page contents
أقلام الوطن

عمي الطاهر

بقلم: السعيد بوطاجين

ذكرتني فكرة إنشاء مؤسسة أبوليوس لجائزة الطاهر وطار (1936 ــ 2010) بحكايات عشتها معه، كأمين عام للجاحظية ورئيس تحرير مجلة القصة، ومدير تحرير مجلة التبيين، المجلتان اللتان مولتهما الشاعرة الكويتية الدكتورة سعاد الصباح (1943)، إضافة إلى مجلة الشعر، وذلك مقابل بطاقة انخراط شرفية في الجاحظية التي ضمت نخبة من الأسماء الأدبية والثقافية التي راحت تنسحب تدريجيا لأسباب مختلفة.

تقع الجمعية في حيّ شعبي مقابل مسجد الرحمة الذي كان كنيسة، وكان شارع رضا حوحو مخيفا. لم تتوقف النشاطات، وظللنا حذرين في الوقت الذي هاجر فيه آخرون إلى الخارج بحثا عن الأمن. لقد كان شعار: “من دخل الجاحظية فهو آمن” نافعا، قبل أن يتحول إلى إدانة. اتهم وطاربالتنسيق مع الاسلاميين، خاصة في علاقته بالشاعر مصطفى محمد الغماري، وبالقيادي عبد القادر حشاني (1956 ــ 1999) الذي أصبح رئيس المكتب التنفيذي الوطني للجبهة بعد اعتقال عباسي مدني وعلي بلحاج إثر إضراب 1991، قبل أن تتم تصفيته.  كما كان  تأسيس إذاعة القرآن الكريم ( 12 جويلية 1991)  حجة اتكأ عليها هؤلاء لاتخاذ مواقف مناوئة من وطار الذي اعتبر من الإسلاميين، مع أنه كان صديق المخرج الهاشمي شريف (1939 ـــ 2005) الأمين العام لحزب الطليعة الاشتراكية، وكثير من الشيوعيين. أمّا نحن فعشنا قلقين بعد اغتيال إمام بالمجلس الوطني، وبعد تصفية الأستاذ الشاعر يوسف سبتي ( 1943 ــ 1993) الذي كان أمينا عاما للجمعية.

هاتفني وطار مرة قائلا: يجب أن نلتقي. في اليوم الموالي وجدته أزرق. لم يحدث أن عرفت معاناته مثلما عرفتها في تلك الصبيحة. كنت أعتبره إلها إغريقيا لا يزعزعه الظرف. حدثني بمرارة عن واقع الجزائر، عن الانتخابات التشريعية والديموقراطيين الوهميين والأصدقاء الذين تخلوا عنه، سواء كانوا علمانيين أو شيوعيين أو وطنيين، مفرنسين أو معربين، وذكر لي أسماء مكرسة. لقد نبذ بداية من الشمعة والدهاليز ( 1995) ، مرورا بالولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي (1999)، وصولا إلى الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء (2005). كان مستاء من المثقفين الذين”وقفوا ضد خيارات الأمة”. أذكر أنه قال لي:”عمك الطاهر شاوي، لكنه ديموقراطي”. نشرت هذا الموقف في جريدة النصرلاحقا، وتركت الباقي.

أدهشني تصريحه حول اغتيال الروائي الطاهر جعوط (1954 ــ 1993). لقد قال: “خسارة لأطفاله، خسارة لعائلته، وخسارة لفرنسا بكل تأكيد”. سمعت وقرأت عدة تأويلات لهذا الموقف الصادم، ومن ذلك ما كتبه تريستانلو بريلييه في مؤلفه: “الجزائر، الكتاب في العشرية السوداء” (2018). في الكتاب تحامل على وطار كمعرب، وانحياز للفرنكوفيليين. لقد كتب: إنه كان ذا ميول واضحة إلى الجماعات المتطرفة التي تصالح معها، لذلك كان الإسلاميون ينظرون إليه كشيوعي معتدل. لقد وقف معهم ضد النظام، وضد الديموقراطيين لينجوّ من الاغتيال.

الطرح نفسه سيتواتر في أوساط بعض النخب الجزائرية، لتستغله عدة جهات، ومنها أطراف فرنسية كانت لها مقاصد من وراء التهجم عليه نصرة للموالين لها، سياسيا وثقافيا. قال لي وطار موضحا: الطاهر جعوط صديق حميم وأحد مؤسسي الجاحظية من الذين أعتز بهم. لقد أدليت بذلك التصريح في حالة نفسية متدهورة، أنت تعرف مواقفي، المشكلة مع الفرنكوفيليين الذين استولوا على مفاصل الدولة، بما في ذلك وزارة الثقافة التي غدت خاصة بهم.

كان حديثه منصبا على نماذج، وعلى الحصار الذي عرفه بسبب موقفه من إيقاف المسار الانتخابي. لقد حاولت إضاءة موقفه في “آخر الكلام”، الفيلم الوثائقي الذي أنجزه المخرج محمد الزاوي حول الكاتب،  لكنه حذف جزء من التوضيح بسبب السياق. قال القديس أوغسطينوس: “إن الله يتألم حتى من موت أرنب”، ولا يمكن أن نتصور أنّ وطار كان مرتاحا لتصفية أحد الكتّاب المقربين منه. لقد استفادت عدة جهات من التصريح، وكانت تلك الكلمات كافية لجعله إرهابيا، بدليل أنّ الصحافة المفرنسة اعتبرت وفاته لا حدث.

كانت العشرية الحمراء في أوجها عندما اقترحت عليه ندوة في المقهى الثقافي للعناصربالبرج. طلب مني السيد سعيد عياشي إقناعه بقبول الدعوة، وتمّ الاتصال بي لتوفير وسيلة لنقلنا، لكنّ عمي الطاهر رفض. قال لي علينا أن نذهب خلسة حتى لا يقضي علينا قطاع الطرق، أو تنسفنا الجماعات المسلحة، أو جهة ما، ثمّ يعلقون كلّ شيء على مشجب الإرهاب، السياق غامض. تذكرت حينها لقائي به في شارع العربي بن مهيدي في نهاية السبعينيات. قلت له بعد صدور الزلزال: لماذا لم تتخلص من البطل عبد المجيد بولرواح؟ فردّ علي: “أفق الجزائر غائم، ولا يمكن أن أكذب على التاريخ”. كانت نبوءته صادقة، وعادت الرأسمالية المتوحشة بقوة.

في الطريق  إلى البرج حدثني عن مذكراته. كنا في ضواحي الأخضرية، قريبا من جبل الزبربر حيث تقيم الجماعة الإسلامية المسلحة. قال لي ساخرا: حسنا فعل الإسلاميون إذ أقاموا هناك لأنّ الدولة لا تهتم بالسياحة الجبلية، ثمّ عاد لاستكمال الحديث. ذكر تفاصيل عن شخصيات متورطة. كان ذلك مثيرا بالنظر إلى قدرته على سرد التفاصيل بمهارة، وإذ سألني عن رأيي أجبته: السياق غير ملائم، سيقضون عليك، وعندما نشرت المذكرات أهداني نسخة بتوقيعه. وجدت شيئا لا علاقة له بما قصه عليّ، وتساءلت: هل كان هناك جزء ثانٍ؟ وما زلت أتساءل لأنّ ما حكاه لي كان صادما.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى