page contents
أقلام الوطن

في النسبية والكمال

بقلم السعيد بوطاجين

نشرت قبل سنين مقالا حول النسبية التي يتعامل بها بعض الكتّاب والمفكرين والأكاديميين وعامة الناس، وقد أسست على كتاب الكشّاف للزمخشري في طريقة تفسير القرآن الكريم، وإذا كان صاحبه أحد أقطاب اللغة والبلاغة، فإنّ منهجه في الشرح يدعو إلى التفكير في طريقة التعامل مع أيّ منجز بشري، إلى إعادة النظر في علاقاتنا مع الخطابات والأشياء، وفي منظورنا اليقيني تجاه الموضوعات، بما في ذلك ما يبدو مجرد مسلّمات.

شبهت النشاط الذهني للزمخشري بجهد هنري بوانكاريه، وبطريقة تفكير   أينشتاين في مبدأ النسبية. أجد هذا الكتاب ذا أهمية استثنائية في معالجة قضايا تتعلق بالكتابة والقراءة والتأويل والجدل والتفسير، وما كان ذا علاقة بالموروثات.

هناك مسألة مثيرة يؤسس عليها، ويمكن الكشف عنها من خلال المتن وسياق القول وطرائق التقديم والتدليل: التنوع المرجعي  الذي بنى عليه في التعامل مع الحقول المعجمية وأسباب النزول، ومع المعاني والسياقات والممكنات التأويلية، وقد نستشف ذلك أيضا من خلال الإحالات التي يعتمدها في أيّ تفسير للكلمات والأفعال وادوات العطف وحروف الجرّ، حتى في حالة البداهة الظاهرية، إذ عادة ما يختم اجتهاداته بنوع من الإمحاء أمام حدود المعجم والجملة والدلالة: والله أعلم. أجد هذه العبارة عاجزة أمام المشكلة اللسانية والبلاغية وقضايا التفسير والتأويل في المجالات الخطابية، خاصة عندما تكون النصوص مفتوحة.

الحدة التي تسم جدلنا اليقيني ناتجة عن الأطر المغلقة للمنظومة المعرفية التي تحاصر وجودنا في حقول معرفية معقدة، وفي المرجعيات المعيارية التي تتحكم في الرؤية وتحدّ من عبقرية المخيال وتنوع أوجه الحقيقة، في انفتاحها على الفرضيات.

المرجع والتموقع أساسيان في الحكم على الشيء، وقوتان ضاغطتان على الفرد الذي يفسر وفق منطلق قار يعتبره حقيقة، غير مدرك للمقامات ومسألة الذوات المنتجة للنص، أو المؤولة له كما في حالة الظاهرة القرآنية. لقد لخص جان بول سارتر مسألة الموقف من المادة المبأرة في جملة غاية في النباهة: “الواقع هو العين التي تراه “، وهذه العيون تشتغل في إطار مستويات متباينة من التلقي والادراك.

لا يمكن الحديث عن مادة ثابتة ذات وجه واحد، الواقع نسبي ومتحول من راء إلى آخر. الشيء ذاته يتواتر مع الزمخشري في الكشاف. لقد كان يتعامل مع الكلمات بحذر العالم الذي يهاب الأحكام المنتهية انطلاقا من متكأ عينيّ، وبتواضع العالم والبلاغي المطلع على مختلف العلامات والسياقات والمضمرات والإحالات.

لم يلجأ إلى القول الفصل، رغم زاده المعرفي الذي لا يقارن بأثاثنا الهش، ولم يلغ الأسئلة التي يمكن أن توجهه إلى دلالات أخرى تخص سياق البيان في علاقته بالتبيين، أي أنه سعى، كعارف بأسرار الكلمة ووضعها ومستويات استثمارها، إلى الأخذ بزوايا النظر وحمولتها وممكناتها التأويلية، هو الذي نبغ في علم اللغة وفقهها ظل منتبها إلى إمكانات اللفظ، حمّال الوجه هذا الذي قد يوقعنا في الخطأ.

وعندما يعجز الزمخشري عن تحديد معنى كلمة نراها بسيطة، من منطلقنا الذي يعامل الأمور بيقين مطلق، فمعنى ذلك أننا دخلنا مرحلة من النمذجة التي لا تختلف عن عسكرة العقل. كان الزمخشري يعتمد على مجموعة من المساند لتفسير الكلمات التي تشكل البسملة على سبيل التمثيل، بداية من حرف الجر، إلى اسم الجلالة، إلى أسباب تقديم الرحمن وتأخير الرحيم، وكان يؤصل ويضبط من أجل الإحاطة بقضايا المعنى.

أمّا العسكرة التي تميز نقاشنا، فعادة ما تكون ذات علاقة سببية بجهل المرجعيات والمسارات والأصول والتشكلات والحقول المعجمية، أو بمحاولة تقنينها وفق خيارات ليست مؤهلة لصناعة معرفة تحصن الخاص والمتباين، ومن ثمّ الإسهام في تكوين موقف يتأسس على اليقين الذي يبني على جهل التحولات، أو عن عجز عن الانفتاح على المستويات الدلالية وتقريبها من المتلقي، دون غلق الممكنات التأويلية.

العالم هو من يدرك النسبية فيتعامل مع المعرفة بتردد، وبتواضع الإنسان الذي سيظل دائما في بداية الطريق إلى العلم. وأمّا المستخفّ بالعقل والثقافة فيأخذ شذرات المعرفة كمعادلات منتهية لا يمكن نقضها لأنها الحقيقة الوحيدة التي يريدها، جاهزة وقابلة للاستهلاك المدمّر. الثقافة ليست أجزاء متناثرة لا يربطها رابط، وليست تقديسا للذات المنتجة، او المؤولة.

عقدتنا تكمن في هذه المعرفة الإلهية التي تلازم الأشخاص والجماعات والتكتلات الأحادية، أي في استبدال مرجعية عارفة بمرجعية متشظية، أقلّ معرفة وصفاء وإحاطة بالموضوعات، وأكثر قابلية لتخريب المعرفة كإمكانية مفتوحة على الفهم المتعدد. إنها تقويض لزاوية نظر صنمية، مؤسسة معرفيا، واستبدالها بزاوية نظر مضادة أكثر تنميطا للثابت، وأقلّ شأنا من حيث الزاد، زاوية نظر ضد الفرضيات، وضد التباين والاجتهاد، وضد القراءات النسبية.

لا يوجد إبداع لا يقبل النقد والتنازلات التي يفرضها التطور المستمر للمنظومة المعرفية والفكرية في نموّها الحلقي، إن نحن استعرنا مصطلح تشيرنيشيفسكي، كما لا يمكننا أن نتصور منجزا بشريا يعتبر المساس به مساسا بالذات الإلهية، ولا يمكن أن تكون هناك ثقافة قابلة للنموّ والتقوية ما لم تستعمل، ولو ضمنيا، أفعالا من نوع: يبدو، أرى، أتصوّر، أزعم، الظاهر أنّ… والله أعلم. كما فعل الزمخشري، وكما يفعل أكبر الكتّاب والمثقفين في هذه المجرّة التي تستحق أن ننمحي أمامها بالنظر إلى اتساع علاماتها، وإلى محدوديتنا كبشر متحولين: الموقف ليس أنا، والباقي توابع لا وزن لها: المعرفة هي السؤال الخالد، الشكوك التي لا تنتهي إلا بانقراض الإنسان.

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. لا يمكن لأي عمل فكري،او ابداعي ان لا يعرض على مصفاة النقد.
    النقد ضروري لكل عمل ليجلو محاسنه، وينبه الى خلاله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى