page contents
أخبار الصحافةملفات

فَوضى الإعلامِ.. سِياسةٌ أم حَتميّةٌ ؟!

ورشاتٌ عَديدةٌ فُتحت لمُعالجةِ اختِلالاتِ القِطاع في انتِظار النَّتائجِ

تعاني الممارسة الإعلامية في الجزائر من فوضى عارمة، تشوبها عدة اختلالات، لاسيما في السنوات الأخيرة؛ فرغم تعدد القنوات التلفزيونية، وإحصاء عشرات العناوين في الصحافة الورقية والإلكترونية، إلا أن الممارسة الإعلامية تبقى عرجاء، حيث تتشابه المحتويات، كما أن أغلب المؤسسات الموجودة يطغى على مضمونها التزلف المفرط، والدعاية للنشطات البروتوكولية لأعضاء الحكومة، فضلا عن أن الكم الموجود في القطاع لا يعكس أي تميز أو محتوى مهني يعبر عن انشغالات المواطن، ويساهم في تنوير الرأي العام ويجعل من الصحافة سلطة مضادة حقيقية. أما بخصوص الإعلام العمومي، فحدث ولا حرج، وذلك ليس إلا نتيجة حتمية للمناخ السياسي في البلد.

ما عدا قلة قليلة من العناوين التي تحاول وتسعى جاهدة لترجمة الرسالة الإعلامية المرجوة، وذلك بالوقوف إلى جانب الطبقات الهشة والمهمشة، والتعبير عن انشغالات المواطنين الحقيقية وتنوير الرأي العام بفتح نقاشات في المواضيع التي تهم حياته اليومية وتستجيب لتطلعاته، فإن أغلب الوسائل الإعلامية في بلادنا لم تعد تحمل من ذلك إلا الاسم، بعدما حادت عن تقديم الخدمة العمومية المرجوة، وإن وجدت بعض المؤسسات الحريصة على ذلك، فإنها تعد على أصابع اليدين، كيف لا والعشرات من العناوين لم يعد يهمها سوى عدد صفحات الإشهار العمومي التي تصل إليها، بعد أن تفرخت في السنوات الأخيرة عشرات العناوين من الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية، أصحابها دخلاء لا علاقة لهم بالمهنة.

صحفيون وتقنيون مشرّدون!

أما الشق المتعلق بعمال القطاع، فالأمر كارثة بكل المقاييس، كيف لا ومئات التقنيين، والصحفيين يعانون البطالة والتشرد، بعدما فقدو مناصب شغلهم جراء غلق عدة مؤسسات إعلامية إثر الزج بأصحابها بالسجون لتورطهم في قضايا فساد، أضف إلى ذلك هشاشة العلاقة بين الصحفي والمؤسسة الإعلامية، فضلا عن مشكلة التكوين التي تبقى ضعيفة بكل المقاييس، ما يساهم بشكل أو بآخر في تدني مستوى الخدمة الإعلامية المقدمة، وينعكس سلبا على الأداء الإعلامي برمته، وكذلك حرية التعبير.

ولا يخفى على أحد أن للمناخ العام الأثر الكبير على الممارسة الإعلامية، فلا يمكن تصور هامش كبير لحرية التعبير وأداء إعلامي متميز وسط منظومة سياسية مهترئة، تفتقد إلى شروط الممارسة الديمقراطية الحقيقية، فالإعلام يبقى صورة طبق الأصل بل واجهة البلد الذي ينشط فيه، وللأسف في بلادنا لا تزال الإرادة السياسية غائبة للدفع نحو الممارسة الإعلامية الأمام والارتقاء بها، رغم الورشات المعلن عنها والمفتوحة من قبل وزارة الاتصال لإصلاح القطاع.

دخلاء وطفيليون يقتحمون المهنة للثراء

بالرغم من التطور الحاصل في مجال الإعلام الورقي والتلفزيوني والرقمي(قنوات جزائرية المحتوى أجنبية المنشأ)،  وتسجيل عشرات الصفحات الإخبارية التي تعج بها مواقع التواصل الاجتماعي، التي يمكن أن تساهم بشكل أو بآخر في توسيع هامش حرية التعبير لكن تبقى هذه الأخيرة تراوح مكانها نظير الضغوط التي تتعرض لها وسائل الإعلام، بل وحتى مع الجرأة التي تتميز بها الكثير من العناوين التي ما فتئت تضع أصبعها على الجرح يوميا من خلال المواضيع المتناولة وطريقة تناولها، وكيفية تقديمها للخبر، ومعالجتها للقضايا المختلفة، لكن يبقى ذلك غير كاف أمام العوائق التي تحول دون الوصول إلى المعلومة في كثير من الأحيان، وصعوبة تكريس صحافة استقصائية قوية، بالإضافة إلى تسجيل عدة عوامل موضوعية تجعل الخدمة الإعلامية منقوصة أو تفتقد للاحترافية المرجوة، على غرار اقتحام هذه المهنة من قبل غرباء وطفيليين لا علاقة لهم بالإعلام،  همهم الوحيد هو استغلال الصحافة من أجل الثراء بحلب أموال الإشهار الذي يفتقد إلى قانون ينظمه، ما جعل لدرجة النفوذ دور بالغ في الاستفادة منه.

لا أثر للإطار التشريعي في الميدان

وإلى غاية إثبات العكس، وبالرغم من الإطار التشريعي الذي يحظى به قطاع الإعلام في الجزائر، إلا أن لا أثر لما هو مدرج في البنود القانونية على أرض الواقع، ما يطرح علامات استفهام كبيرة عن السبب الذي يجعل القوانين غير مطبقة في هذا المجال، رغم أن القطاع يزخر بكفاءات وإطارات أثبتت خبرتها وتحكمها ومهنيتها في الداخل والخارج.

أمام كل هذا، لم تعد ذكرى الثالث من ماي من كل سنة سوى مناسبة لاستعراض واقع هذه المهنة”البائسة” في بلادنا، رغم أنها في الأصل نبيلة، وتبقى المسؤولية مشتركة بين مختلف الفاعلين في الميدان لتحقيق القفزة المرجوة، لكن نصيب السلطات العمومية من المسؤولية يبقى أكبر، بالنظر إلى أن من واجبها وضع حد للفوضى السائدة، وتنظيم القطاع بما يخدم صورة البلد، الذي يبقى بحاجة ماسة إلى إعلام قوي يكشف الفساد ويفضح الفاسدين، ويساهم في تقويم الاعوجاج أينما كان، ويساهم في إرساء الديمقراطية الحقة، ويقدم صورة مشرقة طالما انتظرها الكثيرون في زمن أصبحت فيه الصحافة مرآة المجتمعات، إن هي صنتها صنت البلد ككل.

فاتح إسعادي

رئيس المجلس الوطني للصحفيين الجزائريين رياض بوخدشة لـ”أخبار الوطن”:

“إعلامنا يتّجه إلى صراع محموم مع رداءة غير مسبوقة”

“أخبار الوطن”: ما هو تقييمكم لوضعية قطاع الإعلام في الجزائر؟

رياض بوخدشة: لم يحقق قطاع الإعلام أي تقدم نوعي في سلم الاحتراف المهني، فرغم أن الدولة تضخ أموالا ضخمة جدا في القطاع لا تملك الجزائر وسائل إعلام قوية التأثير،  ولم يجد الصحفيون الجزائريون منذ الاستقلال مكان عمل تتوفر فيه الشروط المهنية والاجتماعية والاحترافية التي بلغتها الكثير من الدول.

لقد طغت الجوانب التجارية ونزعة تحقيق الثروة من المال المخصص لدعم الصحافة على حساب تحقيق عمل إعلامي وطني نوعي يواكب رغبات المجتمع الجزائري في التطور، ويكون في مستوى مواجهة التحديات التي يفرضها صراع السلطة الرابعة عبر العالم، فبقت الجزائر في موقع المدافع عن مصالحها بصوت إعلامي هزيل، ضيع عنها الكثير من فرص التموقع، فكثير من فئات المجتمع باتت تتشكل لديها نظرة سيئة عن الصحافة والصحفيين، بسبب انحراف مراسلي الصحافة وممثليها عن أدوارهم الحقيقية. 

ماذا ننتظر لتنصيب الهيئات التي نصّ عليها قانون الإعلام، مثل سلطة ضبط الصحافة المكتوبة ومجلس أخلاقيات المهنة؟

كل يوم يمضي هو تضييع للوقت وتفويت لفرص إرساء إستراتيجيه إعلامية وطنية متكاملة، كنا في المجلس الوطني للصحفيين الجزائريين قد عبرنا في أكثر من مناسبة عن تخوفنا من غياب إستراتيجية عمل إعلامي، وبقاء التعامل مع مشاكل القطاع بالاجتهادات الفردية، ولذلك اليوم نحن فعلا في واقع معقد يصعب الخروج منه إلا بتوفر إرادة سياسية عالية، فقد حصل المكروه الذي حذرنا منه ولم يعد بمقدور أي جهة بمفردها تنظيم المهنة، فهيئات الضبط التي نص عليها القانون العضوي المتعلق بالإعلام تجاوزها الزمن وبات ضروريا، مراجعة القانون العضوي المتعلق بالإعلام والتفكير في هيئة ضبط مركزية.

إلى أين يتجه القطاع في ظل المعطيات الحالية؟

يتجه إعلامنا إلى صراع محموم مع رداءة غير مسبوقة فرضها الاستغلال السيئ لمواقع التواصل الاجتماعي وسوء توظيفها في العمل الصحفي. فقد برزت فئة ممن ينسبون أنفسهم إلى مهنة الصحافة لا تفرق بين الكتابة الصحفية والتدوين والنشر على وسائط التواصل الاجتماعي، وساهمت هذه النظرة الخاطئة في تمييع ما يعرف بالإعلام الحديث أو الصحافة الإلكترونية، وبرزت في زمن قياسي جدا مواقع تنسب نفسها للصحافة الإلكترونية بينما الصحافة الإلكترونية بريئة منها براءة الذئب من دم يعقوب، إنهم دخلاء جلبهم خطاب الإغراءات المادية إلى القطاع، فأكثر من 200 موقع ظهر بدافع الاستفادة (الموهومة) من أموال الإشهار، ولا يملك أصحاب هذه المواقع أيّ أفكار ومضامين إعلامية متميزة تشكل إضافة نوعية للمحتوى الإعلامي في بلادنا.

ما المطلوب من أجل إرساء إعلام قوي؟

المطلوب لإرساء إعلام قوي أمر بسيط جدا، هو التخلي عن الأنانية ووضع مصلحة الجزائر ومصلحة الشعب الجزائري فوق كل اعتبار وبدأ جلسات حوار منظم، تختلف تماما عن الجلسات التي رأيناها في السابق لأنها فاشلة وغير محترفة، وننطلق في نقاش جدي ثنائي وثلاثي ورباعي بين (الصحفيين، الناشرين، الخبراء الأكاديميين، والحكومة).

هذا الحوار سيؤدي بالضرورة إلى تشخيص أسباب التخلف والفوضى ويضع توصيات مشتركة لانطلاقة جديدة، تركز على حسن توظيف ميزانية القطاع، وإعطاء الصحفيين باعتبارهم المحرك الرئيسي للعملية الإعلامية حقهم من الرعاية المهنية والاجتماعية، وإعادة صياغة مفهوم محترف لمعنى دعم الدولة للصحافة وتقنين المساعدات، ومنع استثمار أموال الإعلام في مشاريع خارج قطاع الإعلام، وإعطاء معاهد الصحافة استقلالية عن برامج التعليم الجامعي العام الحالي، وجعل منها معاهد متخصصة تراهن على نوعية التكوين بذلك كمية المتخرجين مثلما هي الحال اليوم.

سألته: أسماء بوصبيع

الإعلامي والمدرب في صناعة المحتوى، علاء الدين عشور لـ”أخبار الوطن”:

“حرية الصحافة لا تعني نشر الإشاعات والأخبار الكاذبة”

يرى الإعلامي علاء الدين عشور أن “قطاع الإعلام في الجزائر يعيش نوعا من حالة الفوضى كعديد من الدول الأخرى منذ سنوات، لاعتبارات أبرزها ممارسات النظام السابق الذي أحكم قبضته لمدة طويلة على وسائل الإعلام”.

وأضاف علاء الدين، في تصريح أدلى به لشبكة “أخبار الوطن” أن الرئيس تبون شدد في خطابات المتعددة على أنه “سيعمل على مزيد من تحرير قطاع الصحافة ومنح الصحافيين هامش حرية أكبر مما هو عليه، وأنه لا سقف لحرية التعبير إلا ما يتعلق بالثوابت الوطنية، غير أن المجال يحتاج إلى تكاثف جهود جميع الهياكل لأن عمل الصحفي في نقل المعلومة مربوط بمجالات مختلفة، وما تم ذكره للآن لم يصل إلى الشكل الذي يتطلع له الصحفي بسبب ممارسات لا زالت تعشش في كثير من الذهنيات”.

ويعتقد المتحدث أن”الاتجاه الصحيح الذي يجب أن يسلك يقتضي التقنين والعمل على الاستقلالية المالية للمؤسسات الإعلامية، والحديث عن حرية الإعلان لا يأتي إلا بعد العمل على هيكلة المؤسسات الصحفية بشكل صحيح، وهذا ليس بالأمر الصعب. كما أنه على الصحفي أن يعيي جيدا أن حرية الصحافة والإعلام لا تعني نشر الإشاعات والأخبار الكاذبة من أجل إثارة الفوضى”.

من جانب آخر، أفصح الإعلامي علاء الدين عشور عن أن “التدريب أصبح حديث الوسط الصحفي خصوصا في ظل التحديات الدولية والتطور الهائل في تقنيات وسائل الإعلام والاتصال والمنافسة الشديدة فيما بينها،  واستحالة وضع حدود وحواجز لاحتواء آثارها والاهتمام بعملية تدريب الكادر الإعلامي لمواكبة التطورات المعلوماتية المعاصرة من خلال التدريب المهني للكوادر الصحفية والإعلامية، باعتبارها حجر الزاوية والرهان الذي يعول عليها في عملية التحول والنهوض بالرسالة الإعلامية ومواكبة معطيات التطورات الراهنة”.

ويضيف المتحدث أن “التحدي الأساسي يتمثل اليوم في الاستثمار في التحديث المستمر للمهارات الصحفية من طرف القائمين على المؤسسات الإعلامية ووعيهم بضرورة تطوير فريق العمل”.

منير بن دادي

 الباحث والبروفيسور في جامعة باتنة، بدر الدين زواقة لـ”أخبار الوطن”

“القنوات الخاصة رهينة أجندات السلطة وأصحاب النفوذ”

أوضح البروفيسور بد الدين زواقة الأستاذ بكلية الإعلام بجامعة باتنة أن”هناك تراجعا كبيرا على مستوى الحريات، خاصة في القنوات الخاصة التي أصبحت أجندات للسلطة وأصحاب النفوذ في فترات متعاقبة”.

وأشار البروفيسور زواقة،  في تصريح خص به “أخبار الوطن”،  إلى وجود “اضطراب كبير وتراجع في صناعة المحتوى والمضامين، بالرغم من التطور على مستوى امتلاك تكنولوجيا الإعلام الحديدة”. وأضاف المتحدث أن “قطاع الإعلام في بلادنا على المستوى التشريعات مر بمراحل مفصلية تتعلق بالتاريخ السياسي للبلد، فكل مرحلة كانت استجابة حتمية للتغيرات على المستوى السياسي من حيث ملكية وسائل الإعلام إلى السلطة بالكلية إلى التعددية على مستوى الصحافة المكتوبة ثم السمعي البصري والٱن نشاهد تطورا في قوانين الإعلام الجديد”.

من جانب آخر، أشار المتخصص في الإعلام والدعوة بجامعة باتنة، إلى أن “سلطة الضبط ومجلس الأخلاقيات لم يستطيعا استيعاب الممارسة الإعلامية إلا من خلال أجندة السلطة، فكان دورهما باهتا، إلا من خلال الجوانب القانونية والأمنية، ولم تكن لهما رؤية في مجال قيمة المضامين وحماية الحقوق والحريات، لهذا شاهدنا اختلال في وضع الصحفيين.

وعن مستقبل الإعلام في بلادنا، أفصح البروفيسور زواقة عن أنه “غير واضح المعالم، ذلك أن معالمه تتحقق من خلال درجة الحريات وقيمة المضامين، المؤجلة للأسف في تصور القائمين على العمل الإعلامي، والإعلام المتخصص هو الرهان والتحدي في المرحلة القادمة”.

منير بن دادي

الباحث في علوم الإعلام والاتصال، الدكتور نصر الدين مهداوي لـ”أخبار الوطن”

“إعلامنا مريض وبيئته ملوثة”

 “أخبار الوطن”: كيف ترى واقع الإعلام في الجزائر اليوم؟

نصرالدين مهداوي: واقع الإعلام اليوم مريض وعاجز يحتاج إلى علاج أخلاقي من الدرجة الأولى، إعلام فضاؤه معكر وبيئته ملوثة يشجع على الرداءة، ويساهم بفضل محتوياته الهابطة والدنيئة في هدم القيم والأسس والثوابت الأخلاقية (مع بعض التحفظ)، إعلام يحتاج إلى تكوين وتدريب وتصويب، إعلام يحتاج إلى ترميم الأطر القانونية لما فيها من ثغرات تتعارض مع البيئة الإعلامية والاجتماعية،  إعلام يحتاج إلى مشرّع يحدد كيفيات تنظيم الممارسة وفق ما يتماشى مع البيئة الاجتماعية، ويحتاج إلى سلطات رقابية تتابع وتراقب وترافق منتجات المؤسسات الإعلامية وترصد ضوابط وشروط تحكم ممارستها خاصة في ظل بروز صحافة “الموجو” ( صحافة الموبايل) والميديا الاجتماعية.

في نظرك، أي مستقبل ينتظر هذا القطاع في بلادنا؟

الصراحة أقولها ولو كانت مُرّة، لا يمكن التنبؤ بمستقبل أفضل له، فلم يرقَ ولن يرقى إلى الاحترافية الإعلامية مادام المعرقل هو سياسات مجحفة والقائمون على المؤسسات الإعلامية والصحفية، وهؤلاء لن يساهموا في إنعاش قطاع الإعلام والنهوض به نحو الرقي والتنمية كما هو ظاهر في الصحافة العالمية والأوروبية المتقدمة، التي احترفت وأبهرت في المجال شكلا ومضمونا، لا يمكن التنبؤ بمستقبل زاهر للإعلام في الجزائر يسوده التحسن والتطور المستمر مادام أنه يفتقد للكثير من النقائص ويعتمد على نفس آليات الممارسة الكلاسكية في ظل غياب استراتيجيات وآليات متجددة.

ماذا عن حال أقسام ومعاهد علوم الإعلام والاتصال بالجامعة الجزائرية؟ هل هي تقدم التكوين الضروري لصحفيي المستقبل؟

حتى لا نطعن في مستوى مدرسة الصحافة والإعلام في الجزائر، ولا نشكك في قدراتهم التقنية والبيداغوجية، وحسب تجربتي في المسار الأكاديمي البحت، فإن المدرسة الأكاديمية لعلوم الإعلام والاتصال تحتاج إلى تجديد ومواكبة، بدءا بإخراج الحقل من الممارسة الكلاسيكية إلى الممارسة الحديثة بتوجهات وأسس ونظريات ورؤى معاصرة تواكب البيئة الرقمية الراهنة وتواكب المحتوى الميدياتيكي الشبكي، مع السعي إلى التخلي على فنيات الممارسة التقليدية والتوجه نحو استحداث فنيات معالجة وتحرير وتحليل المحتوى الشبكي الإلكترونية بفنيات ومناهج معاصرة، لاسيما التطوير في آليات التمنهج والبحث لدراسات أبحاث علوم الإعلام الاتصال بانتهاج أسس وأدوات منهجية معاصرة تواكب الفضاء الافتراضي العام، وإعطاء صبغة علمية حديقة بتحليل المحتويات الميدياتيكي، بالإضافة إلى اجتهادات وأبحاث علمية ترقى إلى مرحلة كبيرة من التطور وهو ممارسة الصحافة الافتراضية البحتة.

بالمناسبة، ما هي الحلول التي تقترحها للرقي بالمجال الإعلامي مستقبلا؟

من بين الحلول التي أقترحها نيابة على خبراء في هذا المجال، أن يكون الصحفي متخلقا وأمينا في عمله واحترامه لشخصيته مؤسسته. وعلى الصحفي أن لا ينشر وينقل خبرا إلا بعد التأكد من صحته بما يقارب 90 في المائة من مصداقيته، وأن لا يسيء لخصوصيات وكرامة الجمهور مع تقديم خدمة عمومية نزيهة. ولا بد أن يعرف بأن مهنته تقتصر على نقل الخبر ونشره فقط دون زيادة أو نقصان، بعيدا عن التهويل والتهوين والتزييف لأن صحفي اليوم – حسب تأكيد ذوي الاختصاص – غير مبدع وغير متشبع وملم فكريا وثقافيا في مختلف المجالات (مع بعض التحفظ)،  ولا بد كذلك من إلغاء الجرائد والمؤسسات التجارية التي تنهب المال العام دون تقديم أي نجاح، ليكون البقاء للأقوى، لأنه يوجد هناك صحفيين وإعلاميين ذو مستوى سنة رابعة متوسط جلبتهم أطراف راقية في السلطة.

ولا بد كذلك من تفعيل آليات جديدة تطور في مهنة الإعلام في الجزائر على مستوى سلطة ضبط الصحافة المكتوبة وحتى السلطات الوصية التي يكون لديها سلطة القرار في احترافيتها والتعقيب على النقائص التي تشوبها على مستوى الفضاء الإلكتروني لتنظيم نشاطها والحدّ من جرائمها، من خلال سد الفراغ القانوني الذي يعيق الممارسة في قطاع الصحافة المكتوبة عامة والصحافة الرياضية خاصة، ولا بد من إعادة النظر في التشريعات الإعلامية (قانون الإعلام 2012)، الباب الخامس المتعلق بالصحافة الإلكترونية / قانون السمعي البصري – قانون الإشهار وقانون الإعلام الإلكتروني (الإنترنت 2020) الذي دخل حيز التنفيذ)، التي تضبط وتنظم هذه الممارسة، ونحن لا ننكر وجود أطر قانونية محكمة إلا أنها مجرد حبر على ورق وغائبة التفعيل التي لم تدخل سبل التنفيذ إلى يومنا هذا.

سأله: منير بن دادي

أستاذ علوم الإعلام والاتصال، العيد زغلامي لـ”أخبار الوطن”

“غياب نصوص تنظّم الإشهار شجّع على التلاعب”

انتقد الدكتور العيد زغلامي، الأستاذ بكلية الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر 3، خلال حديثه مع “أخبار الوطن”، السياسة التي تنتهجها أغلب الوسائل الإعلامية في الوقت الحالي بما أسماها بالتلاعبات” التعويمية” و” التعميمية” التي تغيب فيها المعايير المهنية والموضوعية، وقال إن “التعددية الإعلامية بما فيها المئات من الجرائد الرقمية والورقية وعشرات القنوات الفضائية، إلى جانب الوسائط الأاخرى هي تعددية شكلية تضر بالمضامين ولا تعبر عن القيم الإخبارية.

وأوضح الأكاديمي العيد زغلامي أنه بـ”الرغم من التعددية الإعلامية والأعداد الهائلة للجرائد الرقمية والورقية والمواقع ومختلف الوسائل، إلا أنها لا تزال بعيدة كل البعد عن الاحترافية في ظل سياسة التعويم والتعميم المنتهجة”.

وأشار الدكتور يقول: ” لا يمكن أن نتفنن أو نتغنى بهذه التعددية، لأنها شكلية تضر بالمضامين لا تعبر عن القيم الإخبارية”.

وتأسف زغلامي عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والمهني المرير الذي يعيشه أغلب الصحفيين، في ظل الفوضى التي يتخبط فيها القطاع واستمرار الكيل بمكيالين في الإشهار، الأمر الذي ضيّع عليهم حقوقهم”، متسائلا بالقول: “لماذا لا يتم تحيين قانون الإشهار؟ في الوقت الذي تستغل فيه الوسائل الإعلامية عائدات هذا الأخير وتوظفه في سياقات لا تخدم الصحفيين ولا المشهد الإعلامي، في ظل التلاعب الحاصل، بالإضافة إلى غياب نصوص تموينية تنظم قطاع الإشهار، وفي ظل غياب اللاموضوعية والنزاهة سيبقى الغموض يشوب الإشهار مما يؤثر سلبا على المشهد الإعلامي.

واعتبر الباحث دور ومهام سلطة الضبط شكليا، ينحصر في ” توجيه الإعذارات والإنذارات للوسائل الإعلامية”. وعليه، يقول زغلامي” إن غياب أداء مقنع لسلطة الضبط في السمعي البصري رهن الانفتاح على السمعي البصري، لذلك كان من الضروري إعادة النظر في الشكل والمحتوى، والأمر ذاته بالنسبة إلى سلطة الضبط المكتوبة”.

وعاتب محدثنا الصحفيين محمِّلا إياهم مسؤولية هذه الفوضى، حيث قال: “حان الأوان لأن يهيكلوا أنفسهم من جديد، لتنظيم القطاع من في ظل غياب المهنيين ودخول المتطفلين والدخلاء في القطاع”.

وفي معرض سؤالنا عن مصير قطاع الإعلام في ظل المعطيات الحالية، يرى زغلامي أن ” قطاع الإعلام يتجه نحو الانسداد بسبب فقدانه للشرعية في ظل منافسة مواقع التواصل الاجتماعي له، وضعف تأثيره على الرأي العام، وتوسع فجوة الثقة بينه وبين المستهلكين”.

أسماء بوصبيع

الأمين العام لنقابة ناشري الإعلام، رياض هويلي لـ”أخبار الوطن”

“تعطيل تنصيب الهيئات المنظمة للإعلام كان مقصودا لمواصلة العبث والنهب”

“أخبار الوطن”: ما هي قراءتكم للمشهد الإعلامي في الجزائر حاليا؟

رياض هويلي: أولا، بمناسبة اليوم العالمي لحرية التعبير، وجب توجيه تحية خاصة لأسرة الإعلام في الجزائر من ناشرين وصحفيين وصحفيات، على ما يبذلونه من أجل ترقية المهنة والحفاظ على أخلاقياتها.

بداية، أقول إن المشهد الإعلامي الحالي في الجزائر ما تزال تكتنفه الفوضى المترتبة على العهد السابق، حيث نجد القنوات التلفزية ما تزال أجنبية الجنسية جزائرية المحتوى، كما أن الجرائد تعيش وضعا صعبا سواء ماليا بسبب الأزمة الاقتصادية واحتكار الدولة الإشهار العمومي وغياب معايير توزيعه. أما الصحف الإلكترونية، ورغم الشروع في تسوية وضعيتها القانونية، إلا أنها تعاني أيضا الويلات بسبب الضائقة المالية.

لهذا، أعتقد أن المناخ الإعلامي حاليا بحاجة إلى تظافر جهود الجميع من أجل إعادة تنظيمه وإعادته إلى سكة المهنية والخدمة العمومية.

ما هي الدوافع والأهداف وراء تأسيسكم النقابة الوطنية لناشري الإعلام؟

ينبغي التأكيد على أن تأسيس نقابة ناشري الإعلام، كأول نقابة في تاريخ المهنة في الجزائر، فرضته جملة من المعطيات، أبرزها الفوضى التي تطبع القطاع. إذ لا يمكن في الجزائر معرفة على أي أساس تصنف هذه الجريدة بأنها كبيرة أو مؤثرة وتلك لا، وعلى أي أساس تستفيد جريدة محدودة الطبع والانتشار من الإشهار العمومي بكرم وسخاء في حين تحرم أخرى أو على الأقل لا تنال ما يجب أو يفترض أن تناله في وضع طبيعي.

ليس هذا فحسب، فحتى مهنيا، لاحظنا انحدار الأداء المهني للكثير من وسائل الإعلام، وثبت في نهاية المطاف أن تلك الجرائد ملك لأناس دخلاء عن المهنة، اندسوا في القطاع الصحفي، داسوا على أخلاقيات المهنة وقواعد النشر، وحرموا الصحفيين من حقوقهم، واستهدفوا الريع الإشهاري بعلاقات مشبوهة، هكذا كان المشهد. لذاك، رفعنا شعار الصحافة للصحافيين وشرعنا في الاتصال بمختلف الناشرين المهنيين من أبناء المهنة، وتوصلنا بعد عدة جلسات ونقاشات حادة أحيانا إلى إعلان ميلاد التنظيم النقابي يوم 25 مارس 2021، بحضور 31 ناشرا و18 آخر بالوكالة، نظرا للظروف الصحية التي تميز المشهد (وباء كورونا)، وما انجر عنه من إجراءات الوقاية.

ميلاد نقابة ناشري الإعلام في الجزائر بشعار: (مهنية، تضامن،شراكة)، من شأنه أن يضع كل واحد أمام مسؤولياته التاريخية في تنظيم القطاع، إذ لم يعد هناك مبررا للقول لا يوجد شركاء.

بالمناسبة، أدعو كل الناشرين إلى الالتحاق بنقابة ناشري الإعلام، لحماية المصالح المهنية والمادية لمهنة الصحافة والعمل من أجل تطهير القطاع من الدخلاء، ضمن ما تنص عليه قوانين الجمهورية وقانون الإعلام.

لماذا تأخر تنصيب هيئات الضبط في الإعلام، على غرار هيئة ضبط الصحافة المكتوبة والمجلس الأعلى لأخلاقيات المهنة الصحفية؟

تأخير تنصيب الهيئات المنظمة للإعلام في المرحلة السابقة كان بنية مبيتة من قبل النظام السابق للإبقاء على فوضى الإعلام، ومنح فرصة من ذهب للدخلاء للعبث بالمهنية وتحويلها إلى مصدر للنهب.

اليوم، وبعد مراجعة الدستور، هناك ورشات لمراجعة قانون الإعلام، وضع قانون الإشهار وما إلى ذلك، وبروز نقابة ناشري الإعلام والمجلس الوطني للصحفيين والنقابة الوطنية للصحفيين،  أعتقد أنه لا مبرر للاستمرار في تغييب هذه الهيئات الضابطة والمنظمة للمهنة.

ما المطلوب حاليا من أجل أداء إعلامي أفضل؟

بلوغ أداء إعلامي أفضل هو هدف كل مهني، وإدراك هذه الغاية يتطلب توفير المناخ المهني الملائم سواء من الناحية القانونية، التكوين، وظروف المؤسسات الإعلامية وظروف الصحفيين، كل هذه ستؤدي حتما إلى نتائج جيدة في الأداء الإعلامي.

وفي الختام، تحية لكل الزملاء الصحفيين والناشرين الذين يؤدون واجبهم في ظروف سياسية ومهنية صعبة.

سألته: أسماء بوصبيع

45 موقعاً إخبارياً تستفيد من تراخيص العمل

بلحيمر يفتح 10 ورشات لإصلاح قطاع الإعلام

باشر وزير الاتصال الناطق الرسمي للحكومة، عمار بلحيمر، في إطار إصلاح القطاع، تنظيم عشر ورشات، بإشراك أهل الاختصاص في تشخيص الواقع، تهدف إلى تعزيز الممارسة الديمقراطية والتأطير القانوني لنشاطات الاتصال وكذا تقنين نشاط الصحافة الاإلكترونية للوسائط المتعددة وقانون الإشهار واستطلاع الرأي ووكالات الاتصال وكذا التنظيم الذاتي للصحافة المكتوبة والتوطين القانوني والتكنولوجي للقنوات التلفزيونية الخاصة.

وتأتي هذه الورشات تجسيدا للوعود التي قطعها الرئيس تبون للعمل على أخلقة الممارسة الإعلامية في الجزائر، وبغية إيجاد مخرج للوضع الذي يتخبط فيه الإعلام الجزائري، حيث تم مؤخرا فتح ورشة قانون السمعي البصري لعام 2014، من أجل إدخال تعديلات على النص لتسوية وضعية القنوات الخاصة الناشطة بالجزائر، كما تم إصدار النص المتعلق بتنظيم الصحافة الإلكترونية.

من جانب آخر، استفاد أزيد من 45 موقعاً إخبارياً بالترخيص والعمل بصفة قانونية ضمن نطاق التوطين المحلي “دي زاد”، وتعهدت الوزارة الوصية بالعمل على مساعدة المواقع الإخبارية في الحصول على نصيبها من سوق الإعلانات والإشهار العمومي بكل شفافية.

ويرتقب،  بحسب الوزير، تعديل مشروع القانون العضوي المتعلق بالإعلام الذي سيكون في سياق الدستور الجديد، كما سيتم الإفراج عن قانون الإشهار الذي طال أمده.

منير.ب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى