page contents
أقلام الوطن

عين الكلمة… قال لي رشيد بوجدرة

مشهدان متباعدان قبل البدء

السعيد بوطاجين

تجمعني بالكاتب الجزائري رشيد بوجدرة علاقة إنسانية وأدبية راقية، وقد التقينا في عدة مناسبات ثقافية، وفي بيته رفقة المرحومين الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، إضافة إلى الصحفي عبد العزيز بوباكير، والمفكر الطاهر بن عيشة، والمخرج محمد الزاوي. كما حدث أن كتبت عنه مقالات نقدية، أو قدمت قراءات لرواياته، ومنها تيميمون والحلزون العنيد، وآخرها مقالي في النادي الأدبيلجريدة الجمهورية حول كتابه “زناة التاريخ” الذي اعتبرته فتحا، وكتابا جريئا في وقت سكتنا فيه عنالحمأ المسنون، وعن كثير من النفايات الأدبية والفنية التي غدت مراجع مكرسة، مع أنها كتابات وأفلام رديئة، ضد البلد، وضد الهوية، وضد الإنسان من حيث إنها تغلب العنصرية على الواقع التاريخي، إنها كتابات كاذبة، أو باحثة عن التطبيع، وذاك ما فضحه بشجاعة، وتلك مشكلته مع بعضهم. رشيد بوجدرة عفوي، وصريح فوق الحد، لذلك يقع في مكائد لأنه جريء.

  المشهد الأول:  قبل سنتين تناولنا معا وجبة الغذاء بفندق الشيراطون بمدينة وهران بمناسبة مهرجان الفيلم العربي الذي شارك فيه كضيف شرف، وكمكرّم. تحدثنا آنذاك عن قضايا أدبية وسياسية ولسانية، وركزنا كثيرا عن رواية الحلزون العنيد،  وعن تصريحه التلفزيوني الذي ظهر فيه ملحدا، بحسب ما قدمته القناة الفضائية. تسبب له ذلك في حصار ورعب كبيرين،  وشعر بتهديد وشيك، الشعور ذاته الذي انتابنا جميعا كمحاضرين وأكاديميين. ومما قاله لي في المطعم: لقد قام التلفزيون بتشويه تصريحي عند التركيب لأنّ التقنيين لم يكونوا منسجمين، ولم يكونوا متحكمين في الوسائل الجديدة، وكانوا متنازعين، كما أنهم تفوهوا أمامي بكلام بديء.

 لقد تمّ بتر كلمات وجمل لأبدوّ بذلك المظهر. أنا ابن زاوية. أعرف القرآن والحديث والموروث، وقد نشأت في وسط عائلي متدين، ولا دخل لأحد في قناعاتي السياسية والعقائدية. ذاك ما أحببت تمريره للرأي العام الوطني، لكنهم تصرّفوا فيهوفق رؤيتهم. كانوا يبحثون عن الإثارة لاستمالة المشاهد وتحريضه عليّ ككاتب حرّ. أجبته آنذاك بموضوعية، أو بما كنت أراه سليما: أنت لست ملزما بالإعلان عن خياراتك الدينية في هذا الوضع المناوئ. أعلمك أنّالقناة نفسها ترغب في محاورتك بعد قليل في المسرح حيث الكاميرا والمصورون والصحافة، فلا تقبل أي حوار تفاديا لانزلاقات أخرى تعود عليك بالضرر.سيستغلونك. وذاك ما حصل بعد أن أقنعه زملاء آخرون كانوا يتابعون ما حصل. رفض لقاء التلفزيون الذي سعى إلى إجراء لقاء ثان معه، ولم يقل كلمة واحدة.

 أذكر أنّ ردّه كان حاسما لأنه شعر بمرارة ما، وبخيانة، وبخوف من ردود الأفعال المتشددة في سياق تاريخي مخصوص. الشعور ذاته الذي انتاب زوجته الفرنسية التي أحست بأن شيئا ما سيحدث لها. كانت مرعوبة بسبب الغليان العام الذي أعقب التصريح، وكانت تهاتفه من العاصمة بحثا عن حلّ لإنقاذ الموقف. قال لها رشيد: خذي تذكرة طائرة واذهبي إلى فرنسا، وسألتحق بك بعد انتهاء المهرجان. في الطريق إلى وكالة الخطوط الجوية الجزائرية بوسط وهران كان محاطا جيدا تفاديا للاعتداءات المحتملة، وكنت هناك، ما بين مصدق ومكذّب. وتساءلت حينها: لنفترض أنه ملحد، هل وجب قتله؟

 المشهد الثاني:طرحت عليه عدة أسئلة فيجلستنا الحميمة عن نصوصه، وعن رواية الحلزون العنيد تحديدا، وكنت معجبا بها كنص متفوق، مختلف، وبعيد عن بقية الروايات التي استثمرت بطريقتها في الجنس والأيديولوجيا. كنت أرغب في معرفة بعض التفاصيل والمضمرات التي تعنيني كقارئ استهوته رواية قريبة من ذائقته، دون التقليل من شأن كتاباته الأخرى التي سلكت وجهة أخرى. قال لي رشيد: الرواية واقعية في جزء كبير منها، بصرف النظر عن الاستثمار في التراث والكتب العلمية. كنت في الرباط بالمغرب، وكنت شبه بطّال. كان يحدث لي أحيانا أن أرافق زوجتي إلى مقر العمل. هناك التقيت بالبطل كشخصية أضفيتُ عليها توابل تنميقية لتستقيم بنيويا، أنت تعرف هذا. هناك دائما حذف وإضافات. كان شخصا غير طبيعي من حيث المظهر والحركات. استهوتني بعض تصرفاته الغريبة فعدت للقائه مرّات، ثمّ انزويت في البيت للكتابة عنه بشكل متواصل. لم يستغرق العمل السردي وقتا طويلا لأنّ الحكاية نضجت في الذهن، أو كادت تكتمل. لم تبق سوى تفاصيل أضفتها من الخيال، كما يفعل كلّ الكتّاب. كان شخصية غريبة.

             هناك شبه واحد بيني وبينه وجب الإشارة إليه، مع أّنّ الكتاب ليس سيرة ذاتية: تكمن المجاورة بيني وبينه في كثرة القصاصات التي كان يخفيها في جيوبه التي لا تحصى. هذا وجه من وجوهي القديمة التي تخلصت منها مع الوقت. عادة ما كنت أسافر إلى مختلف بلدان العالم في مهام علمية أو سياحية، وكنت أحمل معي بعض الأموال للحيطة، كما كنت أكتب أفكارا ومشاهد، وخوفا عليها من الضياع كنت أوزعها في عدة جيوب، فإذا ضاع جزء بقي جزء آخر يمكن أن ينقذني من الورطة. من يدري؟ عشت كذلك أعواما، وعندما شاهدت تعامل تلك الشخصية مع الأوراق الكثيرة شاهدت نفسي، كما لو أنها كانت مرآة لي. هكذا تشكلت الشخصية من شخصين واقعيين، ومتكاملين رغم المسافة التي تفصل ما بينهما.

 قفلة: لا أدري إن كان رشيد بوجدرة فكر في أني سأكتب عن هذا. فليسمح لي لأني نشرت بعض الأسرار، لكني فعلت ذلك بحب، وبتقدير كبير لما قدمه للسرد، بإتقان كبير.

اظهر المزيد

ابتسام بوكثير

صحفية جزائرية مهتمة بقضايا المرأة والشأن الثقافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق