page contents
أقلام الوطن

عنصرية وعنصريون

استوقفني تعريف السوسيولوجي البورتوريكي و الأستاذ في جامعة ” بركلي ”  الأمريكية ” رامون غروسفوغل ” لمفهوم العنصرية و هو من الباحثين الكبار في فلسفة التحرير و الذي جاء فيه  ” العنصرية هي  التسلسل الهرمي المعولم من التفوق و الدونية على خط ترسيم الانسان الذي تم إنتاجه و أعيد إنتاجه سياسيا و ثقافيا و اقتصاديا على مدى قرون من لدن مؤسسات ” التمركز الغربي الأبوي الرأسمالي – التمركز المسيحي الحداثي الاستعماري .

و يتم تصنيف شعوب فوق خط الانسان على أساس إنسانيتهم كبشر ، و بالتالي يتمتعون بالحصول على الحقوق ( حقوق الانسان ، و الحقوق المدنية ، و حقوق المرأة و حقوق العمال ، و الموارد المادية . أما الشعب الموجود تحت خط الانسان ، فيعد دون البشر أو ليس بشر ، و هذا يعني أن إنسانيتهم توجد موضع شك و على هذا النحو تم إبطالها و في الحالة الأخيرة ، يتم رفض توسيع الحقوق و الموارد المادية لتلك الشعوب و كذا الاعتراف بخصوصيتها و هويتها و نظمها المعرفية و روحانياتها “.

يكشف هذا التعريف مبدئيا عن ثلاث ملاحظات كبرى : الملاحظة الأولى تتعلق بالنظرة المانوية للعالم التي تحكم العقل الغربي ، و نقصد بالمانوية هنا النظام الفكري الثنائي الذي يرسم العالم على أنه مقسم إلى شطرين أو عالمين عالم الخير و عالم الشر ، عالم المتفوقين و عالم الدونيين  ، و كما هو معلوم فإن هذه النظرة الثنائية تعود إلى دين ” ماني  “الذي كان يرى أن خالقي العالم ، الرب و الشيطان ، لا يزالان في حالة قتال و صراع ، فالعنصرية هي إيديولوجية مانوية ما دامت تصنف الشعوب إلى شعوب فوق خط الانسان و شعوب تحت خط الانسان  .

و الملاحظة الثانية أن نزعة الإنسانية  التي تشكل دعامة أساسية لفكر الحداثة هي نزعة  ضيقة و منحازة  و لا تشمل الانسان ككل ،  و إنما تشمل صنف معين من الجنس البشري و هو الجنس البشري الغربي الأوروبي و الأمريكي ، بمعنى أنها أنسنة متمركزة حول الجنس الأوروبي و لا يتسع صدرها إلى أجناس أخرى .

و الملاحظة الثالثة هي أن العنصرية هي نتاج المؤسسة و التمركز الغربي سواء في مرحلة الكولونيالية أو في  مرحلة ما بعد الكولونيالية ، فتصنيف الشعوب إلى شعوب متحضرة و أخرى متخلفة و تقسيم الدول إلى دول خيرة و دول مارقة و شريرة ، و تقسيم الثقافات إلى ثقافات تنويرية و عقلانية برهانية  و ثقافات ظلامية و خطابية مجازية  هو من صميم المؤسسة الغربية و هو أيضا نتاج للفكر الغربي الذي ينظر إلى أوروبا بأنها مركز العالم و حامل النور إلى أطراف العالم المختلفة ، مما يوحي بان الكولونيالية و الحداثة هما وجهان لعملة واحدة ، فإذا كان الاستعمار كما يرى ” رامون غروسفوغل ” هو اغتصاب لسيادة دولة من قبل دولة أخرى ، ثم إحكام السيطرة السياسية و العسكرية على أرضها و شعبها عن طريق حضور إداري استعماري يستند إلى القوة ، فإن الكولونيالية هي تبرير تلك السيطرة و الاستغلال عبر خطاب تسويغي عرقي يرفع من شأن المستعمر –بفتح العين – و يضعه فوق خط البشر ، و ينزل و يقلل من شأن المستعمر – بكسر العين – و يضعه تحت خط البشر .

و لقد اشتقت كلمة العنصرية من ” عنصر ” أو ” عرق ” الذي يشير إلى مجموع الخصائص البيولوجية و النفسية التي تربط بين الأصول و الفروع في إطار نفس السلالة ، و قد استعمل هذا المعنى في إطار تربية المواشي ليسحب بعد ذلك على الجنس البشري ، أما عن العنصرية كمذهب و إيديولوجية فترتبط في العصر الحديث بما قام به الأسبان الذين غزوا أمريكا في القرن السادس عشر ، و الذين تعاملوا مع السكان الأصليين بمنطق الفوقية وأن واجب نشر رسالة التمدين يشرعن لهم كل الممارسات اللاإنسانية و العنيفة التي اقترفوها ضد السكان الأصليين ، و لعل من أبرز المنظرين لمذهب العنصرية الأديب و الدبلوماسي الفرنسي ” جوزيف آرثر دو غوبينو” (1816-1882) فهو أول من أعطى العنصرية صورتها المنظمة كبناء فكري ،  خاصة في كتابه ” دراسة حول اللامساواة بين الأعراق البشرية ” و فيه انتصر لأطروحة مفادها أن انحطاط الحضارات و تراجعها لا يمكن تفسيره بنظرية الإرادة الإلهية و لا بنظرية التفكك الأخلاقي و لا حتى بالأسباب الطبيعية و المناخية ، و إنما يجد تفسيره الصحيح في اختلاط الأجناس ، ففي البدء كانت الأجناس و الأعراق مستقلة عن بعضها و محافظة على طبيعتها و خصائصها و مواهبها و قدراتها ، و  الاختلاط الذي حصل بينها بسبب الحروب و الهجرات و التزاوج أدى إلى غلبة الأعراق الضعيفة على الأعراق القوية ، و عوض أن تتحسن البشرية باستمرار تجد نفسها تزداد انحطاطا ، و يسرد ” دو غوبينو  “قصة خيالية حول بداية الجنس البشري مضمونها أن الآريين الذين هم أرقى الأجناس ذابوا خلال تنقلهم وسط الأمواج المختلطة و غير النقية للأجناس الصفراء و السوداء ، عندما انطلقوا من آسيا الوسطى في رحلتهم نحو أوروبا . و قسم ” غوبينو ” الأجناس إلى ثلاثة ، الأصفر و يتسم بالمادية و افتقاد القدرات الإبداعية ، و الأسود الذي يفتقد الذكاء ، و الأبيض الذي يتسم بالنبل و الشرف و الروحانية و حب الحرية و أفضل أجناسه الجنس الآري .

و توالت النظريات المدافعة عن التفاوت الكبير بين الأجناس الراقية و الأجناس المتخلفة ، لتكرس نظرية العنصرية سواء باسم  اللون أو العرق أو الدين أو الثقافة أو اللغة ، و إن كانت العلامة المهيمنة في تاريخ العنصرية في معظم أنحاء العالم  هي علامة اللون و الخصائص الفيزيولوجية الخارجية . دون التقليل من بقية العلامات الأخرى من مثل الدين سواء داخل طوائف الدين الواحد أو بين دين و دين آخر.

و من بين المفكرين و الفلاسفة الذين عملوا على تسويغ الاستعمار الأوروبي و تكريس الرؤية الاستعمارية يمكننا أن نذكر الفرنسي ” ألكسيس دي توكفيل “(1805-1859) الذي كان صديقا ل ” غوبينو “و الذي اشتهر بكتابه ” عن الديمقراطية في أمريكا ” و هو الكتاب الذي دافع فيه عن قيم الحرية ضد الظلم و الاستبداد ، و لكن عندما تعلق الأمر باحتلال بلاده للجزائر فإنه لم يتردد في دعم و مساندة السياسات الاستعمارية الفرنسية ، و ذلك من خلال ثلاث وثائق يذكرها المؤرخون و هي : الرسالة الثانية عن الجزائر سنة 1837 ، و عمل عن الجزائر في 1841 ، و تقرير عن الجزائر 1847 ، فالاستعمار لم يقتصر في غزوه للشعوب على القوة المادية فقط بل اعتمد أيضا على قوة الأفكار ، و كانت منطلقات ” الكسيس دي توكفيل ” منطلقات عنصرية تكرس في جوهرها النظرة المانوية للعالم ، ففرنسا هي مثال الحضارة أما العرب و البربر في الجزائر هما مثال البربرية ، و في سبيل بسط فرنسا لسيطرتها على الجزائر برر  “دي توكفيل ” استعمال كل الوسائل العنيفة و غير الأخلاقية من أجل بلوغ ذلك الهدف ،و لذلك نجده يحذر من ترك العرب لأنفسهم ، فإذا تركناهم كما يقول يتشكلون في قوة منتظمة في مؤخرتنا ، فلا مستقبل إطلاقا لمبادرتنا في أفريقيا ، كما يحذر أيضا من ” الأمير عبد القادر ” الذي كان شوكة في حلق الاستعمار فهو عنده ” بطبيعة الحال عقل من أندر أنواع العقول و أخطرها “، و عليه ينبغي عدم تركه يكمل مشروعه ، كما يؤكد على أن أنجع وسيلة يجب إتباعها معه هي الحرب و ليست الدبلوماسية .

كما يبرر كل السياسات الإجرامية التي اتبعتها فرنسا ضد السكان الأصليين في الجزائر و هي تدخل في ما يسميه ” الضرورات المزعجة ”  فيقول : ” كثيرا ما سمعت في فرنسا رجال احترمهم و لا أؤيدهم أدانوا حرق المحاصيل و سجن المجردين من السلاح من الرجال و النساء و الأطفال ، فهذه بالنسبة لي أشياء ضرورية و مقرفة ، غير أنها لازمة لأي شعب يحارب العرب ، أظن أن حق الحرب يجيز لنا حرق المحاصيل في مواسم الحصاد و في كل الأوقات ، علينا القيام بهجمات نستولي فيها على الرجال و الماشية ” كما يؤكد على قاعدة مفادها أننا ” لا نستطيع أن نحكم أمة لمجرد أننا هزمناها ” بل ” علينا أن نعود هؤلاء العرب على التدخل في شؤونهم فيألفوننا ، لأنه باستطاعتنا تخيل أن شعب متحضر مثل الشعب الفرنسي و درجة تقدمه قادر على التأثير بشكل لا يقاوم على تجمعات بشرية شبه وحشية فيجبرها على الاندماج فيه “.

فهذه النصوص و غيرها ل “ألكسيس دي توكفيل ” مترعة بالطابع العنصري تكشف عن وجهه القبيح و تهافت أفكاره خاصة أنه من أكبر المنظرين للديمقراطية و المدافعين عن الحرية ،فهو لا يتردد في الدفاع عن الاستعمار و ضرورة استعمال الحرب من اجل تحويل الجزائر إلى مستوطنة فرنسية و اقتلاع الأهالي من هويتهم و جذورهم الدينية و الثقافية و نهب ثرواتهم  فقط لأنهم ليسوا أوروبيين ، و لا ينتمون إلى الشعوب المتحضرة . و نفس الخطاب نجده عند “أرنست رينان ” (1823-1892) ففي محاضرته الشهيرة التي ألقاها في مارس 1883 بجامعة السوربون  ذهب إلى القول بأن ما يميز المسلم تمييزا جوهريا هو كراهيته للعلم ، و الاقتناع بأن البحث لا فائدة منه ، و أنه عبث و شبه كفر ، فهو يكره علم الطبيعة لأنه منافس لله ، ويكره  علم التاريخ لأنه  يتعلق بالأزمنة السابقة على الإسلام و يستطيع أن يبعث أخطاء قديمة ، كما وصف الإسلام في نفس المحاضرة بأنه أثقل قيد حملته الإنسانية ، و أنه كان متحررا لما كان ضعيفا ، لكنه صار عنيفا لما صار قويا ، و أنه أضطهد الفكر الحر ، و نسبة العرب إلى العلم و الحضارة هي نسبة خاطئة و إبداعهم لم يتجاوز ترجمة العلوم اليونانية إلى اللغة العربية .

و يزخر الخطاب الثقافي الغربي عموما  بهذه النظرة القدحية للأعراق و اللغات و الثقافات و الديانات غير الغربية ، فالشعوب غير الأوروبية تقع تحت خط الانسان و عليه يجب معاملتها بمقاييس غير إنسانية ، و لم يستطيع العقل الغربي التحرر من النظرة الهرمية للعالم و هي النظرة التي تموضعه في الأعلى و تموضع غيره في الأسفل ، مما يدل على أن العنصرية هي مرض عضال ينخر جسد الحضارة الغربية و ذلك ما يؤكده الكثير من فلاسفة الحضارة الغربية النزهاء من أمثال نعوم تشومسكي  ، و يورغن هابرماس ، و رجاء غارودي ، و ادغار موران و غيرهم كثير .     

الدكتور : مصطفى كيحل

[email protected]

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى