page contents
أقلام الوطن

قراءة سريعة في مسودة تعديل الدستور (الجزء 2)

بقلم الدكتور عز الدين معزة

لست مؤهلا لمناقشة مسودة الدستور، لا أحيط بموضوعه ولا بإشكالاته ولا بغموضه أو ميكافيلياته، وفي مقالي هذا سأتجاوز اللجنة التي كلفها الرئيس بإعداد مسودة التعديل وأتجاوز كذلك المختصين من الأساتذة في القانون الدستوري، وأخوض مع الخائضين والعامة التي تحدوهم النية الصادقة الوطنية الخالصة والأمل المشروع في بناء جزائر المؤسسات والقانون والعدل والديمقراطية وأتجاوز كذلك النظام الذي يتقن كل أنواع الذكاء والخبث والمكر من أجل بقاءه في السلطة بلا حسيب ولا رقيب وبلا حياء ولا خجل متجاوزا مطالب الشعب وأحلام الشهداء وآبائنا وأمهاتنا الذين جاهدوا بالغالي والنفيس من أن نحيا في جزائرنا الحبيبة معززين مكرمين منعمين بثروات وخيرات بلادنا.

وأرى أن الواجب يحتم علي كمواطن جزائري من صلب أبناء هذا الشعب الذي ضحى أجداده من أجل بناء جزائر ديمقراطية اجتماعية تتسع لكل الجزائريين بمختلف أعراقهم ولهجاتهم فدماء الشهداء وثورتنا التحريرية وأرضنا المباركة جمعتنا كلنا من أجل جزائرنا، أن أخوض في مناقشة مسودة تعديل الدستور.

سأقدم ملاحظاتي المتواضعة حول مسودة تعديل الدستور، بعيدا عن كل الحسابات السياسية الضيقة، والمطامع الشخصية والمزايدات الإيديولوجية، فالجزائر أراها بكل مساحتها المترامية الأطراف كسفينة واحدة وكل الجزائريين موجودون فوقها، فنجاتها نجاتنا جميعا وغرقها هلاكنا جميعا.

هل مشروع تعديل الدستور سيحل المسائل الخلافية المتوارثة والمستمرة؟

كنت أود والكثير من الجزائريين أن تعرض مسودة تعديل الدستور على الجميع عبر وسائل الإعلام بمختلف أصنافها، وأن تأمر الرئاسة بفتح جدال ومناقشة واسعة تحت إشراف خبراء من فقهاء القانون الدستوري وعلماء السياسة والتاريخ والدين وعلم الاجتماع واللغة كل في مجال تخصصه، بتنظيم موائد مستديرة على القنوات الرسمية لوضع حد للكثير من المغالطات والتراشق والبهتان وخاصة ما ورد في مسودة تعديل الدستور حول ما يتصل بطبيعة النظام وفصل السلطات واللغة والثقافة والتاريخ والاقتصاد ومفهوم دولة المؤسسات والقانون، وذلك من أجل تعرية وكشف الأطراف والأيادي الخارجية التي تريد الشر للجزائر ولنظامها ولشعبها ككل، التي طالما اشتكى منها النظام وأبواقه من الإعلاميين وأحزاب الموالاة، هذا إذا كان النظام يريد حقا القطيعة التامة مع فكر وسلوك العصابة بدلا من التمثيل علينا في الخطابات الرنانة فقط.

وجب علينا التذكير أن النظام الجزائري منذ 1962 وخاصة بعد 1988 خبير في تسيير الأزمات المستدامة وافتعالها من العدم وضرب هذا بذاك، وتبرئة هذا واتهام ذاك، وفي خلط الأوراق وتشتيت المعارضة إما ترغيبا أو إرهابا إلى جانب قدرته الفائقة في الاستقطاب مع اعتماده دائما على سياسة تعفين الأوضاع من أجل الوصول إلى التسويات التي يريدها ويصبح بذلك هو الحكم والخصم.

هل هذا الدستور المنتظر سيغير فلسفة النظام؟

ما أثار انتباهي في مسودة تعديل الدستور اللجنة المكلفة والمعينة بدقة بإعداده حين اعترفت بأن إدخال بعض القيود على سلطات الرئيس سيؤدي إلى تغيير طبيعة النظام، يا له من خبث ودهاء! لكن هذه الحجة لا تنطلي على أبسط رجل في الشارع والذي ليس له أي دراية بالسياسة ونفاقها، فهم لم يحددوا لنا التغيير الذي سيطرأ على النظام ليقيد من صلاحيات وسلطات الرئيس، أهو نظام رئاسي أم شبه رئاسي أم برلماني، أتنقصهم الشجاعة أم أن خطوطا حمراء وضعت أمامهم ولم يسمح لهم بتجاوزها؟

ورد في ديباجة المسودة حراك 22 فيفري، في رأيي وفي رأي كل الجزائريين أن الحراك الشعبي السلمي لم يخرج إلى الشارع إلا لتغيير طبيعة النظام بجعل المواطن يشارك في العملية السياسية، ألم يرفع الحراكيون شعار “دولة مدنية ماشي عسكرية”؟ ألم يطلبوا بتطبيق المادتين 7 و8 من الدستور؟

هذا هو الذي سيضع قيودا حقيقية لسلطة الرئيس، التي جعلها الدستور السابق والمسودة الحالية – مطلقة – وتلغي كافة السلطات الأخرى وتفوق حتى سلطة الرئيس الأمريكي التي يمنحها له النظام الرئاسي بقاعدة (Contre Pouvoir) بسبب غياب سلطة مضادة أي توزيع السلطات بين مجلس النواب ومجلس الشيوخ والرئيس.

ورد في مسودة تعديل الدستور بعض الاقتراحات تبدو جديدة إلا أن جوهرها قديم، فحليمة لا تترك عاداتها القديمة، وما هي إلا مجرد بهرجة لغوية صاغوها في غياب فقهاء اللغة وعلماء السياسة، وهي لا تسمن ولا تغني من جوع، في غياب مؤسسات منتخبة بطريقة شفافة ونزيهة وبعدالة مستقلة وهو ما لم تتعرض إليه المسودة.

أما استقلال العدالة وهو مطلب حراك 22 فيفري فينبغي علينا أن نؤجل حلمنا إلى أجل غير مسمى، إذا كان المشروع الجديد يعطي المواطن المتضرر حق طلب التعويض، هذا شيء جميل ويستحق التنويه، لكن الإبقاء على تعيين القضاة بمرسوم رئاسي كما هو الشأن بالنسبة للإطارات السامية، وتولي الرئيس رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، يبعدنا عن المعايير المتعامل بها في دولة المؤسسات والقانون.

أما الاقتراح باستحداث منصب رئيس الجمهورية الذي يعينه الرئيس حسب رغبته، فنحن هنا أمام عودة صريحة إلى ما قبل 22 فيفري وفي صلب مشروع “بوتفليقة” الذي كان يعز من يشاء ويذل من يشاء بلا حسيب ولا رقيب ولا ضمير، المهم أن يركع له ذلك هو المعيار الوحيد الذي كان يعين به “بوتفليقة” مسؤولي الدولة، فأي تعيين في المناصب العليا في الدولة بطريقة غير ديمقراطية ودون انتخاب سيجعل المعين بلا شك خاضعا وتابعا للذي عينه دون غيره،  ألم يكن ثلاثة أرباع أعضاء المحكمة الدستورية وأعضاء المجلس الدستوري الحالي يجزمون لنا أن المخلوع في صحة جيدة، وأن 40 مليون جزائري الذين كانوا يرون عكس ذلك قد أصابهم العمى والحقد ونكران الخير وربما التشكيك حتى في وطنيتنا حتى لا أقول كلاما آخر.

لا دستور ولا خطب رنانة ولا ميكيافيلية ولا شعرة معاوية يمكن أن تعيد الأمل للجزائريين إلا بإعطاء الانتخابات معناها الحقيقي في كل المناصب السامية في الدولة وأن تتوقف التعيينات عن طريق الموالاة والمحسوبية والشيتة.

فمسودة تعديل الدستور هذه فيها الكثير مما هو مرفوض ومخيب للآمال لكن يبقى الأمل الوحيد أن السلطة أعلنت أن المسودة مجرد “أرضية للنقاش لا غير”، وأنها مطروحة للتعديل والحذف والإضافة.

هذه المسودة ما هي إلا تكريس للوضع السابق ولا يمكن بأي حال من الأحوال عن طريقها بناء دولة القانون والمؤسسات.

حسب تصريح الرئاسة أنها قامت بتعيين نخبة من الخبراء في القانون الدستوري ومنحت لهم صلاحيات كاملة لإحداث تعديل عميق على الدستور، فإذا كانت الرئاسة صادقة في تصريحها فيظهر من ذلك أن هذه اللجنة لم تكن لها الشجاعة لتحقيق حلم حراك 22 فيفري وأن هذه اللجنة وإن لم تكن أمامها أية خطوط حمراء من أية جهة كانت فإنها قد تكون تعودت على الخوف والخضوع لكل من بيده القوة والمال، فجزائر المؤسسات والقانون والعدالة حسب مسودة الدستور مازالت بعيدة عن جزائر الحرية وحقوق الإنسان ودولة الشورى والديمقراطية، فإن ما قامت هذه اللجنة لم يكن سوى زيادة طول الدستور الحالي من 218 مادة إلى 240 مادة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق