page contents
أقلام الوطن

علي يحي عبد النور ومصالي الحاج.. الإقصاء المتبادل

بقلم الدكتور مصطفى كيحل

يوما بعد يوم يتضح أن الهدف الاستراتيجي بالنسبة لطيف كبير من التيار البربري الفرانكفوني اليساري ليس الاعتراف باللغة الأمازيغية و تدريسها و لا العمل على ترقية الثقافة الأمازيغية و نشرها في الفضاء العام و مؤسسات الدولة فقط، و إنما هو إعادة كتابة التاريخ  الثقافي و السياسي  للجزائر و إعادة تصنيفها حضاريا من جديد .

و لتوضيح ذلك نقف عند أطروحة السياسي و الحقوقي “علي يحي عبد النور”(1921-2021) في كتابه ” الأزمة البربرية لسنة 1949 ، بورتري مناضلين والي بناي و عمر ولد حمودة ، أي هوية للجزائر؟ ” و في المقال الذي نشره على حلقات في جريدة الخبر بعنوان ” الربيع الجزائري ” خاصة في جزءه الثالث بتاريخ 15 افريل 2015 ، حيث لم يتردد في اتهام  “مصالي الحاج” بتزوير التاريخ و خلق أزمة مناهضة للبربرية ، لأنه حرم الجزائريين من جزائريتهم ، و ذلك بسبب المذكرة التي رفعها للأمم المتحدة و التي جاء فيها أن الجزائر عربية إسلامية ، ففي ذلك حسب رأيه عدم اعتراف من “مصالي الحاج ” بتاريخ الجزائر  قبل ما يسميه ” علي يحي عبد النور ” ب” الاحتلال العربي ” ، و ” مصالي الحاج”  هو من كرس السياسة المناهضة للبربرية من خلال عدم اعترافه باللغة و الثقافة البربرية و انتصاره للعربية و الإسلام و إقصاءه للعناصر الحزبية  التي كانت تعارض توجهه القومي العروبي و من بينهم ” علي يحي عبد النور ” الذي عمل على تأسيس حركة شعبية بربرية في المهجر ، بتشجيع من بناي واعلي و عمر ولد حمودة.

كما يشير “علي يحي عبد النور” إلى إهمال ما يسميه ” الماضي المناهض للإسلام و يقصد بذلك الماضي الامازيغي المتمثل في المرحلة النوميدية و رموزها التاريخية من مثل ماسينيسا و يوغورطة و تاكفريناس  ، و لا يتردد  في التلاعب بالتاريخ عندما يريد أن يجعل من مرحلة تاريخية معينة  و هي المرحلة النوميدية أكثر تمثيلا لتاريخ الجزائر على حساب مراحل أخرى ، فمما لا شك فيه كما يقول أحد المهتمين بمسألة الهوية في الفكر الجزائري ” أن ثمة اتجاها في النزعة البربرية لا يتردد في الإعلاء من هذا الماضي ، لا لشيء إلا لأنه ماض مناهض للإسلام ، مع أنه لم يكن بربريا خالصا ، و إنما ماض من الغزو و الاحتلال و المصادرة ، و بخاصة مصادرة الهوية الجزائرية ، ففي الوقت الذي يراد فيه الرفع من مراحل تاريخية معينة و تمجيدها و جعلها رمزا لشرف و بطولة الجزائري ، يراد في نفس الوقت الحط من مراحل تاريخية معينة بالرغم من أهميتها الحضارية و العلمية و الثقافية ، و عليه يمكن القول و التساؤل عن أي  ماض نتحدث ؟ و هل من حق بعض الجزائريين النظر إلى الماضي العربي الإسلامي على أنه احتلالا و غزوا ؟ في الوقت الذي يعتز فيه الكثير من الجزائريين بعروبتهم و إسلامهم ، و إلى أي مدى تصدق أطروحة ” علي يحي عبد النور ” عندما يكتب قائلا : أن العودة إلى التاريخ و الذاكرة الجماعية التي تقاوم و ترفض ضياع الهوية ، هما منبعا أصالة الشعب الجزائري الذي يطالب بحقه في الاحتفاظ بثقافته و لغته ، أي لا يندمج في الثقافة العربية الإسلامية . إن الجزائر لا تتماهى مع أي من غزاتها “. و واضح كل الوضوح أن الهوية الامازيغية من هذا المنظور لا يمكن التأسيس لها دون إقصاء الثقافة العربية و الإسلامية لأنها ثقافة الغازي العربي ، و لذلك نجد النخب الأمازيغية الفرانكفونية تعادي كل ما هو عربي و إسلامي أكثر من معاداتها لعناصر ثقافية أخرى وفدت مع مستعمرين آخرين من مثل اللغة و الثقافة الفرنسية ، و تجد في نفسها ميلا للافتخار بكل العناصر الرومانية و باقي الثقافات المتوسطية التي مرت على الجزائر و استعداء محكما ضد كل ما هو عربي و إسلامي و لعل من مظاهر ذلك مثلا الإصرار على كتابة اللغة الامازيغية بالحروف اللاتينية ، و الميل للثقافة العلمانية و مقاومة سياسة التعريب ..الخ.

و الثقافة البربرية عند “علي يحي عبد النور” هي طريقة خاصة في الوجود و في الكلام و في الإبداع و في الحياة ، و عليه فلا مجال لتأكيد هوية الجزائريين خارج الهوية الأمازيغية ، و عليه فان المطالبة بتعميم اللغة الأمازيغية و جعلها إجبارية غرضه كما يقول دائما ” هو وقف حركة التعريب أو على الأقل جعل التعريب و التمزيغ على درجة واحدة ، فالحقيقة الواحدة في الجزائر هي الحقيقة البربرية و لا توجد حقيقة غيرها ، و المطلوب هو تحرير التاريخ و ذلك من خلال تصفيته من كل ما ابتدعه الغزاة و في مقدمتهم الغزاة العرب ، و لذلك فالمطلوب كما يقول في مقاله ” الربيع الجزائري ” هو أن نسمي هذا البلد باسمه أي الجزائر دون إعراب و صرف أو تعديل ، حيث يبقى كل جزائريين فخورين بأن يكونوا كذلك .إن العودة إلى الوراء أو العودة بعقارب الزمن إلى الماضي ، سيحملنا إلى جوهر التاريخ ، و بالتالي إلى جذور و أصل الشعب الجزائري الذين هم من الامازيغ ” فالجزائر حسبه متواجدة منذ مئات السنين و لم تحدد هويتها بناء لأي غازي ، طبعا بما في ذلك الغازي العربي الإسلامي ، كما يشير في نفس المقال إلى أن اللغة الامازيغية هي لغة الأم عكس اللغة العربية التي هي اللغة الرسمية و لكنها ليست اللغة الأم ، و عليه من الأسلم ألا تتطور اللغة العربية و ألا تنمو على حساب اللغة الامازيغية و لكن معا و بجنبها و ليس دونها أو ضدها ، و النموذج الثقافي و اللغوي الذي تتبناه السلطة يعني في الواقع استعمارا ثقافيا ، لأن السلطة حسبه تقوم بتقديس الهوية العربية الإسلامية و بإقصاء الامازيغية و القضاء تدريجيا عليها لتمتصها العروبة .

و ما يعاب على هذا التصور هو تعاطيه مع التاريخ بانتقائية مفضوحة ، خاصة عندما يسقط في ما يمكن أن نسميه بميتافيزيقا الجذور و خرافة الجينيالوجيا ، فالجزائر منذ أربعة عشرة قرنا تأسلمت و تعربت ، و أثار ذلك واضحة في لغة و ثقافة و دين أغلب الجزائريين ، و كانت الهوية العربية الإسلامية هي الأساس في مقاومة الاحتلال الفرنسي و علامات ذلك واضحة في أدبيات الحركة الوطنية و بيان أول نوفمبر ، فالاستقلال الوطني هو ثمرة تلك الهوية في تمايزها عن هوية المستعمر الفرنسي ، و اليوم لا يختلف اثنان أن دين أغلب الجزائريين هو الإسلام و أن الكثير من الجزائريين فخورين بعروبتهم ، كما أنه ليس من الديمقراطية محاولة فرض هوية على الجزائريين بحجة أنها الهوية الأقدم في التاريخ على حساب الهوية التي ارتضاها أغلب الجزائريين لأنفسهم في الحاضر  ، و أكثر من هذا لماذا العمل على وضع الهوية الامازيغية على النقيض من الهوية العربية الإسلامية ، و هما الهويتان اللتان اندمجتا عبر التاريخ ، و لم تكن الهوية الامازيغية تنظر إلى العربية و الإسلام على إنهما غزوا و احتلالا .

فليس من الموضوعية كما يقول أحد الباحثين أن تلجأ نخبة سياسية و إيديولوجية معينة لفرض هوية معينة على المجتمع ، و مأساة الجزائر اليوم تتمثل في نزوع بعض نخبها إلى فرض هويات خاصة و مبرمجة على المجتمع من دون تقدير و احترام لواقع المجتمع الذي يتميز بالتنوع و الاختلاف ، كما أن الماضي لا يشكل كل جوهر الهوية ، فالهوية كما يقول ادوارد سعيد : هي ثمرة إرادة ، و ليست شيئا تعطيه الطبيعة و التاريخ “.

و هكذا نلاحظ أن أطروحة الجزائر الجزائرية غرضها نسف أطروحة الجزائر العربية الإسلامية و ذلك من خلال توظيف إيديولوجي للتاريخ ، حيث يقول علي يحي عبد النور في كتابه السالف الذكر : ” يتعلق الأمر باستخدام التاريخ بوصفه سلاحا من أجل المعركة . إن الشعب الجزائري قد أحال دائما إلى استمرارية ماضيه من أجل أن يرفض كل اندماج أو استيعاب ، و من أجل أن يحتفظ بهويته الجزائرية الخالصة ” و عليه فان هوية الجزائر هي جزائرية و فقط ، بمعنى أنها بربرية و فقط و باقي الأعراق الأخرى خاصة العرق العربي هو عرق غازي و غير جزائري و لا يمكنه أن يكون جزائريا حتى و إن عاش على هذه الأرض لقرون طويلة .

إن جدل السلب في خطاب الهوية بين أطروحة الجزائر الجزائرية و أطروحة الجزائر العربية الإسلامية ، يظهر في توصيف الهوية البربرية بكونها مناهضة للعربية و الإسلام في الجزائر بحجة الاصلانية و بقراءة انتقائية للتاريخ تنطلق من المرحلة النوميدية و ترى فيها المرحلة التأسيسية الأولى للجزائر ،  و باقي المراحل الأخرى عبارة عن غزو و استعمار و ترفض كل أشكال التثاقف و الانصهار التي حدثت بين الألسن و اللغات و التصورات و الأفكار و الثقافات ،  و بهذا التصور فان أطروحة الجزائر الجزائرية لا تعير أدنى اهتمام لمفردات الواقع التاريخي للجزائر ، لان الملمح الغالب اليوم في الجزائر و منذ قرون هو الملمح العربي الإسلامي أو على الأقل هو الملمح الذي لا يمكن القفز عليه أو تجاهله ، أما أطروحة الجزائر العربية الإسلامية فهي بدورها توقف تاريخ الجزائر على دخول العرب الفاتحين إلى الجزائر و ترفض كل تراكم حضاري و ثقافي للجزائر قبل تلك اللحظة التاريخية ، و في الوقت الذي تفخر فيه مثلا بالإسلام العثماني أو الإسلام الفارسي فهي لا تقبل بالإسلام البربري . و تنظر إلى كل العناصر الثقافية السابقة على الفتح العربي بأنها جاهلية و وثنية .

و لا يمكن الخروج من هذا التمزق الذي تعيشه الهوية في الخطاب الفكري و الثقافي و السياسي الجزائري من دون مصالحة بين الأطروحتين ، و القبول بأن الهوية الجزائرية هي هوية غنية و متعددة العناصر و الأبعاد ، و الابتعاد عن منطق أن كل ترقية لعناصر معينة هو بالضرورة نسف لعناصر أخرى ،كما أن التصور الجوهراني للهوية هو تصور غير تاريخي لأن الهوية هي موضوع صيرورة ، و هي موضوع ينتمي إلى المستقبل بنفس القدر الذي ينتمي فيه إلى الماضي ، صحيح كما يقول عبد الغني عماد في كتابه ” سوسيولوجيا الهوية ” ” أن الهويات تنبثق من أماكن لها تاريخ ، لكنها مثل أي شيء تاريخي ، عرضة للتحول الدائم ولا يمكنها أن تكون محبوسة و ثابتة على نحو ابدي في بعض الماضي الماهوي ، و الفاعلون بوصفهم حاملي الهوية هم صانعوها بالوقت نفسه .. فالهويات هي تعريفات نطلقها على طرق حياة و ممارسات و وضعيات و مرجعيات مختلفة ، لذلك تشهد تحولات جديدة و دائمة يجد الأفراد أنفسهم فيها ، و هو ما يضطرهم إلى التكيف معها  ، و ذلك وفق جدليات الوعي و التفكك و إعادة البناء و الإنتاج . و للخروج من جدل السلب بين عناصر الهوية و الدخول في جدل التركيب و الجمع نقول   أن العربية لغتنا ، و الامازيغية لساننا ، و الإسلام ديننا و الجزائر تسع الجميع عربي و أمازيغي ، فقدر عناصر هويتنا أن تتكامل ، أما إذكاء الصراع و التجريم و التخوين بين عناصرها فلا يخدم أي طرف ، بل قد يقود إلى حرب الهويات التي  نعرف كيف تبدأ و لكن لا أحد بيننا يعرف كيف تنتهي .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى