي الزعامة باليد اليسرى وتقبض الـ 30 مليون سنتم شهرية البرلماني باليد اليمنى بحيث كانت عضوا في المجلس الانتقالي أو الاستشاري، ومن بينهم كذلك من يغوى التسجيلات والثرثرة في الفيديوهات مهووس يغوى السماع لنفسه والتلذذ بتحكمه في اللغتين العربية والفرنسية وفيه وفيه.. لا يسع المقام هنا للتيه وراء أخبارهم.

لكن، السؤال الذي يحيرني بالفعل هو: هل من تبين ما يخفيه ما استجدّ من أحداثٍ خلال الأسبوع المنصرم؟ أحداثٌ تتسابق مع الأيام: رئيس الجمهورية يحلّ البرلمان مباشرة، وهذا بخلاف الإعلان عن انتخابات تشريعية مسبقة. وبحل برلمان الحفّافات والنشافات يتمّ إحداث أول فراغٍ دستوري في البلاد. وبهذا يرغم الرئيس نفسه على سنّ القوانين بما فيها قانون الانتخابات بمراسيم رئاسية (ويجوز له ذلك).

أمّا الحدث الثاني المحير في السياق نفسه هو تصريح الرئيس تبون، بل توعده بالتغيير الحكومي خلال الثماني والأربعين ساعة القادمة (منذ يوم الخميس) بدلا من الإعلان عن قائمة الوزراء أو الحكومة الجديدة.

تسارعت الأحداث نحو هدف واحدٍ واضح المعالم وهو إحداث الفراغ الدستوري. فراغ كبير سيليه الإعلان عن خبر ضخم سيحدث الفجوة الكبرى أي الحفرة الواسعة سعة الفلك اللا متناهية.

صحيح أن العديد من الإجراءات التي تمّ الإعلان عنها تهدف فيما تهدف إليه بعث الطمأنينة والبحث عن الاستقرار وكذا حش رجلين من يتربصون بالنظام باستغلال الذكرى الثانية للحراك الشعبي. هي الإجراءات الرئاسية كإجراءات العفو عن الستين معتقلا من معتقلي الرأي (ها هم يعترفون للملأ بعظمة لسانهم أن هناك معتقلين الرأي في الجزائر!) كلّ ذلك سعيا لتفادي أي طارئ ونحن في عزّ الاحتفال بالذكرى الثانية للحراك. لكنها تخفي في اعتقادي تخريجات ومسالك أتمنى أن لا تتحول إلى مهالك.

وفي انتظار ذلك، قررت أن أبتعد عن متابعة الأحداث متى استطعت وأن أغوص في جوف الحكاية كلّما تمكنت منها سبيلا.

أعود إلى مسلك الحكاية لكي تستمر وأنا صاير لي كالذي يسوق الريح بالدبوس تماما مثلما هو حال خالد الأسطورة الذي تمكن في نهاية المطاف من ملء زيرٍ كبيرٍ مستعملا كسكاس.

حكاية خالد بن الرطل التي سنسايرها على امتداد أسابيع أسطورة حقيقية.

وخالد هذا بخلاف عبث وجود خالد نزار بموبقاته وتفاهة الأوسمة والرواتب التي علّقها على صدره بنفسه، أو علّقت له على إثر تكالب الزمن على هذا الوطن، فما كان منه أن تعلّق بها وزهاتلوا أيامه ليصل إلى حدّ رفس العدالة الجزائرية برجليه ويرمي بها في المراحيض العمومية، ولا أحد يحرك ساكناً.

خالد انتاعنا مثقف مكتمل آية في النزاهة والالتزام. لكن المنظمات الجمعوية الدولية لم تعره أي اهتمام ولم يحض بأي إشارة تضامنية معه على إثر المظالم التي تحملها ويتحملها عبر عقون من الزمن.

خالد انتاعنا بالرغم من نباهته والنار المشتعلة في أطراف عيونه ونظراته الثاقبة التواقة إلى المستقبل الزاهر والزاهي للبشرية في هذه الديار لم تَدعُه سفيرة فينلاندا يوما للعشاء في إقامة السفارة كما لم تدعه سفيرة مملكة الدانمارك لجلسة حميمية يحتسي خلالها قدحين من الشاي أو أي مشروب آخر يرد الروح بمجرد شمّه.

خالد انتاعنا لم يحض بتضامن رفاقه القدامى من شيوعيي الباكس وغير الباكس بسبب تفاديه معاشرة الأقليات الضاغطة. ولا تضامناً كذلك من الذين يكنون له العداوة، ويروون لهيب الغيرة فيهم منه ومن معاناته. يحسدونه على هدوئه أمام الصعاب وعلى عنفوانه وثورانه، على نباهته وعلى بلادته، على نجاحاته وعلى انكساراته. أولاد الحومة ابتكروا أغنية ليلة القبض عليه من طرف رجال الدرك الوطني ورميه في دهليز الاعتقال، كطلعها : “خالد ديالنا بلوبي فحل..”أي رصاص يقاوم التسريبات ولا يمارسها ولا يستغلّها؟ خالد خدم وطنه بجهده بقلمه وبإبداعاته. قهره الاستبداد ودمّرته رقابة الرقيب ومساعد الرقيب فوفو (الذي سنلتقي به مرارا وتكرارا على امتداد فصول الحكاية) إلى جانب خيانة إعلاميي التبعية العمياء لجاذبية المحراب وضرورات الزحف على البطون بغية الموز بجزء من صفحات الإشهار.

سأروي لكم حكايته مثلما رواها لي بذاته قبل أن يغادر ويختفي في هذه الدنيا.

سلك مسلك أبيه (عمار الكازينو البطل) وأخيه الأكبر أحمد الفن (ربي يرحم الشهداء). أبوه طلّق القربي والمرأة والأولاد وارتمى في أحضان الثورة يبحث عن سراب كانوا يسمونه الحرية.

خالد تتلمذ في المدرسة الفرنسية الاستعمارية ثم المدرسة الجزائرية فالجامعة في الجزائر فمدرسة الفن السينمائي في كييف في الاتحاد السوفييتي.

خالد زار زنزانات السجون مرّات عديدة وذاق الغبن والقمع والحقرة لمدّة طويلة. وعندما أخلي سبيله في المرّة الأخيرة لم يجد خالد لدى خروجه من سجن الربع قطارات في استقباله أحد في الشارع ولم تنتبه إليه أية قناة تلفزيونية جزائرية كانت أم فرنسية أم دانمركية.

سترون مع فصول الحكاية أن خالد بن الرطل قد يكون أي إنسان بيننا. حكايته هي حكاية أي شخص من بني جيله ومن الأجيال التي تعاقبت، ولكنها حكاية حقيقية مستمدّة من الواقع. ارتأيت عمداً تغيير الأسماء وأسماء الأماكن والأزمنة ليس خوفا من تعسف السلطة أو أي أحدٍ آخر، بل فعلت ذلك لكي تحلو أوقات الحكاية.

مونتريال – صلاح شكيرو

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى