page contents
أقلام الوطن

سيرورة اتخاذ القرار وفن القيادة

مقدمة:

تسعى المجتمعات والتنظيمات على اختلاف شاكلتها إلى تحقيق أهدافها السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والتنظيمية… وترتبط هذه المسألة بمدى التوفيق في اتخاذ القرارات الملائمة لمعضلات متكررة أو عابرة  المرتبط أساسا بمنهجية القرار من جهة وبنوع القيادة المسؤولة عن اتخاذه من جهة أخرى. وضمن هذا التصور نحاول أن نستجلي منهجية اتخاذ القرار، صفات متخذ القرار، معوقات اتخاذ القرار وفي النهاية مرتكزات القيادة مصدر القرارات.

أولا: سيرورة اتخاذ القرار

يتخذ القرار مقابل مشكلات ومسائل مطروحة للدراسة أو للحل وفق تحديد واضح للأولويات والأخذ بعين الاعتبار العامل الزمني. ومن الطبيعي أن تتولى القيادة هذه العملية التي يتوجب عليها  أن تبحث عن المشاركة الحقيقية والبناءة لمتعاونيها لتحقيق الأهداف التنظيمية أكثر مما تبحث عن فروض الطاعة والولاء.

يعبر اتخاذ القرار عن سلطة تنظيمية وهرمية وهو عملية تهدف لاتخاذ مجموعة من التدابير أو الإجراءات أو الحلول لاختيار أفضل الوسائل أو البدائل مقابل مسائل أو مشكلات أو غايات محددة في الوقت المناسب. وبقدر ما تعتمد هذه العملية على مبدأ المشاركة الفعلية من طرف أعضاء التنظيم المعنيين بقدر ما يكون القرار عقلانيا وناجحا.

تصنف تلك القرارات إلى قرارات تكتيكية أو عملية تتعلق بالعمليات اليومية ولا تؤثر تأثيرا كبيرا على مسار المؤسسة وقرارات إستراتيجية تؤثر تأثيرا كبيرا على مسار ومصير المؤسسة وكذلك على المحيط الخارجي لها.

أما صفات متخذ القرار فيمكن اجمالها في الصفات التالية: روح الاتصال ولديه روح الفريق أكثر من روح الجماعة، القدرة على الإقناع، الشجاعة، الفهم والذكاء، القدرة على التحليل والاستخلاص، المرونة، النزاهة.. هذه الصفات هي تعبير عن قدرات نفسية، اجتماعية وتنظيمية، والتي توظف في منهجية اتخاذ القرار وذلك بتحديد المشكلة وأبعادها بدقة من خلال جمع المعطيات والمعلومات أي محاولة إجراء التشخيص الدقيق بالاستماع لجميع الأعضاء المعنيين بتلك المشكلة وعدم إقصاء أي طرف لتحديد أبعاد المشكلة، مسبباتها وأبعادها.. لتأتي مرحلة تحديد أهم البدائل ودراسة كل اختيار أو كل بديل على حدى  بعدها المفاضلة بين البدائل (بالموازنة بين الوسائل والغايات) لتأتي آخر مرحلة وهي اختيار البديل الأفضل وتوفير كل فرص نجاحه.

ويصطدم هذا المسار في منهجية اتخاذ القرار بعدة معوقات نذكر أهمها: معوقات متعلقة بشخصية متخذ القرار أي الحالة النفسية لمتخذ القرار وطباعه فيمكن أن تؤثر إما بالإيجاب أو السلب على عملية اتخاذ القرار برمتها. كذلك السمات التي يحملها متخذ القرار يمكن أن تكون متناقضة مع سمات القيادة ومتطلباتها. نضيف عائق عامل الوقت حيث يوجد وقت محدد لاتخاذ وتنفيذ القرارات أي أن الوقت هو عامل إكراه (ضغط) فلابد أن يكون القرار المتخذ مرتبط بتوقيت معين ويقع الالتزام بذلك التوقيت. وأخيرا وليس آخرا عائق البيئة الخارجية أي تفاعل اللاعبين في المكان والزمان يمكن أن يجابه البيئة الخارجية باكراهاتها القانونية، الثقافية، الاقتصادية والسياسية..

وبهذا المعنى كلما تجاوزت عملية اتخاذ القرار هذه المعوقات كلما زادت فرص نجاح القرار في مواجهة المعضلات مهما كان نوعها.

ثانيا: مرتكزات القيادة 

خضعت القيادة التنظيمية إلى البحث والدراسة حيث ركزقسم منها على شخصية القائد أو المسير وقسم آخر اهتم بالمحيط الخارجي للقائد وقسم ثالث اهتم بالقائد وعلاقته بالمحيط الخارجي. اتجهت الدراسات نحو تحديد العوامل التي من شأنها التأثير على سلوك الأفراد في مختلف التنظيمات من خلال عنصر القيادة وسوف نوضح تلك الدراسات في اطار ما يسمى بنظريات القيادة. والتي يمكن ايجازها في نظرية السمات الشخصية حيث تعلقت الدراسات الأولى في مجال القيادة  بخصائص المشرف أو القائد وهذه النظرية تحصر أهم هذه الصفات في الخصائص التالية: الروح الاجتماعية، الكفاءة التقنية، القدرة على الاشراف والتوجيه، الذكاء، امتلاك الروح المنهجية والمنطقية والقدرة على التحليل، التحفيز، امتلاك النزعة نحو احداث التنسيق، الفصاحة والوضوح في التعبير، امتلاك النزعة نحو دعم التابعين، امتلاك روح المسؤولية، التحكم في الذات، احترام اخلاقيات المهنة، امتلاك روح الجماعة، امتلاك القدرة على الاتصال، القدرة على اتخاذ القرار، امتلاك الطاقة الجسدية، امتلاك التجربة الفاعل، النضج النفسي، امتلاك الشجاعة والديناميكية، روح الابداع والاستقلالية…  أُنتقدت هذه النظرية في استحالة وجود شخص يمتلك كل هذه الصفات أي أنها نوع من المثالية المتجنبة للواقعية. النظرية الثانية هي الموقفية لصاحبها Stog Gill الذي توصل إلى  أن مسألة تحليل القيادة لا يتعلق فقط بالقائد نفسه بل أيضا بالموقف الذي يوجد فيه ولقد شاركه في ذلك مجموعة من الباحثين. بهذا المعنى ففعالية القيادة مرتبطة بفعالية القائد في الموقف بمعنى آخر  في النهاية فعالية القيادة تتعلق بذات القائد أي سماته الشخصية و تفاعله مع  مجموعة العمل في  موقفsituation محدد . و بالنسبة إليه فالموقف أو المحيط الخارجي  هو المحدد الرئيسي لسلوك القائد ضمن جماعة العمل.  و قد شاركه في التصور  فيدلر (1960)  و الفكرة هي أن  القائد أو المسير يتميز بالفعالية  في حالة وجود هامش واسع من السلطة يتمتع به  و كذلك في حالة تحديد  الأهداف و المهام بدقة  وأيضا بتحديد العلاقة بين المسيرين و بقية أعضاء التنظيم. هذه النظرية أعطت أهمية قصوى  للمحيط الخارجي على حساب شخصية القائد.  أما النظرية السلوكيةو هي نتاج مدرسة العلاقات الانسانية  فالقائد يكون  فاعلا حسب هذه النظرية عندما  يعير الاهتمام بطريقة سلوكه في العمل. و من أبرز هذه النظريات نظرية(ماك غريغور) وأصحاب هذه النظرية ينطلقون من مسألة مهمة و هي سلوك القائد مع جماعة العمل أي البعد النفسي- الاجتماعي للقيادة .

يميز Vroom بين خمسة انماط من القيادة:أولا المسير الذي يحل المشكل لوحده باستعمال المعلومة اللازمة في وقت اتخاذ القرار، ثانيا المسير الذي يتحصل على المعلومة انطلاقا من معاونيه و يأخذ القرار لوحده ، ثالثا المسير الذي يناقش المشكلة مع بعض المتعاونين و يطلب منهم آرائهم و اقتراحاتهم و هذا بطريقة منعزلة( منفردة) دون أن يجمعهم و بعد ذلك يتخذ القرار لوحده ، رابعا المسير يناقش المشكلة مع مجموعة من المتعاونين المعنيين بالمشكلة و يطلب منهم اقتراحاتهم أولا  و بعد ذلك يتخذ القرار لوحده. و خامسا و أخيرا المسير يناقش المشكلة مع مجموعة من المتعاونين المعنيين بالمشكلة، يطرح معهم البدائل و الحلول و يحاول الجميع ايجاد الحل (بطريقة جماعية لذلك المشكل). و يفضل فروم هذا النمط الأخير لنجاعته و فعاليته في القيادة . و هذا ما يفرق في النهاية بين القائد leader و المسير le Gestionnaire

خاتمة :

اتخاذ القرار عملية مدروسة وفق خطوات منهجية تأخذ بالعلم و النظريات المتعددة في هذا الشأن بين السيكولوجية ، السوسيولوجية و الرياضية … و فن القيادة يشير إلى ارتباط القائد بفريق التنظيم و بأهداف الأفراد و الجماعات و المؤسسة معا في نموذج تشاركي يورط كل الفاعين في مشروع و استراتيجية التنظيم بالمرافقة و تحرير المبادرات و التشجيع على الابداع أو الابتكار و تجنب كل أشكال الاقصاء و التهميش . و أهم مفاتيح النجاح في القيادة مرتبطة بالعوامل البسيكولوجية   للقائد ، سلوكه مع جماعات التنظيم و ايضا بالفرص التي يتيحها المحيط الخارجي للمضي قدما نحو النجاعة و الفعالية .

الأستاذ فؤاد منصوري – جامعة عنابة

[email protected]

للمقال مراجع .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى