page contents
أقلام الوطن

عَبد العزِيز بُوباكير..وتَفاصيلُ رحلةِ كَارْل مَاركس إلى الجَزائر

الدّكتور: مصطفى كيحل

 

عَبد العزيز بوباكير كاتبٌ وصُحفيّ ومُترجِمٌ ومُثقّف جزائريٌّ من طِراز رفيعٍ جدًا، يتجلَّى ذلكِ من خلالِ ما قَدّمه للثَّقافةِالجَزائريّة على مدارِ عدَّة عُقود، ويمكنُ القولُ إنَّ مُنجزَه الثّقافيُّيُعادل أو يَفوق مُنجزاتِ مُؤسّساتٍ قائمةٍ بذاتها!

ففي مجال الترجمة نقل عن اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية كتاب ” ليل الاستعمار” لفرحات عباس، و مذكرات المؤرخ الجزائري محمد حربي بعنوان ” حياة صمودو تحد ” كما ترجم إلى اللغة العربية ” مذكرات أحمد طالب الإبراهيمي، الجزء الأولو الثالث ” كما نقل عن اللغة الروسية عديد الكتب منها ” الانتليجانسيا في بلدان المغرب : أفكارو نزعات ” لفلاديمير ماكسيمنكو، و كتاب ” جيش الثورة الجزائرية ” ليوري كوندراتييف، و كتاب ” النخبة الجزائرية في مطلع القرن العشرين ” لنيكولاي دياكوف. أما في حقل الدراساتو الأبحاث فلقد اهتم بالأدب الجزائري، و بالجزائر في الاستشراق الروسي كما حرر مذكرات ” الشاذلي بن جديد “و أخر كتاب صدر له هو ” بوتفليقة رجل القدر ” إلى جانب مقالاته في الصحافة لمدة طويلة.

و من بين الكتب التي تمثل وثيقة تاريخية ومعرفية مهمة هو كتاب ” موريسكي في الجزائر.. رحلة كارل ماركس إلى الجزائر “و الذي صدر عن دار ميم للنشر بالجزائر سنة 2019، و هو كتاب على صغر حجمه يمثل وثيقة فكريةو معرفية كبرى، لأنه يتوقف عند المحطة الأخيرة من مسيرة الفيلسوف الألماني ” كارل ماركس “و تحديدا في الجزائر، من خلال رحلة هذا الأخير إلى الجزائر من أجل العلاج امتثالا لنصيحة الأطباءو تشجيعا من رفيق دربه ” فريدريك انجلز، كما يمثل الكتاب وثيقة تاريخية لأنها تقدم نظرة ماركس للجزائر في تلك الفترة مع العلم أن الجزائر هي البلد العربي الوحيد الذي زاره ماركس.

في البداية يفند عبد العزيز بوباكير بعض الروايات التي تدور حول تلك الزيارة الشهيرة لماركس للجزائرو ذلك بالاعتماد على رسائله، التي بلغت 16 رسالة، منها 9 أرسلها إلى صديقه ” فريديريك انجلز ” في لندن، و 5 إلى ابتنه الكبرى ” جيني لونغيفي أرجونتاي بفرنسا، و رسالتين إلى صهره ” بول لافاراجو ابنته ” لورا ” في باريس، و يشير عبد العزيز بوباكير إلى فرضية ضياع عدد أخر من الرسائلو التي قد تتضمن معلومات أخرى حول إقامته في الجزائر من تاريخ 20 فيفري 1882 إلى 2 مايمن نفس السنة. فهذه الرسائل لا تشير إلى زيارة ماركس إلى مدينة بسكرة، حيث جاء في رسالته إلى انجلز المؤرخة بتاريخ أول مارس 1882، أن سبب عدم انتقاله إلى بسكرة هو طول الرحلة التي تستغرق من 7 إلى 8 أيامو أنها رحلة محفوفة بالمخاطر و ذلك ليس في مقدرة رجل عاجز مثله، كما يعبر عبد العزيز بوباكيرعن اندهاشه مما ذكره ” حفناوي بعلي “ في كتابه ” صورة الجزائر في عيون الرحالةو كتابات الغربيين ” من حديث عن زيارة ماركس لمدينة عنابةو إقامته بفندق الشرق الكائن بساحة الثورة، فلم تتضمن رسائل ماركس إشارة إلى ذلك، كما يصحح عبد العزيز بوباكير بعض الأخطاء التي تضمنها كتاب جورج طرابيشي ” الماركسية و الجزائر”.

والكتاب لا يقدم شيئا جديدا عن النظرية الماركسية، و لكن في المقابل يسمح بتكوين فكرة دقيقة عن شخصيةو مزاجو مشاعر كارل ماركس الانسانو هو في خريف عمره و في تجليه و شروده، و في لحظات قوته و أحايين ضعفه.

تشير رسائل ماركس أنه لم يغادر العاصمة و أنه أقام في فندق الشرق الكبير المطل على الميناء و المحاذي للولاية لليلتين فقط، و أكمل الإقامة في فندق فيكتوريا في أعالي العاصمة، و لقد أطنب ماركس في وصف الأحوال الجوية، حيث صادف قدومه للجزائر شتاء باردو طويل.

و من بين الأسئلة التي تهم القارئ الجزائري هو انطباعات ماركس حول الجزائرو الجزائريين في تلك الفترة، و موقفه من الاستعمار الفرنسي الذي مر عليه ما يقارب نصف قرن ؟و هل ظل وفيا لفلسفته التي ترفض كل أشكال الاستغلال و الاستلاب ؟و هل دعا مثلا إلى ضرورة تغيير الواقع الاستعماري الظالم؟ ففيالفلسفة الماركسية كما هو معلوم لا يكفي فهم العالم بل يجب تغييره، و هل أشار في رسائله إلى السكان الأصليين و هل أبدى تعاطفا مع واقعهم و استغلالهم من طرف الفرنسيين ؟و هل ندد بالجرائمو الإبادة الجماعية التي كان يتعرض لها الجزائريون ؟ خاصة أنه سمع كثيرا من القاضي فرميي، الذي روى له العديد من الأمثلة عن تجاوزات العدالة في جلسات الاستنطاق، خاصة التعذيب الذي تستعمله الشرطة بشكل منتظم لانتزاع الاعترافات من العرب، و التهديد الذي يخضع له القضاة من طرف المعمرين في محاكم الاستئناف، و يقول على لسان القاضي “و نحن نعلم أنه حيثما حل معمر أوروبي أو حط رحاله للتجارة وسط ” أعراق دنيا” يعتبر نفسه فوق الشبهات.. .و في مواجهة ” الأعراق الدنيا ” يتفوق الانجليزو الهولنديون على الفرنسيين في الصلف السخيف و الادعاء و شراسة الانتقام و الوحشية “.

و لا يتردد عبد العزيز بوباكير في القول في الصفحة 21 أنه لا توجد في رسائل ماركس إدانة صريحة للاستعمار، و يفسر ذلك بكون ماركس زار الجزائر في مرحلة ما بعد ثورتين في فرنساوبعد القضاء على ثورتي الأميرو بوعمامة في الجزائر، أي في زمن بداو أن لا شيء سيزعزع الاستيطان الأوروبي و المشروع الاستعماري الذي كان في أوج ازدهاره، كما أن ماركس لم يكلف نفسه الاقتراب من الجزائريين لمعرفة أوضاعهم و معاناتهم و الحيف الذي كانوا يعيشونه من قبل الكثير من الأجناس الأوروبية، فمعلوم أن الإدارة الفرنسية حولت حثالة المجتمع الفرنسي من مجرمينو شداد الآفاق إلى مستعمرتها الجديدة و تحت حكم “سافاري ” تحولت الجزائر إلى منفى لكل من وضعوا تحت طائلة القانون، حتى يهنأ الفرنسي بالحياة السعيدة و الآمنة، و بلغة بوباكير فان الجزائريين في رسائل ماركس هم ” ظلال بكماء “و في أفضل الأحوال ” نماذج فولكلورية “

و من و اللافت أن ماركس يستعمل اسم محمد و أمة محمد أكثر من مرة في رسائله، حيث يقول : ” أن الاحتمالات من يسرو عسر لا تشكل في نظر المسلم الحقيقي أمرا يفرق أبناء أمة محمد عن بعضهم البعض، و هي لا تؤثر في شيء على المساواة المطلقة في تعاملاتهم الاجتماعية، بل على العكس، إنهم لا يعون ذلك إلا عندما يشعرون بالهوان.. .و بدون حركة ثورية لن يجنوا سوى الخراب “، كما يستعمل أسلوب السخرية ففي القصة التي يوردها حول قطع الإدارة الفرنسية رأس اللص و القاتل العربي، يعلق قائلا : “و الآن إذا ما ذهب الجذع إلى الجنة، فإن محمدا سيسأله : أين أضعت رأسك ؟ أو من ذا الذي فصل رأسك عن جذعك ؟ إنك غير أهل لدخول الجنة، فلتذهب طعما سائغا لكلاب المسيحيين “.

و يعود عبد العزيز بوباكير إلى طرح السؤال حول إمكانية تغيير ماركس موقفه من الاستعمار بعد إقامته في الجزائر، على الرغم من أن الموت لم يسعفه إلى ذلك، و لكن جملته التي قالها عن الاحتلال الانجليزي لمصر توحي بالكثير :” يا له من عمل رائع من الصعب أن نجد مثالا أكبر للنفاق المسيحي من ” غزو ” مصر، انه احتلال وفق الأصول في زمن السلم “.

ولعل ما يعضد هذا الموقف هو النص الذي كتبه “ماركس ” و” انجلز” في الموسوعة الامريكية الجديدة سنة 1858 أي قبل زيارة الجزائر بأكثر من 20 سنة، و الذي أبانا فيه عن رفض كبير للسياسات الاستعمارية الفرنسية المتوحشة ضد الجزائريين و جاء في هذا النص ما يلي : ” منذ السنوات الأولى للاحتلال الفرنسي للجزائر و حتى اليوم ظل هذا البلد البائس حلبة للعنف و النهب و مجازر لا تتوقف، فكل مدينة، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، تم الاستيلاء عليها في أدق التفاصيل و بتضحيات جسام. فالقبائل العربية و القبائلية المعتزة باستقلالها، و التي تعتبر كراهية الهيمنة الأجنبية أغلى من الحياة نفسها، تم سحقها عن طريق غزوات أحرقت و هدمت خلالها المساكن و الممتلكات و أتلفت المحاصيل، و أبيد السكان البائسون أو تعرضوا إلى كل أنواع الرعب من القساوة و الاغتصاب. و قد استمر الفرنسيون في تطبيق هذا النظام الوحشي من الحرب بالرغم من كل المبادئ الإنسانية و الحضارية و المسيحية. و لتخفيف وطأة أفعالهم يزعمون أن القبائل متوحشون يمارسون القتلو يعذبون مساجينهم، و مع مثل هؤلاء المتوحشين، فإن الرحمة خطأ لا يغتفر، و مع ذلك يمكن أن نشك في سياسة حكومة متحضرة تلجأ إلى قانون شريعة الغاب.. .و مع دخول الفرنسيين إلى الجزائر فإن البلد تحول إلى مدرسة حرب، كما يذكر ماركس في نصه هذا أن الجزائر تعد من أخصب البلدان في العالم و كانت سلة ايطاليا الغذائية.

يبقى السؤال الأهم في رحلة ماركس إلى الجزائر يتعلق بمصير الرسائل الأخرى التي لم يتم العثور عليها من طرف الكاتبة الألمانية ” “مارلن فيسبر “و التي نشرتها في كتابها ” ماركس في الجزائر “و التي يعود لها الفضل في تقديم كل هذه المعلومات حول إقامة ماركس بالجزائر، ماذا لو تم العثور عليها ؟و هلستتضمن معلومات جديدة حول موقف ماركس من الوضع العام الذي عايشه في الجزائر ؟

 

اظهر المزيد

ابتسام بوكثير

صحفية جزائرية مهتمة بقضايا المرأة والشأن الثقافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق