page contents
أقلام الوطن

في الذّكرى الخمسين لـ”تأميم المحروقات”.. تحدي الانتقال الطّاقوي

العتبة الثّانية

لا يمر يوم دون صعود إلى الواجهة رئيس بلدية أو حاكم أو مقرر سياسات أو فاعل في فضاءات المنظومات القائمة أو محلل مندفع بحماسة للمطالبة بالإسراع في الانخراط ضمن المسعى العالمي لـ”التحوّل الطاقوي”، تبعاً للأجندات المسوّق لها في “آفاق 2030 أو 2040 أو 2050”.  ولا يمر أسبوع دون نشر شيء يتعلق بالتنبؤ بمستقبل ثوري للطاقة متحرر من “عبء” المحروقات التي زوّدت المجتمع العالمي لقرون وغذّت حاجاته ومطالبه التنموية، مستقبل يعتمد بالكامل على طاقة الرياح والطاقة الشمسية والبطاريات الكهربائية.

لكن، دوري كباحث هو التنقيب في الخفايا عن الخبايا والعمل على إبانتها وإظهارها، حتى يطارد الجميع “الجربوع”، والإمساك به، والعمل على فهم آلية توليده للماء وصناعته له، حتى يكون لمشقة المطاردة مغزى، ولعناء التخطيط معنى ولحفظ كرامة الجمع مبنى، بدلاً من التشبث بالوهم واشتهاء اللحم.  لذا، دوري ليس الانبهار والانسياق والترويج.  دوري هو النقد والجرح والتعديل والتبيان والبرهان والتوقيع، حتى ولو اكتسبت الادعاءات التبشيرية الجريئة شعبية جارفة!

من متاهة المنظومة إلى ملهاة أحلام المرافعات ! لكن ماذا تخبرنا الرياضيات وما رأي قوانين الفيزياء ؟!

  1. ثورة التحول الطاقوي. . سيرورة بطيئة بحاجة إلى مسرع!
  • البحث العلمي هو المسرع

يمكننا الإدرك أن ثورة التحول الطاقوي للخروج من قبضة “الهيدروكربونات” استعرت مباشرة بعد استخدام الدول العربية لـ”النفط” كسلاح إستراتيجي في معركتها مع الكيان الصهيوني وحلفائه من الدول الصناعية الداعمة له في حرب الـ 1973، فنشأت منذ ذلك الحين حركة دؤوبة متنامية عبر خمسة عقود من الزمن تنادي بـ”الاستبدال الطاقوي”.

في سنة 1970، كان العالم يتزود طاقويا بنسبة (85,54%) من المصادر الطاقوية الأحفورية (نفط، فحم، غاز)، لكن ما نتج عن كلّ خطط التحول الطاقوي والمناخي هو “صعود الغاز الطبيعي” واكتسابه حضوراً قويا في مزيج الطاقة العالمي، حتى صار الوقود الذي يُراهن عليه اليوم ومستقبلا. واليوم بعد 50 سنة، ما تزال المصادر الطاقوية الأحفورية تسيطر على هرم مزيج الطاقة العالمي بـ (81%) منه، موزعة كالتالي (31% نفط و27% فحم و23% غاز)، بمعنى أن هذه المنظومة (التي توصف بالتقليدية) كانت تخسر تقريبا نقطة مئوية واحدة كل عشر (10) سنوات. وحين نتطلع إلى المستقبل بعد 25 سنة من الآن، سنجد أن الطاقة الأحفورية ستبقى مهيمنة على مزيج الطاقة العالمي بـ (73%) وهي تتوزع على (النفط بـ28% والغاز بـ25%،  والفحم بـ 20%)، حيث سنبقى نشهد صعودا للغاز الطبيعي، في الوقت الذي يخسر فيه الفحم سبعة (7) نقاط مئوية كاملة لصالحة الطاقة المتجددة الحديثة. خلال الفترة المقبلة المقدرة بـ “ربع قرن”، أي حتى سنة 2046، ستفقد منظومة المصادر الطاقوية الأحفورية نقطة مئوية واحدة كل ثلاث سنوات ونصف السنة (3,5 سنوات)، أي بوتيرة ثلاثة (3) أضعاف أسرع من مرحلة الخمسين سنة الماضية، وهي وتيرة التحول الطاقوي العالمي، لكن رغم ذلك يبقى “الوقود الأحفوري” مهيمناً على ثلاثة أرباع (3\4) المزيج الطاقوي أو بأقل بقليل من ذلك.

  1. من خوف إلى خوف. .!

بدأت قصة “التحول الطاقوي” بالخوف من نفاد النفط، لينتقل هذا الخوف إلى “الرعب المناخي” مع تحميل النفط كلّ مآسي “الاختلال المناخي”، ومع ميلاد هذا الخوف الجديد تصاعدت المخاوف البيئية التي تُغذّيها التنبؤات بإمكانية انقراض الجنس البشري، لذا لم يعد بإمكان المجتمع العالمي تحمل المزيد من حرق النفط والغاز الطبيعي والفحم، والتي تبين أنها كلها ما تزال وفيرة، فأستبدل الخوف بخوف جديد لتغذية التحوّل، ولم يقع التحوّل الموعود والمنشود منذ 50 سنة خلت، فهل سينجح “تحول طاقوي مجتمعي” تأسس على الخوف ؟!

  1. البحث العلمي حجر الزاوية في “التحوّل الطاقوي” وتحقيق “اختراقات” فارقة

لن تنجح “ثورة الطاقة” التي يُغذي وهجها عَرَّابُو أرباب الجيوسياسة الجديدة ومُرَابُوها، ولن يتجسد “التحول الطاقوي” الذي يرافع لصالحه أرباب الإعلام العالمي، إلا من خلال السعي مجددا خلف العلوم الأساسية، بينما نجد اليوم (95%) من الإنفاق على البحث العلمي والتطوير التكنولوجي المتأتي من القطاع الخاص أو الحكومي موجه إلى “التنمية” وليس البحث الأساسي.

إن تحدي التحوّل يستوجب تحقق “معجزات” علمية، لأن تاريخ التحولات المشهدية المُدهشة حدثت بفعل قفزات معرفية مُبهرة حدثت “خارج الصندوق”،  ونبعت من تفكير بعيد عن “عطالة السائد وأقفاصه” الذي ينحو أحيانا للاحتفاء بالأوهام والخيالات”. لنتذكر جيدا بأن العمل المعرفي المُضني المقدم بالأمس، لم يُبخس – آنذاك – حق تلك التقنيات السائدة، بل كان يستمتع بأفضالها حتى وإن كانت محدودة، حتى وإن كان التفكير -آنذاك ف- ي مآلاتها مُريبا ومخيفا ومُرعبا أحياناً، لكن هذه الجهود العلمية لم تعقد حبل مصيرها بوتد هذه التقنيات المُبهجة آنذاك، واستمرارها، وبذلك خرجت الإنترنت من خارج خطط دعم الهاتف الثابت وخطوط اتصاله، كما ولد الترانزستور من خارج رحم “الأنابيب المفرغة” ودعمها والاستثمار فيها، كما تطورت السيارات من خارج خطط الانشغال بالمناطيد ودعم أبحاث الغازات.

  1. لماذا التركيز على تقديم الكلفة بـ(KWh) بدلاً من التكلفة المعيارية للطاقة (LCOE)؟

للتدليل على انخفاض سعر الكهرباء المنتجة من المحطات الشمسية الكهروضوئية عالميا، وبأنها كسرت أسعار الكيلوواط ساعي (KWh) المنتجة من المحطات الكهربائية المُشغّلة بالغاز الطبيعي، يستحضر البعض مشروع الظفرة بأبو ظبي لإنجاز محطة شمسية كهروضوئية بقدرة 1500 ميغاوات (أفريل 2020) كنموذج، هذا المشروع الذي حاز عليه إتلاف دولي للأعمال التجارية (كونسورسيوم) المشكّل من (EDF – فرنسا) و(Jinko Power – هونج كونج)، حيث سيكون سعر الكهرباء المنتجة بالمكافئ من العملة الوطنية حاليا (1,78 دج/كيلوواط ساعة). نعم هذه حقيقة، لكن بُغية الوصول إلى فهم أعمق للجدوى الاقتصادية للمشاريع فهناك مقياس أساسي ينبغي لنا العودة إليه، حتى نتفادى إعطاء صورة خادعة عن أسعار منتجات الطاقة. وهنا ينبغي تقدير التكلفة المعيارية للطاقة (LCOE) التي تعدّ مقياسا أساسيا لتقييم الطرق البديلة لإنتاج الطاقة ومقارنة جدواها الاقتصادية، ويشار إليها باسم التكلفة المعيارية للكهرباء أو التكلفة المستوية للطاقة أو تكلفة الطاقة الموحدة، وتكمن أهمية استخدام هذا المقياس في إمكانية تحديد صلابة ربحية المشروع وأفضليته المالية والاقتصادية مقارنة مع أي مشروع آخر مثيل أو منافس له، وما إذا كان المشروع سوف يكسر نقطة التعادل التي تتساوى فيها التكلفة الإجمالية وإجمالي الإيرادات. عندما يتعلق الأمر بإنتاج الطاقة، فإن مصادر الطاقة المختلفة تستدعي نماذج مالية مختلفة، حتى داخل الفئة الكهروضوئية للطاقة الشمسية نفسها،  لذلك غالبًا ما يتم الاستشهاد بـ (LCOE) كمقياس موجز مناسب لإبراز القدرة التنافسية الشاملة للتقنيات المختلفة لتوليد الطاقة.

في تقرير شهر فيفري 2021 الذي نشرته إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، التي تأسست في بداية شهر أكتوبر من سنة 1977، وهي وكالة رئيسة تابعة للنظام الإحصائي الاتحادي للولايات المتحدة وهي المسؤولة عن جمع وتحليل ونشر المعلومات عن الطاقة، لتعزيز الفهم العام للطاقة وعلاقتها البينية مع الاقتصاد والبيئة، نجد تقديرات لكلفة عديد الأنظمة الطاقوية وفقاً لمقياس (LCOE) أو التكلفة المعيارية للتخزين (LCOS) للموارد الطاقوية الجديدة التي ستدخل الخدمة في عام 2026، حيث تُقدر التكلفة المعيارية المرجحة بالنسبة إلى محطة توربينات الغاز ذات الدورة المركبة بـ (34,51 دولار لكل ميغاواط ساعي)، وللطاقة الحرارية الجوفية الأرضية بـ(36,02 دولار لكل ميغاواط ساعي)، وتُقدر بالنسبة إلى بطاريات التخزين بـ(121,84 دولار لكل ميغاواط ساعي)، وفي حالة طاقة الرياح البحرية (115,04 دولار لكل ميغاواط ساعي)، وفي أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية الهجينة المزودة بنظام تخزين موسمي ونهاري (45,13 دولار لكل ميغاواط ساعي)، ولأنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية المقترنة بنظام تخزين (بطاريات) لمدة أربع ساعات فقط بـ (31,30 دولار لكل ميغاواط ساعي)، وفي طاقة الرياح الأرضية (31,45 دولار لكل ميغاواط ساعي). وقد قامت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بحساب جميع التكاليف والقيم على أساس فترة استرداد للتكلفة على مدى 30 عامًا.

  1. خاتمة

هناك، اليوم، من يستحضر مقولة “العصر الحجري لم ينته بسبب النقص في الحجارة، وأن عصر النفط سينتهي قبل أن ينفد النفط” التي قالها وزير النفط السعودي أحمد زكي اليماني في سبعينيات القرن الماضي، هذه الشخصية غير العادية التي غادرت عالمنا منذ 5 أيام عن عمر ناهز 90 عاماً، لكن استدلالات اليوم التي تتكئ عليها بعض الأطروحات ليست دقيقا تماما، لأنه بمقاصد المنفعة التي يجري استجلاب المقولة لها، نستطيع القياس والقول بأن العصر الحجري لم ينته قط، فهو ما يزال ماثلا حتى اللحظة بحجارته التي ما نزال نستخدمها في بناء المنشآت والمعالم وفي المعادن التي نستخرجها وفي صخورها التي نسبك بها مواد يتزايد الطلب عليها عالميا، حتى أن تحدي الانتقال الطاقوي الذي يجري الترويج له هو أسير “جيوستراتيجية المعادن الأساسية والحيوية والحرجة وفلزات الأتربة الأرضية”.  فما انتهت الحاجة إلى الحجارة حتى ولو انقضى العصر الحجري، كذلك الحاجة إلى النفط ستبقى قائمة حتى ولو قررنا الإعلان عن “نهاية عصر النفط”.  قرروا ما شئتم من تسميات؛ فأنا يهمني مدى استمرار وجود النفط والحاجة إليه.  وهل إذا تمكنا من وضع رجل على سطح المريخ، يمكننا الإعلان عن هجرة جماعية إليه ؟! كذلك ينبغي النظر إلى “التحوّل الطاقوي العالمي” فهو أشبه ما يكون بوضع البشرية جمعاء على سطح المريخ بشكل دائم.  وكذلك تحوّل بعض الدول نحو منظومات طاقوية بديلة بشكل لافت، هو يشبه وضع بضعة أشخاص على سطح كوكب خارج الأرض عدة مرات، فهو مبهر، لكنه قد لا يمسنا حتى وإن كان يعنينا بشكل ما.

في العتبة الثالثة، بإذن الله، سنستدعي قوانين الرياضيات والفيزياء لتخبرنا عن الحدود القصوى التي يمكن أن تحققه المرافعات القائمة والمبشرة بـمنظومة الْخُلْدِ والمُلْك الذي لا يَبْلَىٰ لقوى الهيمنة التكنولوجية العالمية.

بقلم: د. مهماه بوزيان – باحث وخبير في الشّأن الطّاقوي والاستشراف الاقتصادي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى