page contents
أقلام الوطن

شيطنة المرأة في الإعلام الجديد.. بين عنف رمزي وعنف جسدي

بقلم د : حسينة بوشيخ

في الغرب كما في الشّرق، استفاق العالم من صدمة الحجر المنزلي إثر الانتشار المفاجئ لفيروس كورونا، على صدمة ازدياد العنف المنزلي والعنف ضد النّساء خاصة، فقد طالعتنا وكالات الأنباء العالمية بتقارير عن زيادة عدد النّساء المعنّفات في الدول الأوروبية والأمر ذاته في الدول العربية، غير أنّ الحجر المنزلي لم يكن إلا سببا في إزاحة الستار عن صورة قاتمة أو على الأقل مضطربة ومشوّشة مازالت تشوب العلاقة بين الرجل والمرأة وبين المرأة والمجتمع .
الشيطانة التي تسكن المِخيال !
لا يمكن أن ننكر اليوم، حجم الحقوق التي نالتها النّساء في كل دول العالم، غير أنّ هذه الحقوق دستورا أو قانونا، مازالت غير قادرة على حمايتها من عنف رمزي أو عنف ذهني يسكن الضمير الجمعي والمِخيَال الشعبي، الذي مازال يعتبرها مصدر الشرور أو سببا في شيطنة المجتمع، لأنّها وحدها التي تُفسد قيّمه وأخلاقه المجتمعيّة والدينيّة، كونها لا تحترم شروط اللّباس الديني أو تلك الشروط المتفّق عليها طبقا للأعراف والتقاليد كي تعيش وتمارس حياتها اليوميّة، إنّه تصور أو نظرة تعيدنا إلى العصور الغابرة حينما اختلف حتى الفلاسفة والمفكّرون حول طبيعة المرأة وما إذا كانت إنسانا مثل الرجل أم تمتلك طبيعة شيطانية !
للأسف، يعود اليوم خطاب شيطنة المرأة وتحميلها مسؤولية ما يحصل معها من سوء، عبر مواقع التواصل الاجتماعي كلّما وقعت جريمة قتل أو اغتصاب راحت ضحيّتها امرأة، بل إنّ الفضاء الرقمي يتحوّل عندنا إلى فضاء يزدهر فيه الخطاب المعادي للمرأة والممجّد للمخيال الذكوري، على حد ما ذهبت إليه نتائج إحدى الدراسات العربية عن “تمثلات المرأة في صفحات الفايس بوك”، وبدل أن تلقى الضحيّة التعاطف اتّساقا مع الطبيعة البشرية، فإنّ هنالك من يبرّر وقوع الجريمة ويلتمس الأعذار للجاني تحت ذريعة السلوك الشائن للنّساء، في خطاب فج وصادم للقيّم الإنسانيّة التي يُفترض أنّ البشرية قد بلغت أرقاها اليوم، و أنّ الحساب والجزاء من جنس العمل و لا فرق بين أنثى أو ذكر عندما يتعلّق الأمر بانتهاك الحياة والحقوق. غير أنّ واقع الحال يكشف عن تدنﹴ وقصور في الرؤية والتّفكير إذا تعلّق الأمر بالمرأة، والصادم أكثر أنّ ذلك العنف اللّفظي والرمزي على شبكات التواصل الاجتماعي صادر عن فئات شابة، يُفترض أنّها متعلّمة تقرأ وتكتب، وتستخدم التكنولوجيا، وعاصرت الانفتاح والتّحرر ونيل النساء لحقوقهن وخروجهن للتّعلم والعمل إلى جانب الرجال، وأنّ النّساء اللواتي يملأن الفضاء العام، هن أخوات وأمّهات وجدّات وزوجات وخالات وعمّات وجارات وصديقات وحبيبات ولسن كائنات غريبة عن هؤلاء.
لقد أحدثت التّعليقات والمنشورات السامة عبر مواقع التواصل الاجتماعي إثر اغتصاب وقتل وحرق شابة لم تتجاوز التاسعة عشر من عمرها على يد مغتصب سابق وسط الجزائر، رجّة في المجتمع وكتلة من التساؤلات المحيّرة، عن سبب انتشار كل ذلك الكم من الأفكار المرضيّة و التّصورات الخاطئة والنّظرة الدونيّة للنساء، وفق تفسير يعتقد أصحابه أنّ منطلقه ديني بالدرجة الأولى، وأنّه يرتبط بتقصير النّساء وعدم التزامهن على الأقل كما يظهر شكلا، من ناحية ربط جرائم الاغتصاب والاعتداء عليهن في الطريق العام بالنّظر إلى عدم تحجبهن أو لبسهن لباسا كاشفا قليلا أو كثيرا أو ضيقا، وهو تفسيرٌ يرفضه كثير من الرجال  أيضا، لكونه يحط من قيمتهم ومرتبتهم الإنسانيّة، باعتبار الرجل كائنا عاقلا يقدّم عقله على عواطفه وغرائزه، بغض النّظر عن الخوض في جدالات اللباس والحلال والحرام، لأنّ المغتصب لا يثنيه خمارٌ على الشعر عن فعلته.
الدين بريء من خيالات الشيطنة
ومع أنّ المرأة أثبتت جدارتها في كل مجالات الحياة دون استثناء، وأنّ النساء اليوم بإمكانهن تبوأ أي منصب، إلا أنّ النظرة القاصرة واعتبار سلوكها وحده محل شبهة، مازالت تسكن الكثير من العقول وهي التي تتسبّب في هذا الأذى الجسدي والنّفسي للنساء. فكم التّنمر والازدراء الذي يطال ضحية قُتلت أو اغتُصبت، يؤثّر على كل النساء اللواتي يقرأن كل ذلك الكم من الأفكار السامة والتّصورات المحبطة إزاء النساء في القرن الواحد والعشرين.
لكن من أين تأتي كل هذه السموم وهذا الكم من الخلط بين التّصورات والذهنيّات الباليّة والأحكام الدينيّة البريئة منها؟ فحكم الشريعة الإسلامية إزاء القاتل، أو المغتصب أو الزاني واضح، و قتل النفس التي حرّم الله بغير حق من أشنع الجرائم في الإسلام و الله يغفر الذنوب جميعها ما عدا الشرك به. ” إنّ الله لا يغفِرُ أن يُشرك به ويغفِرُ ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يُشرِك باللّه فقد افترى إثما عظيما “.
إنه بحق الفهم القاصر لأحكام الشريعة، وتسلط التقاليد المختزنة في المخيال الشعبي إزاء المرأة على واقع اليوم، بفعل التّنشئة الاجتماعية التي لا تحارب تلك التّصورات، بل ترسّخها عبر العائلة والمحيط، تلك التنشئة التي تُخضع سلوك المرأة للمراقبة والمحاسبة والمساءلة لكنها لا تهتم كثيرا لسلوك الرجل، وإن اقترفا جريمة مشتركة ” كالزنى” فإنها تحمّل مسؤوليتها للمرأة فقط، مع أنّه إن كان الأمر في صالحها يُقال عنها ضعيفة وليست ندا للذكر ! وهي ازدواجية فيها انفصام، فهي ضعيفة حين يريد المجتمع وقوية أيضا حين يريد كي يحمّلها الذنب والوِزر لوحدها.. وهي أيضا المنظومة التي تعتبر فساد النّساء أقوى من كل الفساد المحيط بنا، من سرقات واختلاسات للمال العام، ورشوة وظلم وانتشار للمخدرات و لتجارة الخمور وللدعارة التي يشرف عليها رجال ” قوادون”.
لقد احتل موضوع العنف ضد المرأة في العقود الأخيرة مساحة كبيرة من النّقاش سواء في البحوث والدراسات الأكاديميّة، أو في فعاليات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، وكلما حلّت ذكرى اليوم العالمي للمرأة ازدادت مساحة النقاش، غير أنّها سرعان ما تختفي أو تتقلّص وسط زحام الحياة، بدل أن يُنظر إليها كمعضلة تصاحب حياتنا اليومية وتتطلّب منّا الاهتمام والمعالجة خلال تفاصيل يوميّاتنا، لأنّ الأمر لا يتعلّق بقرار نتخذه أو قانون نشرّعه ونفرضه بكبسة زر على المجتمع، إنه يتعلّق بمسار طويل ومستمر من التّعليم والتربيّة والتّنشئة السليمة وتصحيح التصورات والمفاهيم الخاطئة الملصقة بالدين عن علاقة الرجل بالمرأة وعن دورها ومكانتها في المجتمع، ووقف النّظر إليها كمثير جنسي يهدّد اتزانه.
التنشئة السليمة لمحاربة العنف
وبعيدا عن تصور المساواة حسب المفهوم الغربي -الذي ينبري من يعتبرون أنفسهم حماة الدين الإسلامي لاتخاذه شماعة لإعاقة أي خطاب عن حقوق المرأة في مجتمعاتنا العربية المسلمة-، فإنّ عصر المواطنة يكفل للجنسين حقوقا و واجبات متساوية أمام القانون ولا يمكن العودة بالزمن إلى الوراء لنسجّل انتكاسة بعد أن قطعنا شوطا كبيرا في افتكاك هذه الحقوق، لاسيّما الحقوق التي لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية.
وهنا يحظرني مثالﹲ ساقته عالمة الاجتماع المصرية علياء شكري، حينما ألقت مداخلة نيابة عن زوجها عالم الاجتماع والفولكلور محمد الجوهري على هامش مؤتمر “المرأة في الثقافة الشعبية” الذي احتضنته القاهرة ربيع 2020، و اختصرت فيه نقلة المرأة في مجتمعها المصري و العربي عموما في قصة ثلاثة أجيال من النساء في عائلتها، منذ الجيل الذي لم يكن يرى ما خلف عتبة البيت ويستحيل أن تخرج فيه المرأة دون رجل عند بداية القرن، حتى الجيل الذي دخلت فيه هي الجامعة وسافرت خارج حدود البلد بعد منتصفه.. لقد كان ذلك المثل تجسيدا حيا لمسيرة صارعت فيها المرأة قرونا من القيود كي تتجاوز ثلاثية بيت والديها ثم بيت الزوجية وباب المقبرة.
لقد اختصر ذلك المثل، التطور الكبير الذي شهده وضع المرأة خلال قرن واحد من الزمن، فقد ابتدأ والنساء في العالم العربي بالكاد يستطعن قول كلمة داخل أسرهن، لكنه انتهى وهن يقلن كلمتهن أمام العالم ويتبوّأن كل المناصب ويشاركن في الحياة بكل تفاصيلها، لقد كان قرنا للتّحرر واقعيا، غير أنّ تكريس المفاهيم الخاطئة في التربية يُبقي النّضال مستمرا لمحاربة العنف الرمزي في العقول والأذى النفسي الذي يُترجم أيضا أذى جسدي.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق