page contents
أقلام الوطن

فلسطين في القلب.. الحكاية الكبرى !

الحلقة 3

في لحظة تاريخية مميّزة، قرّر اللاعبون الجزائريون هذا الأسبوع لبس الكوفية الفلسطينية والتوشّح بالعلم الفلسطيني، في إشارة منهم، تؤكد التضامن التام مع الشعب العربي في فلسطين، ظلّت الحكاية تكبر رويداً رويدا، بكبر الهمّ العربي وظهور جيل رفض الهزيمة والاستسلام. في 16 ديسمبر 1992، وصل 415 فلسطيني إلى الحدود الفلسطينية اللبنانية بعدما أُبعدوا من فلسطين، ظلوا في مخيم أقاموه هناك بالقرب من بلدة مرج الزهور، في ظروف مناخية قاسية.

بعد سنة كاملة من الثبات والصمود، أجبروا الاحتلال الإسرائيلي على أن يعيدهم إلى وطنهم، فشل الاحتلال الصهيوني في كسب المعركة التي بدأها، اعتقد أن النكبة التي حلّت على شعب فلسطين عام 1948، ستتكرر مرة أخرى بترحيل جزء آخر من الشعب الفلسطيني، لكنه وبعد انتظار طال أمده، عاد الاحتلال إلى نقطة الصفر، فشلت محاولته العبثية بعدما وجد صموداً شامخاً من قبل المبعَدين.

أقام إسماعيل هنية ورفاقه في مرج الزهور سنة كاملة، الرجوع إلى فلسطين بدا في تلك الأيام اللبنانية حلماً خيالياً للاجئين الفلسطينيين المتواجدين في لبنان منذ 48، كان البعض منهم يسكنون ليس بعيداً عن المخيم الذي تحيط به الأشجار الفارعة التي تغطي المنطقة. إسماعيل هنية ورفاقه كانوا في المقابل يعلمون علم اليقين أنهم عائدون إلى الوطن مهما طال الزمن، لن يبعثروا حياتهم في هذه النقطة من الأرض. الحياة هناك، في فلسطين، تنتظر عودتهم كي يقبضوا عليها.

جاء ذلك الإبعاد من طرف الاحتلال الصهيوني للفلسطينيين بعدما شعر بأن هناك بناءً جديداً على وشك الظهور في فلسطين، وأن تغييراً على الأرض بدأت ملامحه الكبرى تنمو وتكبر، وهو التغيير الذي انتظرته الجماهير الفلسطينية بشوق وأمل. منذ أن غادر عرفات بيروت ثم اغتيال الموساد لقادة الانتفاضة الأولى “أبو جهاد وأبو أياد”، وظهور التخاذل العربي منذ زيارة السادات للقدس، ثم وفاة هواري بومدين المفاجئة، بقي الشعب العربي الفلسطيني يُذبّح ويُسجن يومياً.

راح الكثير من الزعماء يطبلّون لمشاريع السلام، من قمة فاس التي ترأسها الحسن الثاني إلى قمة بيروت التي بايعت مشروع الأمير فهد، كانت كل المشاريع مستلهمة من خطة كيسنجر والقبول بالشروط الصهيونية والأمريكية. وجد الشعب الفلسطيني نفسه مرة أخرى بين فكي التمساح، لم يعد أمامه إلا الاعتماد على نفسه وامكاناته الذاتية. في تلك الظروف خرج إلى العلن تنظيم جماهيري محكم، ظل يعمل ليلاً ونهاراً دون كلل أو ملل، لتحقيق الحلم الفلسطيني لطرد الغزاة القادمين من وراء البحر. هذا التنظيم يتمثل في حركة حماس الفلسطينية.

بعد ما يزيد عن عشر سنوات من تأسيس حركة حماس، تخلّلتها آلام وآهات، أُدخل خلالها الشيخ أحمد ياسين السّجن، ذاق الويلات والعذاب، عُزل طيلة خمس سنوات في قبو بلغت درجة حرارته في الصيف 45 درجة فيما ساد برد مرعب في الشتاء. أُخرج من السجن الصهيوني عام 97 بعد تدخل الملك حسين عقب محاولة اغتيال خالد مشعل الفاشلة في عمان، استطاع الأمن الأردني أن يقبض على عنصرين من الموساد قاما بتسميم القائد الفلسطيني، كان شرط الأردن لإطلاق سراحما، إطلاق مساجين فلسطينيين منهم أحمد ياسين، وتقديم المصل الخاص لتخليص خالد مشعل من السّم الإسرائيلي، ظلّ رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في غيبوبة طويلة.

كانت تلك هي المرة الثانية التي يُطلق فيها سراح أحمد ياسين من السّجن بعد الحكم عليه بالسجن مدى الحياة، كانت المرة الأولى عام 85، على إثر إتّفاقٍ لتبادل الأسرى بين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والكيان الصهيوني. ما زال هذا الدين قائماً في عنق حماس إلى اليوم، ولهذا، فآخر الأخبار القادمة من فلسطين، تقول أنّ حركة حماس اشترطت في المفاوضات الجارية لإطلاق سراح الأسرى، أن تشمل الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات ومروان البرغوتي أحد قادة فتح. في أواخر رمضان عام 98، وصل ياسر عرفات إلى غزة، توجه إلى مركز رشاد الشوا الثقافي لتكريم حفظة القرآن الكريم، كان الشيخ يوسف سلامة خطيب المسجد الأقصى حاضراً، فقد كان أيضاً وزيراً للأوقاف، كان عرفات قد عاد لتوّه من الولايات المتحدة، ظلّ كلينتون يضغط عليه، لاحظ الحضور أن حسني مبارك أصبح إسرائيلياً أكثر من الإسرائيليين أنفسهم، شتم ياسرَ عرفات أمام شيمون بيريز، بالصوت والصورة: “وقّع يا ابن الكلب”، بينما راح بقية الرؤساء والزعماء العرب يتسابقون خلف الستار للفوز بمصافحة القيصر الإسرائيلي.

كان المشهد العربي بائساً، فالعراق لم يعد كما كان بعدما وقع في الفخّ الاستعماري، والجزائر كانت قد دخلت في نفق مظلم بعد إقالة الشاذلي بن جديد، ثم راحت تتعافى نسبياً في نهاية التسعينات بعد مشروع المصالحة الوطنية الذي زكاه الشعب، ظلّ هذا الأخير يأمل في الخروج من محنةٍ طال أمدها. راح القذافي يحلم بعرشه الإفريقي “ملك ملوك إفريقيا” والدعاية لدولة “إسراطين” التي ضحك منها العرب والعجم.

نام أمراء اللهو والمجون طويلاً في خيماتهم بالخليج العربي، تحوّلت في وقت قصير إلى قصور مشيّدة من ماس وزبرجد وذهب. بينما راح العرش العلوي يتمدّد كالحية الرقطاء، في مشهدٍ جمع بين المسكنة والخبث والغباء. ظلت الأمهات الصحراويات يبكين فلذات أكبادهن في العيون وضواحيها بعدما قام المخزن باعتقالهم وتصفيتهم الواحد تلو الآخر، تلكم هي الرحمة العلوية، لم يتأخر عن استعمال العصا والجزرة لتحقيق التواب والعقاب، معتمداً على ريع المخدرات وما تأتي به الضرائب التي أثقلت كاهل الشعب المغبون. خلت الساحة لأشباه السياسيين الذين فضلوا الكرسي والأبّهة الملكية، كفروا بجميع الأيديولوجيات والأدبيات التي كانوا يروّجون لها. منذ اغتيال المهدي بن بركة، باتت السياسة في البلد الشقيق لعبة وسخة في بركة قذرة. الأمر الذي أوصل القادة السياسيين الحاليين، إسلاميين ويساريين وليبراليين، لمباركة تواجد السفير الإسرائيلي في الرباط.

بدأ الاحتفال بالسلام الوطني، وبعد الانتهاء، همس شيخ القدس في أذن ياسر عرفات بأن الشيخ أحمد ياسين موجود، فما كان من الرئيس الفلسطيني إلا أن سأل بسرعة وأين هو؟” أجابه محدّثه: “عن يمينك فهو بجوار المنصة مع عدد من كبار المدعوين”. نزل عرفات من المنصة وقام بحمل الشيخ ياسين من الكرسي المتحرك وأحضره الى المنصة وأجلسه بجواره، وهنا صفق الحاضرون، وعندما حان موعد الإفطار قام الرئيس عرفات بإطعام الشيخ أحمد ياسين بنفسه وكانت هذه اللفتة الجميلة الثانية، وبعد انتهاء الحفل راح الشعب يستمع لنشرة الأخبار، وكان الخبر الرئيسي، بعد فشل المباحثات في واشنطن، ياسر عرفات يعود إلى غزة، ويلتقي الشيخ أحمد ياسين لترتيب البيت الفلسطيني الداخلي.

وهي المهمة التي فشل العرب في تحقيقها بينهم، بات كل نظام عربي يتآمر على جاره ويخطط بكل إصرار وترصد لإسقاطه، والزّج بمعارضيه من أبناء الوطن الواحد في السجون والمعتقلات والمقابر. قبل هذا التاريخ بما يزيد عن أربعين سنة، قامت انجلترا وفرنسا والكيان الصهيوني بالهجوم على مصر، كانت غزة تحت الإدارة المصرية، استمع أحمد ياسين كغيره من الفلسطينيين والعرب إلى خطاب عبد الناصر معلناً تأميم قناة السويس.

في نهاية أكتوبر 1956، وقع العدوان الثلاتي، عند إطفاء الأنوار في قاعات سينما “السامر” و”النهضة” و”السّلام” و”الشاطئ” و”النّصر” كانت تتعالى هتافات “تحيا مصر”. طوال ذلك الخريف، تحوّلت شوارع القاهرة ودمشق وبيروت وبغداد إلى منصات جماهيرية وخطابية للتنديد بالاستعمار والإمبريالية، أما في الجزائر، فقد قرّر حكيم الثورة “العربي بن مهيدي” ورفاقه قلب الطاولة على الأوروبيين في أحيائهم الراقية بالجزائر العاصمة، من اليوم فصاعداً لن ينام هؤلاء مطمئنين ما دام الريف الجزائري يُقنبل بقنابل الهمجية والعنصرية، هكذا قرّر ثوار الجزائر.

وسط ذلك الجوّ الصافي لدى المجاهدين، الحالك لدى المستعمِرين، اِلتقى عبان رمضان وأعمر أوعمران ذات ليلة فرحات عباس في الجزائر العاصمة بعد أن عاد هذا الأخير من باريس ولقائه برئيس الحكومة الفرنسية مانديس فرانس، خاطب هذا الأخير فرحات عباس: “إن الجزائر هادئة تماما” فردّ السياسي الجزائري: “لا تنخدع سيدي الرئيس، الجزائر صامتة لأنها غير راضية على حكامها، فـإن لم يسـارعوا في إقامـة إصـلاحات حقيقية، فستذهب الجزائر إلى آفاق أخرى”. سأل فرحات عباس ضيفيه الذين دخلا بيته: “كيف تتصورون المستقبل القريب”، رد عبان بأن جيش التحرير الوطني لديه الأسلحة الكافية وباسـتطاعته رمي فرنسا في البحر، علّق عباس فرحات بعقلانية “لكن المشكلة سياسية وفرنسا ستحاول أن تحافظ على ماء الوجه، ولا تعترف بالهزيمة، أعطوني فرصة لإيقاف هذه الحرب”.

منذ ذلك التاريخ وجد عباس فرحات نفسه داخل عجينة جبهة التحرير الوطني، في وسط المعمعة في القاهرة وتونس والرباط. حين وصل عباس فرحات القاهرة، كان ياسر عرفات هناك، كما كان أيضاً علال الفاسي وعبد الكريم الخطابي وصالح بن يوسف والبشير الإبراهيمي، بعد سنين وصل أحمد ياسين إلى القاهرة قادماً من الشرق. وسط مدينة غزة، ماشياً مع المتظاهرين في غزة وخان يونس ورفح باتجاه الحدود المصرية، رأى الغزاويون الأستاذ ياسين وهو يخطب في الجماهير الفلسطينية، أظهر قدرات خطابية وتنظيمية واضحة، اكتشف يومها الشباب الفلسطيني أن وجوده ومصيره مرتبط بالعمق العربي الاستراتيجي، فما يجري في أرض الكنانة من تحولات وإرهاصات ستكون له آثاره وانعكاساته على فلسطين والمنطقة كلها.

موجة التظاهرات تواصلت رغم هطول الأمطار الغزيرة في تلك الأيام الأخيرة من فصل الخريف، سالت الشوارع وغمرت المياه الأسواق، طوفان نهر النيل حمل الوحل عبر عتبات البيوت وغطى الطرقات في الحارات الفقيرة، نزل عبد الناصر إلى الميدان، خاطب الشعب المصري والشعوب العربية والقوى الحرة، وحذر الدولتين انجلترا وفرنسا من غلق الملاحة في القناة، ثم راح يستهزئ بالقرار العدواني الفرنسي قائلاً: “سيرد الثوار الجزائريون على وقاحة القرار الفرنسي”. خلال تواجده في القاهرة بعد قبوله كطالب في قسم اللغة الانجليزية بجامعة عين شمس، راح أحمد ياسين يراقب عبد الناصر في الحكم، وصل إلى خلاصة، يمكن للحاكم أن يصمد ضد التهديد الاستعماري، أن يرمي خصومه في غياهب السجون، ولكن بشرطٍ واحد: الاحتفاظ بالقدرة على إقناع النفس بصواب قراراته وممارساته. إذا اقتنع هو، لابد أن تقتنع الجماهير ولكن إلى حين، وهي الخلاصة التي توصّل إليها أيضاً ياسر عرفات.

حين وصل ياسر عرفات إلى “الحكم” عبر ما سُمّي بالسلطة الفلسطينية، طلب منه الإسرائيليون اعتقال أحمد ياسين، إلا أنه رفض، معتبراً هذا الأمر خيانة للقضية. حين صفت السّماء، وبانت الشمس وسط زرقة نقية، وبعد سنوات من العدوان الثلاثي على مصر، وجد أحمد ياسين نفسه في المعتقلات المصرية، وهو الذي دافع عن مصر وعبّأ الجماهير الشعبية ضد الاستعمار الانجليزي والصهيوني، والتهمة التي طالته، الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين. تركت فترة الاعتقال في نفسه آثاراً مهمة لخصها بقوله: “إنها عمقت في نفسي كراهية الظلم وأكدت فترة الاعتقال أن شرعية أي سلطة، تقوم على العدل وإيمانها بحق الإنسان في الحياة بحرية”.

بعد سنوات من تلك اللفتة الأخوية والوطنية التي قام بها عرفات تجاه رفيقه في الكفاح، قرّرت إدارة الاحتلال اغتيال أحمد ياسين، حلقّت طائرتان على مستوى منخفض، أطلقت قذيفة صاروخية على منزل الدكتور مروان أبو رأس المحاضر في جامعة غزة، سقطت القذيفة بعد لحظات قليلة من مغادرة أحمد ياسين ورفيقه إسماعيل هنية المنزل، هُدّمت العمارة بشكل كامل. لكن ذات يوم من شهر مارس 2004، وبينما كان أحمد ياسين عائداً من أداء صلاة الفجر في مسجدٍ قريب من منزله، قامت مروحيات الأباتشي الإسرائيلية التابعة الجيش الإسرائيلي بإطلاق 3 صواريخ تجاه أحمد ياسين وهو في طريقه إلى سيارته مدفوعاً على كرسيه المتحرك من قبل مساعديه، فسقط ياسين شهيداً في لحظتها وجرح اثنان من أبنائه في العملية وقتل معه سبعة من مرافقيه.

تناثرت أجزاء الكرسي المتحرك الذي كان ينتقل عليه أحمد ياسين في أرجاء مكان الهجوم الذي تلطخ بدمائه ومرافقيه خارج المسجد، مما أدى أيضاً إلى تناثر جسده وتحويله إلى أشلاء، وهنا ارتقت روحه إلى بارئها ومات كما كان يتمنى. بعد اغتيال القائد الفلسطيني، أعلن ياسر عرفات الحداد الرسمي في فلسطين لمدة ثلاثة أيام، وقال عرفات معلقاً على اغتيال صديقه: “ده أخويا.. ده بطل” متسائلا: “من الذي أمر بقتل أحمد ياسين أليس شارون؟” وتنهد أبو عمار وقال “فليفعل شارون ما يريد، اللهم أطعمني الشهادة يارب العالمين”. تحققت أمنية عرفات، فبعد ثمانية أشهر فقط، اُغتيل هو الآخر بعد أن قام الاحتلال بتسميم القائد الفلسطيني، لكن هل سكت صوت البندقية ؟

د. عمر صافي / فرنسا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى