page contents
أقلام الوطن

فلسطين.. هل يقلبُ البرغوتي الطاولةَ على عبّاس؟

من قصر الأمم بالجزائر العاصمة عام 1988، صعد ياسر عرفات المنصة معلناً قيام دولة فلسطين، راح الحاضرون، أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، يصفقون بحرارة، بينما ارتفع في أرجاء القاعة صوت فلسطين، صوت الثورة الفلسطينية، اعتاد الجزائريون على الاستماع إليه كل سادسة مساء عبر الإذاعة الجزائرية، كان عرفات يضغط على مخارج الحروف وهو يعلن قيام الدولة، كما راح يلوّح بيديه للقاعة التي امتلأت عن آخرها، كان الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد يومها حاضراً مرفوقاً بعبد الحميد مهري الذي عوّض محمد الشريف مساعدية الأمين العام السابق للحزب بعدما جرفته أحداث أكتوبر وألزمته بيته.

فجأةً اهتزت القاعة على وقع صوت فلسطين صوت الثورة الفلسطينية، بحقّ القَسم، تحت ظلّ العَلم، بأرضي وشعبي ونار الألم، تحيا بلادي، وأرض بلادي وأَفدي بلادي إلى أن تعود، وتحرير كامل الوطن المحتل، بالجماهير العربية، معبأةً ومنظمةً ومسلحة، وبالحرب الثورية طويلة الأمد أسلوباً، وبالكفاح المسلح وسيلةً، حتى تحرير فلسطين كلّ فلسطين…! استمع جيل ذلك الزمن، بتركيز كبير وحماس فياض، لصوت الثورة ولخطاب عرفات ولتدخلات رفاقه في القيادة الفلسطينية، اعتقدَ حينها أن الجليل وحيفا وعكا قد أضحت فعلاً على مرمى حجرٍ من النصر الفلسطيني، نسى أن الإمبريالية والصهيونية العالمية لن يسمحا أبداً بقيام دولة ولا نصف دولة فلسطينية…!

عام 1982، وعقب الخروج من بيروت، عرض الرئيس السوري حافظ الأسد رغبة سوريا في استقبال القيادة الفلسطينية، لكن عرفات العرض، رفضَ تذوق الطعم السوري، كان يدرك أن وجوده في دمشق سيجعله بين فكي التمساح السوري الكبير…! في الوقت الذي كان فيه الأطفال الفلسطينيون والنساء الفلسطينيات يُذبَّحون في صبرا وشاتيلا من طرف ميليشيات شارون وحلفائه من الخونة اللبنانيين، كانت الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج تجلس أمام التلفاز مسمّرة في أماكنها تتابع ما يجري في بيروت بكلّ حسرة واستياء، في ذلك الصيف الحار، راح جزءٌ كبير من الوطن العربي يتابع باهتمام مباريات كأس العالم التي جرت وقائعها في أندلس الأمس، ظلّ الشارع العربي يغلي، نصف قلبه مع فلسطين، والنصف الآخر مع المنتخب الجزائري…!

في كتابه “ياسر عرفات” يتذكر بسام أبوشريف، أحد القيادات التاريخية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: «حاول عرفات أن يقنع أعضاء القيادة الفلسطينية بالخروج معه، وعدم التوجه إلى دمشق حتى تكون الرسالة واضحة لكنه لم ينجح في إقناع القيادات اليسارية أو قادة يسار فتح بالخروج معه، وقبل ثلاثة أيام من مغادرتنا بيروت إلى طرطوس بسوريا، عقد المكتب السياسى للجبهة الشعبية اجتماعاً طارئاً لبحث الترتيبات النهائية للخروج إلى سوريا، ترأس الاجتماع الدكتور جورج حبش، الأمين العام للجبهة، وبينما نحن منهمكون فى مناقشة الترتيبات، إذا بياسر عرفات يرافقه عدد من المسلحين يدخل قائلاً وهو يضحك: “كبستكم، على من تتآمرون؟”، كان يضج بالحيوية ويمازح ويضحك وهرع نحو الحكيم ليعانقه وجلس قائلا: «اعتبروني عضو مكتب سياسي عندكم، لنكمل الحديث»، وضحك الجميع، وأطرق قليلا وهو يهز ساقه ثم رفع رأسه وقال: اسمحوا لي أن أقول كلمة قبل أن أترككم تتابعون عملكم: رغم ضآلة إمكانياتنا هزمنا شارون وحدنا، عارفين يعنى إيه وحدنا؟ وهم يتصورون أننا نغادر بيروت نحو الاندثار والانهيار، لكن لن نندثر ولن ننهار، ولا أعتقد أن طريق القدس تمر بدمشق، لذلك أقول لأخي جورج تعالى معي أنا رايح اليونان، ومن هناك نتوجه إلى أرض الله الواسعة»، لكن جورج رد عليه بأن القرار هو للمكتب السياسي، وقد قرر الذهاب إلى دمشق، فردّ: «حسنا، إذا جئتكم مودعاً وسنلتقى حتما.

»على رصيف ميناء بيروت، وبعد ثلاثة أشهر من القتال مع المحتلين الصهاينة، وقف ياسر عرفات، كان يتقدم موكباً فيه قادة الحركة الوطنية اللبنانية، قبل صعوده إلى السفينة التي ستغادر لبنان إلى اليونان لوّح بيديه أمام الآلاف الذين احتشدوا فى وداعه قائلا: «أيها المجد لتركع أمام بيروت». كانت تونس “ثالثة المنافي” لعرفات ورفاقه بعد الأردن ولبنان، لكن لماذا تونس؟ كانت القاهرة قد خرجت من الصّف العربي عقب اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة التي وقّعها السادات، كما كان أمراء الخليج يعيشون التخمة النفطية، لم يعد شيئاً يستهويهم، لا القدس ولا بيروت، ظلوا مستمرين في تشييد قصورهم وقلاع فسقهم ومجونهم في دبي والرياض، جلس القذافي في خيمته الصحراوية يشرب الشاي ويدخّن، يستمع تارة لرغاء الإبل، فقد ظلّ يرعاها منذ صباه، وتارة لأغنية “أنت عمري” لأم كلتوم، راح الزعيم الليبي يسبّ الفلسطينين ويشتمهم متّهما أياهم بأنهم رفعوا الراية البيضاء في بيروت، كما لم يتأخر الحسن الثاني في توطيد علاقته مع دايان وبيغن، محاولاً “اقتحام” العقل الصهيوني وكسبه لصفّه بحثاً عن استقرار عرشه، أضحى مال التجار اليهود المتواجدين في كبار مدن المملكة شريانَ حياة المخزن الملكي.

لم يتأخر الرئيس السوري في بثّ رسالته الشهيرة « إن عروبة بيروت أمانة بين أيديكم، فاحفظوا هذه الأمانة، وادفعوا عن نسائها وشيوخها وأطفالها همجية أعداء الإنسانية، واجعلوا معركة بيروت ملحمة مجد، دفاعاً عن كرامة الأمة العربية»، كان الجيش السوري متواجداً في لبنان وقت اجتياح بيروت، ظلّ يتفرّج دون حركة.. ! لم يجد الفلسطينيون في استقبالهم إلا بعض إخوانهم من العرب، توزّعت القوات الفلسطينية التي خرجت من بيروت مجموعات بشرية على بلدان عربية قليلة، منها الجزائر، صارت الثورة الفلسطينية في نظر الكثيرين أشلاءً ممزقة تضمّ الكثير من مشاهد الدراما وهي تحاكي الحزن والفرح في آنٍ واحد. يذكر محمود عباس في جريدة الحياة اللندنية، بأن فكرةً راودته باستئجار جزيرة يونانية: «نعيش فيها في انتظار مقر آخر، إنها فكرة مجنونة وغير واقعية، ولم يتقبلها رئيس الوزراء اليونانى، وفى هذا الوقت بالذات جاءتنا رسالة من الرئيس الحبيب بورقيبة، وكانت من شقين: الأول، شيك بخمسة ملايين دولار مساعدة للفلسطينيين، والثانى: دعوة رسمية لكل القيادات الفلسطينية وكوادرها لكي تأتي إلى تونس إذا رغبت، وكان الأمر بمثابة نجاة» بعد عام من ذلك الخروج من بيروت، استقبلت الجزائر أعضاء القيادة الفلسطينية، قليلون من شدّ على أيديهم، لم يكن القذافي متجاوباً، طالبهم وهم في بيروت بالانتحار على أسوار بيروت، بعد أن وصفهم بالنعاج، ردّ عليه أبو أياد بأن يأتي لينتحر معنا وكفانا دروساً صبيانية. كنتُ أتابع ذلك الرّد الذي أذاعه التلفزيون الجزائري مباشرة عام 1983 بمزيدٍ من التأمل لا يخلو من غبطة. يعلق عبد الرحمن شلغم وزير خارجية القذافي في كتابه “رجال حول القذافي” بأنّ صلاح خلف “أبو أياد” كان يمتلك شجاعة وجرأة عالية في مواجهة القذافي، لم يكن يجامله أبداً، كما يروي رفيق القذافي “عبد المنعم الهوني”، في شهادة له، طلب القذافي من “أبو أياد” تبني “الكتاب الأخضر” الذي يقول عنه أنه النظرية العالمية الثالثة، أجابه المناضل الفلسطيني الكبير، بأنّ الكتاب ليس أكثر من خرابيش صبيان. لم أرَ قائدا فلسطينيا آخر يضاهيه في بلاغته السياسية وقدرته على تفكيك الشفرات، كان يأخذ بالعقول والألباب وهو يتحدّث مرتجلاً، كانت جرأة صلاح خلَف الذي يحمل شهادة جامعية في التربية وعلم النّفس من جامعة القاهرة تقضّ مضاجع زعماء الكرتون الذين ينامون آمنين في الوقت الذي يعيش فيه الشعب الفلسطيني ضنك الحياة ويتذوق مرارتها.

بعد اغتيال خليل الوزير وصلاح خلف، فقدَ عرفات جناحيه الحقيقيين، أضحى القرار الفلسطيني بعدهما سجينَ فريق آخر بعيدٍ عن قاموس الثورة. في دورته لعام 1996 بغزة، واستجابة لإتفاق أوسلو، ألغى المجلس الوطني الفلسطيني مواداً هامة من الميثاق الفلسطيني تنصّ على أنّ فلسطين تشكل في حدودها خلال الانتداب البريطاني وحدة إقليمية غير قابلة للتجزئة وأن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد للوصول إلى تحرير فلسطين. بمجرد أن صعد شارون إلى رئاسة الوزراء، راح يبحث عن رأس عرفات، تكملة لمشواره الإرهابي يوم أن غزا بيروت، جاءته الفرصة الآن، لم يتردّد في دكّ المقاطعة بالدبابات واحتلالها من جديد بالمزنجرات أمام مرأى ومسمع العالم، ظلّ عرفات محاصَراً لعام كامل، لم يجد أصدقاءُ الكيان الصهيوني من الزعماء العرب مبارك والحسن والحسين إلا الصمت أمام تغوّل الجرافات الصهيونية وهي تدمّر أسوار المقاطعة وتعيث فساداً في مقرّ القيادة الفلسطينية، حدث هذا في الوقت الذي كانت فيه القاهرة وعمان والرباط تستقبل الزعماء الصهاينة في تحدي صارخ للقرارات العربية والدولية.

قبل أن يجرأ الخنزير الصهيوني على تمزيق كلّ ما يجد أمامه من اتفاقات وتفاهمات دولية، لم يجد عرفات من أنيس له في المقاطعة إلا محمود عباس، فصديقه فاروق القدومي رفض أن يدخل فلسطين وهي محتلة، وبالرغم أنه لا يقبل أن ينازعه أحدٌ القيادة أو الزعامة ولا يثق كثيراً في قدرات عباس ولا في طموحه، كان عليه أن يدفع رفيقه “السوبرمان” إلى الواجهة ثم يضعه تحت المراقبة، ومن أجل ردع ذلك الطموح، فكّر عرفات في استراتيجية ما، كان عليه أن يخلق معادلة توازن، أطلقَ العنان لانتخابات رئاسية وتشريعية في أراضي الحكم الذاتي، وهي الانتخابات التي تعاملت معها حركة حماس بذكاء كبير، ظلّ أحمد ياسين وعرفات صديقين رغم اختلافهما في التكتيك، كان الأول يرفض الاعتراف بشيء اسمه إسرائيل ولا يؤمن إلا بتحرير الوطن من النهر إلى البحر عبر الكفاح المسلح، في حين تعلّم الثاني من تجاربه المريرة، أنّ الحلم الكبير سيظل الآن بعيد المنال، فخيمة واحدة تكفيه للنوم في حضن الوطن الفلسطيني، وتجنّبُه التّسوّل في شوارع بلدان العروبة وتحميه من مساومات أنظمة البخل والعار.

لم يقبل عرفات التنازل عن بعض صلاحياته لمحمود عباس إلا بعد أن صار بين فكي التمساح، أصبح محمود عباس الآن يمسك بآلة المقاطعة وقد سيطر على وسائلها وإمكاناتها المالية الهشّة، حاول أن يقرّب إليه الوزراء وكبار كوادر حركة فتح، غير أنه ما لبث أن اكتشف أن السلطة ليست تحت تصرفه بالكامل، فأجهزة الأمن ظلّت وفية لياسر عرفات، كما أن المجلس الوطني التشريعي يخضع أغلب أعضائه لرجل آخر أثبت جدارته وولاءه لعرفات هو أحمد قريع، كان كلّ من محمود عباس وأحمد قريع كتوأم حيناً ويتباعدان إلى حدّ النفور أحياناً. في الوقت الذي أخذ فيه الشعب الفلسطيني يراقب المشهد بمفارقاته ومفاجآته، كان عرفات ومحمود عباس يحفران لبعضهما البعض بعيداً عن أعين الكاميرا، أفاق الأول بعدما عرف حجم المكيدة، تحالف رفيقه مع الإدارة الأمريكية وسلطة الاحتلال، لم يتردد عرفات في نعث رفيقه بــ”كرزاي فلسطين”. أدرك الزعيم الفلسطيني أن المسألة أعمق من مسألة مَن يحكم، كان يريد أن يدفع بأكاذيب غريمه إلى الأمام لكشفه أمام الملإ، رضى بالحلول الجزئية مؤقّتاً، لكنه نسى في خضم الإحداثيات الجغرافية والتحولات السياسية الجديدة أن الثورة على باب التصفية والاغتيال، فالأهداف الكبرى لم تعد تصمد أمام التحديات الكبرى، بالمقابل، راح محمود عباس يؤكد أن المقاومة لا تنتج إلا المآسي، في أثناء تلك الازدواجية الخطيرة، أُشربَ عرفات السّم من كأس الخيانة، وهي الجريمة التي يقول عنها القارئون لأبراج السياسة ومفكّكو المعادلات الرياضية المعقدة أنّها إسرائيلية بامتياز، نُفذت بأيدي فلسطينية تقطن الخيمة هي أيضاً…!

هذه الأيام، لم يعد محمود عباس ينم جيّدا، مرة أخرى وجد في نتنياهو التضامن والتّفهم والتعاون، يظل هذا الأخير يرسل له، وهو الذي يسكن على بعد كيلومترات قليلة من المقاطعة، أقراصاً طبية تعيد له حيويته وتبعث فيه النشاط اليومي، فالرجل قد تخطى السادسة والثمانين من عمره، لقد احتفل بعيد ميلاده منذ أيام فقط، استقبل المعجبين به، كما تلقى التهاني والأماني بطول الصحة والعمر، بدا في صحّة جيدة رغم انتفاخ أوداجه مع تغّير كبير حصل في أقسام وجهه وهيكل جمجمته، بات سميناً أكثر من اللازم، كما باتت عيناه مغمضتيْن وعميقتيْن خلف نظاراته الزجاجية، ليس هذا ما يقلقه، هناك شيء آخر بدا له غير طبيعي، لقد قررّ السجين مروان البرغوتي القيادي في حركة فتح وناصر القدوة ابن شقيقة عرفات ووزير الخارجية السابق لفلسطين وممثلها في الأمم المتحدة رفع التحدي بالتقدم للانتخابات التشريعية القادمة التي ستُجرى في شهر ماي المقبل عبر قائمة سميت بقائمة الحرية. رغم المحاولات العديدة التي بدلها عباس عن طريق مبعوثيه لثني البرغوتي والقدوة وسحب قائمتهما، إلا أنّ محاولته باءت بالفشل، قام محمود عباس بطرد القدوة من حركة فتح، لكن استطلاعات الرأي أعطت التّقدم لقائمة الحرية على نظيراتها من القوائم الأخرى، فهل حان الوقت لقلب الطاولة على ساكن خيمة المقاطعة برام اللّه ؟

د. عمر صافي/فرنسا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى