page contents
أقلام الوطن

سياقات النقض والتهديم، ومنهاج التصحيح الوطني

الجزء الثالث

كان مؤذيا جدا الاستعمار الفرنسي، أحدث قطيعة جذرية مع الماضي. عملُ الربط بالحاضر كان جد معقد بسبب متغير اللغة الفرنسية. فصارت مستحيلة عملية التأثيت بدون أخذها بعين الاعتبار، لقد أكدتْ ليس حضورها فقط بل هيمنةً إلى غاية وقتنا الحاضر.

كانت هذه الحقيقة خلال فترة الوجود العثماني تشمل مضامين لغوية ومذهبية، اللغة التركية والمذهب الحنفي لصالح الأقلية الحاكمة، اللغة العربية والمذهب المالكي بالنسبة للأغلبية العظمى من المجتمع الأهلي، ولغات/لهجات محلية (قبائلية، شاوية، ميزابية، تارقية..) كان محمولها التعبيري هو اللغة العربية. كتب أدولف هانوتو Adolphe Hanoteau وأريستيد هوراس لوتورنو Aristide Horace Letourneux في نهاية القرن التاسع عشر يصفان الوضع اللغوي في منطقة القبائل:” اللهجة القبائلية لا تملك حروفا خاصة بها لعرض الأصوات ، إنها لا تكتب، وليس لها أدب سوى أناشيد دينية، أغان، أشعار مختلفة، تنقل شفهيا. حينما يريد المرابطون، وهم الوحيدون المتعلمون، تحرير عقد أو رسالة، يستعملون دائما اللغة العربية. كما أنهم يستخدمون أحرف هذه اللغة كلما أرادوا كتابة كلمات قبائلية”[1]. ويعتقد ستيفان غزيل أن الاستعمار الفرنسي قد ساعد على انتشار اللغة العربية بين البربر، وذلك بسبب التسهيل الكبير الذي يسر المواصلات في إفريقيا الشمالية مقارنا ذلك بما حدث خلال الوجود الروماني الذي لم يساعد على انتشار البونيقية؟[2]. لكن هذه المفارقة لا تستقيم وطبيعة الاحتلال الفرنسي القائم على سياسة الإحلال، المستوطنون بدل السكان المحليين، اللغة الفرنسية بدل اللغة العربية. وضع عام فرنسي يقوم على نسخ ما هو موجود في فرنسا الميتروبوليتانية. لقد مضى عمل السيطرة الشاملة إلى حيث يقول لويس برتراند وهو من المعمرين المتطرفين سنة 1922 “…فنحن عندما دخلنا إفريقيا لم نعمل شيئا سوى استعادة ولاية فقدناها منذ عصور الرومان، ونحن كورثة لروما نطالب بحقوقنا التي ظهرت حتى قبل دخول الإسلام هذه الأرض، و الأثر الرمزي لهذه البلاد ليس الجامع وإنما قوس النصـر”[3].

يأتي الرد بعد سنوات قليلة، أولا من مبارك الميلي وكتابه : “تاريخ الجزائر في القديم والحديث” الذي صدر سنة 1928، ثم بعده أحمد توفيق المدني وكتابه: “الجزائر” الذي صدر سنة 1931. يعبر الشيخ عبد الحميد بن باديس عن اعتزازه بهذين المؤلفين، فيقول عن الأخير أنه:” لم يكن كاتبا بليغا ومؤلفا مبدعا ومؤرخا حكيما فحسب، بل كان فوق ذلك من خير من بعثوا أوطانا وأحيوا أمما”[4]. يكتب محمد (ابن مبارك) الميلي سنة 1989 ، في تمهيد طبعة جديدة للكتاب:” إذا نحن استحضرنا أهم دعائم وأهداف المشروع الاستعماري وخاصة ما يتصل منه بالثقافة الوطنية، أدركنا الدور الذي يؤديه تجديد العناية بالتاريخ الوطني، والمغزى العميق الذي يكتسيه ظهور كتاب باللغة العربية عن تاريخ الجزائر في عام 1928″. ثم يضيف:”  فالقراءة المتمعنة لهذا الكتاب تكشف عن بدايات مشروع ثقافي وطني لإحباط المشروع الاستعماري في المجال الثقافي الذي أشرنا إليه ، فالشيخ مبارك ، ينص في أكثر من مكان ، على كل ما من شأنه أن يوحد الشعب ، ويقضي على عناصر التفرقة”[5].

كانت الهوية تعني الانتهاء من وضع الإذلال الذي وصفه بشكل جيد محمد الشريف ساحلي في كتابه المرجعي Décoloniser l’histoire الذي صدر سنة 1946، والذي فيه يصف ما آلت أوضاع الجزائر المحتلة القائمة على التمييز العنصري. فيحدثنا عن موقف الزائرين الفرنسيين للجزائر الذين تعلموا من نظرائهم المعمرين:” التمييز بين الأوروبيين ” عرق المشيدين race de bâtisseurs” والعرب ” شعب الكسالى والسارقين الذي يجب التعامل معه بالعصا”[6].  إن هذا الزائر:” بدل أن يجد إقامة طيبة في هذه الجزائر نراه يتموضع في قلب مأساة كبيرة: المأساة الجزائرية”[7]. ثم يأتي ما يتمناه المعمرون إذ أنه :”في عيون هؤلاء “أصحاب الرسالة الحضارية” المترعين بتفوقهم والمرتبطين بامتيازاتهم، فإن هذا البؤس العظيم لشعب بأكمله ليس له سوى أذية واحدة: أنه لم ينعدم في زاوية منسية، أو أنه يشوه مشاهد حياة ناعمة جدا”[8]. ويروي محمد الشريف ساحلي حكاية ذلك الاسباني الذي جاء إلى مدينة وهران لكي يعمل ماسح للأحذية، إن هذا العمل قد اعتبر خطيئة لأنه لا يناسب “عرق الأسياد”، ولهذا اختفى أثره بعد أيام معدودات[9]. ويصف مَنظر طابورين واحد مخصص للأوروبيين وآخر للجزائريين أمام وكالة سفر بحري، وذلك بعد أن يحصل الجزائري على حرية السفر وبعد أن يخضع لابتزاز الوسطاء[10].  وفي الأخير يطلق هذا الحكم، حيث أن:”أحصنة المعمرين تحظى بمعاملة أفضل من الجزائريين. إن الحصان ليحصل على ما يعادل 800 فرنك من الحبوب، في حين أن بني جلدتنا يحصلون على حصة تتراوح بين 7 و 500 كلغ شهريا. إنها حصة افتراضية، لأنه نادرا ما يحصل عليها كاملة، وهي تأتي غالبا متأخرة بعدة أسابيع”[11].

إنه مهما كان تقييمنا لهذه الإصدارات (من الناحية العلمية والإيديولوجية) إلا أنه يمكن القول أنها خطت طريق استعادة التاريخ الوطني من المستعمِرين. لكن هذا الجهد توقف وتعطل فيما يخص تناول تاريخ الجزائر كله وبمختلف حقبه (فترة الوجود الروماني كمثال)، فحين البحث والتنقيب عن مراجع حولها نجدها قليلة الدراسات التي أنتجها علماء آثار ومؤرخون جزائريون، يتبنونها ويقيمون روابط نحوها مهما كانت مشاربها واندماجها في الحضارات المختلفة. فنعود بالتالي إلى أطروحتنا الخاصة بعبقرية المكان ومكمن وتمظهرات القوة والمنجز الحضاري، الذي لا نعرفه تبعا لخصيصة حضارية محددة بل في هذه الاستمرارية الحضارية العريقة مهما تبدلت الأحوال والظروف. فمصر اليوم، لا تجد أي حرج في التواصل مع تراثها التليد وما تعرض له من تأثيرات أجنبية، نفس الشيء مع العراق وسوريا. نحن في الجزائر، في مرحلة وجَد من طور تاريخا وطنيا يبدأ مع انتشار الإسلام والتعريب، ووجد من وجه سهام النقد للحقبة العثمانية، ونفس الشيء بالنسبة للحقبة الفرنسية، يريدون تاريخا مخصوصا بقطائع. إننا لا ننتمي إلى هذه الرؤية، التاريخ الوطني استمرارية استقرت هوية تُعرِّفنا.

يسخر البعض من هذا التاريخ، بأنه تاريخ الوافدين. إنهم يتجاهلون الإسهام المحلي والمشاركة في إعادة إنتاجه وفق معطيات المكان. في تفسير هذا الغياب رأينا: أنه ليس بسبب سلبية الجماعات الاجتماعية أو عقر المكان، بل بسبب عدم النجاح في بناء مركز سياسي محلي. وهو تفسير يمكن تطبيقه في عديد المناطق في العالم. نعيد القول بأن الفرصة في الابتناء والاستمرار كانت إبان الحقبة العثمانية، لو أن حاكما ما نجح في بناء نموذج حكم سلطوي (سلطاني أو ملكي).

موقف التغافل هو وضع غفلة. المعرفة سلطة، وما أنتج أستخدم لتبرير وضع هيمنة. حين تمت مصادرة الحكم، عملت آلة ترويج لزيف تاريخي. إن ما كان يسمى التصالح مع الأصول ، كان تعبيرا عن موقف ضد وضع تاريخي استقر بشكل سلمي وكنتاج تفاعلات ثقافية لا يتعلق ببلدنا فقط. بني على وجود احتلال عربي وهجمة هلالية. كان العمل يتم بأدوات فرق تسد، بدون أي سند معرفي حقيقي.

نوضح موقفنا، أننا لا نملك حق مصادرة أي فرد في صيانة وتوظيف منظومة رمزية خاصته، بيد أن هذا التنوع والديمقراطية لا يجب أن يؤدي إلى وضع سياسي غير متكافئ ويقوم على الاحتكار والفساد. إنه لو كان ما تم العمل على ترويجه، من الخارج هو التاريخ لأمكن طرح صيغة توفيقية. إن العودة إلى ما قبل الاحتلال الفرنسي أولا وإلى ما قبل الوجود الروماني يعطينا وضعا مرجعيا، يسمح لنا بضبط مقومات الدولة الجزائرية بطريقة تبعد التشكيك واستغلال وضع هجين للتقسيم والتبعية.

الدكتور عبد السلام فيلالي

[1] – Adolphe Hanoteau, Aristide Horace Letourneux, la Kabylie et les coutumes kabyles, tome 1, p 376.

[2] – أصطيفان أغزيل، تاريخ شمال إفريقيا القديم، ج 6، ترجمة محمد التازي سعود، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، الرباط ، 2007، ص ص 99-100

[3] – محمد خضر، سعاد.الأدب الجزائري المعاصر.منشورات المكتبة المركزية.بيروت.بدون تاريخ.ص 108.

[4] – عبد الحميد بن باديس، (آثار)، الجزء الأول من المجلد الثاني،  ص 33

[5] – مبارك الميلي، تاريخ الجزائر في القديم والحديث، الجزء الأول، المؤسسة الوطنية للكتاب، ص 36

[6] – Mohamed Cherif Sahli, Décoloniser l’histoire,  L’Algérie accuse le complot contre les peuples africains, editionx ENAP, Alger, 1986.

[7]IBID, p 65

[8] -,  p 66.

[9]IBID,  p 66- 67

[10]IBID,  p 67.

[11]IBID,  p 68.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى