page contents
أقلام الوطن

فكرة الدولة.. بين الإنثروبولوجيا الكولونياليّة والإيديولوجيّة الوطنية!

بقلم الدكتور مصطفى كيحل

استند الاستعمار الغربي الحديث إلى مقاربة خاصة لعلاقة المعرفة بالسّلطة، مقاربة تتأسس على عدم الفصل بينهما، فحقل السلطة وحقل المعرفة متشابكان ويخدم بعضهما الآخر، فلم تعد المعرفة مستقلة ومتميزة عن السلطة، بل على النقيض من ذلك تم التأكيد على التمفصل والتداخل الدائم بينهما، فآليات الهيمنة والإخضاع التي تمارسها السلطة إنما تتم بواسطة التنظير والتبرير المعرفيين مما يضفي الشرعية على تلك الآليات ويجعلها مقبولة من طرف المحكومين.

بمعنى آخر، فإن المعرفة تتضمن نمطا من السلطة كما أن السلطة تنتج نوعا من المعرفة. وقد اعتمد الاستعمار الحديث في إستراتيجياته للهيمنة والإخضاع على حقيقة أن ممارسة السلطة بدون معرفة غير ممكنة وليست مضمونة النتائج، لأن الأصل في ظاهرة المعرفة أنها لا توجد خارج السلطة ولا هي منزهة عن كل نزوع نحو الهيمنة.

فحملة نابليون على مصر سنة 1798 التي تشكّل أول اتصال بين الغرب والعالم العربي الإسلامي في العصر الحديث لم تكن فقط حملة عسكرية، وإنما كانت أيضا حملة علمية، حيث تكونت تلك الحملة من الضباط العسكريين ومن مجموعة كبيرة من العلماء والمهندسين، ولذلك كثيرا ما اختلف المفكرون العرب في تقييم تلك الحملة بين القائل بأنها حملة حضارية تنويرية لأن الوعي الصحيح بالذات كان يفترض الوعي بالآخر، أي بتوسط الآخر بين الذات ووعيها بذاتها، لأن حملة نابليون كانت فرصة اكتشف العرب من خلالها مدى توغلهم في التخلف، والمسافة الكبيرة التي قطعها الغرب على مدارج الصنائع والعلوم والمعارف، وبين من يرى فيها – أي حملة نابليون – حملة استعمارية دشنت تاريخ الاستعمار الغربي الحديث للعالم العربي والإسلامي.

كما عمد الاستعمار إلى ابتكار مجموعة من المناهج والمباحث العلمية تختص بدراسة الآخر، لأن المعرفة بالآخر هي المدخل الأنسب للتحكم فيه وتدجينه، وفي مقدمة تلك المباحث نجد الأنثروبولوجيا، حيث كانت الدراسات الأنثروبولوجية في خدمة الأهداف الاستعمارية، واختص الدرس الأنثروبولوجي في دراسة الآخر المستعمَر لمعرفة نمط تفكيره وعناصر ثقافته وخصائصه النفسية والثقافية، والعمل على تعميق وبعث التمايزات الثقافية والدينية واللسانية، واستغلال الفروق القائمة بين العرب والبربر، وبين الثقافة العالمة المكتوبة والثقافة الشعبية الشفوية، وبين قبائل المخزن وقبائل السيبة، وغيرها من التمايزات الثقافية والاجتماعية والسياسية، وكل ذلك من أجل تدليل الصعوبات التي تواجه عملية الهيمنة، ولهذا اعتبر “إدوارد سعيد” (الاستشراق والأنثروبولوجيا) علمين استعماريين نشأ في مرحلة الاستعمار ولخدمته.

وعملت هذه “العلوم الاستعمارية” من مثل الأنثروبولوجيا والاستشراق والفيلولوجيا وغيرها على ترسيخ مجموعة من الأفكار، من مثل: استحالة قيام الدولة الحديثة في المجتمعات المستعمرة لأن بنية هذه المجتمعات هي بنية قبلية وعشائرية، حيث تلعب الروابط العائلية والعشائرية دورا أساسيا في دينامية وتطور تلك المجتمعات، بمعنى آخر أن تلك التنظيمات الاجتماعية هي تنظيمات تقليدية وبعيدة جدا عن التنظيمات الإدارية والقانونية الحديثة، أي أنها تنظيمات تنتمي إلى ما قبل الدولة. كما تذهب تلك المعارف الاستعمارية إلى النظر إلى تلك المجتمعات على أنها مجتمعات تعيش على السرديات الخرافية والأسطورية، ولذلك فهي تقاوم كل محاولة لتوطين ثقافة العقلانية والمواطنة التي تشكل شرطا أساسيا لولوج عتبة الحداثة، كما أن تلك المجتمعات هي مجتمعات دينية وبعيدة عن العلمنة التي هي شرط أساسي لبناء مجتمعات حديثة ومتنورة.

 ومن بين الأطروحات التي استند إليها الاستعمار في شرعنة وتبرير احتلاله لشعوب العالم الثالث فكرة “الأرض الشاغرة”، فالقطر الجزائري من منظور الأنثروبولوجيا الكولونيالية هو قطر شاغر أو على الأقل لم يكن قبل دخول الفرنسيين سوى مرتع لجماعات من المجرمين والأشرار وقطاع الطرق وعش للصوص البحر، ومجموعة من القبائل البدائية المتخلفة المنغلقة على نفسها والتي ظلت تعيش على هامش التاريخ والحضارة، ولم تستطيع هذه القبائل أن تتطور لتبني دولة أو شعبا بالمعنى الحديث لمفهوم الدولة أو الشعب. أي أن الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي كانت تفتقر إلى وجود شعب متكامل وإلى مقومات الدولة.

وبالتالي، فإن الجزائر لم تكن تتمتع بالسيادة والقوة والمنعة مما جعلها لقمة سائغة للاحتلال الفرنسي، كما كانت في أغلب مراحل التاريخ أرضا مستباحة لعديد الاحتلالات المتعاقبة منذ فجر التاريخ. وبصورة أوضح، فإن غياب تقاليد الدولة في الجزائر أو المغرب الأوسط هو السبب في الدمار والفوضى التي تعرفها هذه المنطقة في تاريخها، وهذا ما أشار إليه المؤرخ التونسي “هشام جعيط” في تفسيره لظهور العنف الدموي المروع في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي. ففي مقال نشره سنة 1998 بعنوان ” الجزائر : التاريخ والوحشية “، كتب قائلا : “من المؤكد أن العمق التاريخي يشكل خصوصية بلد من البلدان، لأن التاريخ يتم معايشته من طرف الشعوب على المستوى الحضاري، وبما أنه هو كذلك فهو يشكل ثقلا على البنيات الاجتماعية والفكرية والسياسية، وظهور العنف في الجزائر دليل على غياب الدولة في التاريخ “، وهذا ما يفسر اليوم ظاهرة غياب ثقافة الدولة، فإلى اليوم وبعد ما يقارب ستة عقود عن استرجاع السيادة الوطنية والدولة الوطنية لم نبن ثقافة وأخلاق الدولة وذلك ما يقوله القائمون على الدولة منذ الاستقلال، وهذا من شأنه أن يضعف الدولة ويعجِّل بنسفها مع كل أزمة سياسية أو أمنية أو اقتصادية. ويعيد من جديد طرح إشكالية استمرارية ووجود الدولة وبالتالي استمرارية ذاتنا وهويتنا ووجودنا في التاريخ وفي الجغرافيا.

 وفي مقابل هذه الأطروحة الكولونيالية التي لا تعير أدنى اهتمام للتاريخ، تبرز أطروحة أخرى وهي أطروحة إيديولوجيا الدولة الوطنية التي تدافع عن وجود واستمرارية الدولة الجزائرية عبر التاريخ، لأن دولة الجزائر كما يقول “مولود قاسم” لم تولد سنة 1962، فبقطع النظر عن دولة ماسينيسا ويوغورطا، وعن التاريخ الإسلامي بعصوره الذهبية من الدولة الرستمية والحمادية والزيانية، جاءت الفترة العثمانية التي أنجدنا فيها البشرية كلها، وليس العالم الإسلامي فقط بمساهمة كبيرة جدا في مختلف المجالات ” كما يركز كثيرا على المرحلة العثمانية حيث كنا كما يقول دولة مستقلة تابعة روحيا فقط للخلافة، أي أن الدولة الجزائرية الحديثة تأسست سنة 1519 على يد خير الدين المدعو بربروس وأطلق عليها اسم” دولة الجزائريين ” ولذلك يرفض مولود قاسم مصطلح ” الدولة الفتية ” أو “استقلال الجزائر” ويفضل صيغة “استرجاع الاستقلال”، فالأمة الجزائرية أمة عريقة ولها شخصية دولية وتتمتع بهيبة ومكانة كبيرة عبر التاريخ، ويلخص كل ذلك في كتابه : “شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل سنة 1830” حيث يقول: “الجزائر لم تكن فقط دولة، ولم تكن فحسب دولة عظمى بين الدول العظمى، بل كانت قمة الدول العظمى وهذا ما أردنا بيانه وتأكيده “كما” أن شخصية الجزائر الدولية ووجودها المتميز البارز وعراقة تلك الشخصية وتاريخية الوجود وهيبتها التي توحي بالرهبة والوقار كل ذلك تشهد به وثائق وكتابات الغير والفضل ما يشهد به الغير، خاصة إذا كانوا من الأعداء والخصوم “.

 وهكذا، تشكل ظاهرة الدولة ووجودها في التاريخ موضوع سجال وجدل بين الأطروحة الكولونيالية التي تقوم على نفي وجود الدولة في تاريخ الجزائر وفي تاريخ الشعوب المستعمرة بصورة عامة، والأطروحة الوطنية التي تقوم على تأكيد وجود الدولة وديمومتها وعظمتها واستمرارها عبر التاريخ، وأن الاستعمار هو المسؤول عن تفكيك تلك الدولة ليسهل عليه بسط سيطرته عليها، ولا يمكن فهم الأطروحتين إلا من خلال وضعهما في سياقهما التاريخي الصحيح ومراعاة ظرف الخطاب، فبالنسبة للخطاب الكولونيالي كان الهدف هو تبرير الغزو والاستعمار، أما بالنسبة إلى الخطاب الإديولوجي الوطني فلا يمكن فصله عن النزعة الوطنية والحماسة للدولة الوطنية الناشئة حتى لا تبدو عارضة في التاريخ ومنفصلة عن المراحل السابقة. وعليه، فإن الغرض بالنسبة للخطابين ليس هو معرفة الحقيقة التاريخية وإنما هو بالأساس توظيف معطيات التاريخ وأحداثه لخدمة هذه السلطة أو تلك، بمعنى أخر أن الخطابين يلتقيان في التوسل بالمعرفة لخدمة السلطة وليس طلب المعرفة والحقيقة لذاتها، فإذا كانت الأنثروبولوجيا الكولونيالية على صواب في قولها بأن الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي كانت قطرا شاغرا، فبماذا نفسر المقاومة التي واجهها الاحتلال من طرف السكان الأصليين، والأمر نفسه بالنسبة إلى الإيدولوجيا الوطنية، فإذا كانت الدولة الجزائرية موجودة وقوية وعظيمة قبل سنة 1830 فبماذا نفسر ظاهرة الاحتلال واستمراره لأكثر من قرن من الزمن، بل كيف نفسر الاحتلالات المختلفة للجزائر عبر التاريخ. وذلك ما يسكت عنه الخطاب الإيديولوجي الوطني.

 وبناء على ما سبق، نتساءل أين الحقيقة بين الإيديولوجيتين السابقتين، ما دامت كل إيديولوجية تكشف عن حدودها وقصورها في التفسير والتبرير، وما السبيل للخروج من إيديولوجية هذه الأطروحة ونقيضها، لعل الطريق إلى ذلك هو اعتماد الخطاب العلمي لبناء معرفة تاريخية صحيحة بظاهرة الدولة ووجودها من عدمه، وتأثير ذلك على وجودنا في الماضي والحاضر والمستقبل، من خلال احترام تاريخية المفاهيم وعدم إسقاط مفاهيم الحاضر على الماضي فليس من الصواب إسقاط مفاهيم كمفهوم الدولة والأمة والوطن والسيادة والاستقلال بدلالاتها الفلسفية والسياسية الحديثة على مجتمعات تنتمي إلى جغرافية سياسية وثقافية مختلفة، والاكتفاء مثلا فقط بأخذ مفهوم الدولة في الماضي بوجود سلطة مركزية تبسط نفوذها على أرجاء هذا البلد أو ذاك. كما أن الخطاب العلمي يساعدنا كثيرا للخروج من المنطق الجدلي الذي لا يهمه إلا تفنيد أو دحض هذه الفكرة أو تلك دون مراعاة ماضي المجتمعات وجملة التحولات والصيرورات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها، وفي مقدمة ذلك ظاهرة صعود وسقوط الدول في المغرب الأوسط، فلقد مر حين من الزمن عرفت فيه الجزائر دولا قوية كما مر حين أخر غابت فيه الدولة أو ضعفت وتراجع دورها في حياة الناس، وإذا سلمنا مع أيديولوجيي الدولة الوطنية بضرورة نسج حكايات تأسيسية أسطورية تشكل برموزها وأحداثها ودلالاتها قاعدة ثقافية وإيديولوجية صلبة تستند إليها الدولة الوطنية في بناء حاضرها واستشراف مستقبلها، باعتبار أن كل الأمم والشعوب تعيش على السرديات الأسطورية والأوهام أكثر من عيشها على الحقائق، ولكن كل ذلك يحتاج إلى إخراج محكم وليس إلى بروباغوندا تاريخية تكرّس التمركز البطولي الفج حول الذات بشكل سطحي وغير معقول. فمثل تلك الإيديولوجيات المفبركة والزائفة قد تنتج عكس ما صنعت من أجله وتتحول إلى عطب كبير يدق إسفين هذه الدولة أو تلك خاصة عندما تقفز على بعض الحقائق التاريخية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى