page contents
الحدثملفات

قَوارِب مَشبُوهة !

عودة قوافل الهجرة غير الشرعية لدى الجزائريين

ارتفعت مؤشرات الهجرة السرية في الجزائر خلال الأسابيع الأخيرة، وسجلت وحدات حرس السواحل توقيف أزيد من 1200 شخص كانوا بصدد الهجرة نحو الشواطئ الأوروبية، وهو رقم يعكس خطورة الظاهرة التي أقلقت السلطات الجزائرية ودول غربية مثل إسبانيا وإيطاليا.

إعداد: عمار قردود

وتمكّن حرس السواحل من توقيف عدد معتبر داخل المياه الإقليمية ومنعوا نحو 755 شخصاً خلال الأيام الــ6 الأخيرة من مغادرة البلاد بطريقة غير شرعية،  فضلاً عن غرق عدد من “الحراقة” خلال محاولات الهجرة. وبالرغم من مخاطر الغرق والسجن، تزايدت خلال الأسابيع الماضية أعداد الجزائريين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط.ومنذ 2009 ينص قانون العقوبات على سجن كل من يحاول مغادرة التراب الوطني بصفة غير شرعية 6 أشهر،  لكن ذلك لم يكبح جماح المترشحين لعبور البحر، بل إن أعدادهم في تزايد.

6090 جزائريا أبحروا عبر سواحل المتوسط خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2020

ووفقًا لآخر أرقام الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود، فإن 6090 جزائريا أبحروا عبر سواحل البحر الأبيض المتوسط، بينهم 5225 شخصا حاولوا الهجرة عبر سواحل غرب المتوسط و865 عبر سواحل الوسط خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2020.لكن هذه الأرقام أقل بكثير من الواقع بحسب مختصين في الهجرة غير الشرعية.

وعلى هامش زيارة لها، أكّدت وزيرة الداخلية الإيطالية، “لوتشانا لامورغيزي”، ضرورة وقف قوارب الهجرة التي تؤثر بشكل خاص على مقاطعة سردينيا، ودعت إلى إقامة حوار إستراتيجي مع الجزائر حول المشكلة، وأكدت أن السلطات الجزائرية “تحمل مسؤولياتها وتتخذ القرارات المطلوبة في هذا الملف”.

فيما بحث وزير داخلية إسبانيا، في الـ 10 أوت الماضي، ملف تدفق المهاجرين السريين مع مسؤولين جزائريين، وشدد على إيجاد حلول لتدفقهم على السواحل الإسبانية، وخاصة منطقة موريثيا.

وبحسب الإعلام الإسباني، فإن 800 جزائري وصلوا السواحل الاسبانية خلال آخر أسبوع من جويلية، كما كشف أن شبكة الرادار البحرية التابعة لوزارة الداخلية التي تستخدم للكشف عن الهجرة السرية رصدت وصول عدد كبير من قوارب “الحراقة، منذ 24 جويلية الماضي، بلغت أكثر من 60 قارباً صغيراً، وكلها غادرت في وقت متزامن من الجزائر إلى “مورسيا” و”أليكانتي” و”ألميريا”، وأنها حملت عائلات بأكملها ضمنهم رضع.

توقيف 5343 “حراقًا “جزائرياً بإسبانيا و860 آخرين بإيطاليا منذ مطلع الشهر الجاري!

وذكرت وزارة الداخلية الإسبانية أن معدلات الهجرة غير الشرعية للجزائريين زادت بنسبة 606 % منذ جويلية الماضي، وأنه منذ 6 سبتمبر الجاري تم توقيف 5343 جزائرياً بالسواحل الجنوبية لشبه الجزيرة الإيبيرية، فيما أفادت وزارة الداخلية الإيطالية بأنّ 860 مهاجراً جزائرياً وصلوا إلى سواحلها حتى بداية سبتمبر الجاري.

انتشال 3 جثث واعتراض وإنقاذ 755 حراقا في ظرف أسبوع!

تمكنت وحدات حرس السواحل، خلال أسبوع، من إنقاذ 755 شخصًا حاولوا الهجرة عبر البحر بطريقة غير شرعية.وجاء في بيان لوزارة الدفاع الوطني، السبت الماضي، أنه “مواصلة للجهود المبذولة من طرف قواتنا البحرية للحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، تمكنت وحدات حرس السواحل في الفترة الممتدة من 20 إلى 25 سبتمبر 2020، في عمليات متفرقة في مياهنا الإقليمية، من اعتراض وإنقاذ 755 شخصا حاولوا الإبحار بطريقة غير شرعية، ليتم التكفل بهم من طرف المصالح المختصة للقوات البحرية”.

وأضاف المصدر ذاته أنه تم انتشال ثلاث جثث لمهاجريين غير شرعيين غرقوا بعد انقلاب قواربهم.

وأمام هذه التطورات الخطيرة، قررت السلطات التحرك لوقف الظاهرة والتحقيق مع الجهات التي تقف وراء عودة الظاهرة، خصوصاً بعد توقيفها شبكات تتاجر في البشر حصلت على مبالغ كبيرة من جزائريين قرروا المجازفة بحياتهم عبر البحر للوصول إلى الضفة الشمالية من المتوسط.

انتشال 10 جثث واعتراض نحو 500 مهاجر قبالة السّواحل!

انتشل حراس السواحل جثث عشرة غرقى، واعترضوا 485 مهاجرًا كانوا على متن قوارب قبالة الساحل متجهة إلى أوروبا في الفترة بين 15 و19 سبتمبر، بحسب حصيلة أعلنتها وزارة الدفاع الوطني.

وجاء في البيان: “تمكنت وحدات حرس السواحل من خلال 42 عملية متفرقة نفذتها في مياهنا الإقليمية، من اعتراض وإنقاذ 485 شخصا حاولوا الإبحار بطريقة غير شرعية،  كما تم انتشال عشر جثث لمهاجرين غير شرعيين غرقوا بعد انقلاب قواربهم”.

الخبير في علم الاجتماع سمير حليمي:

 عودة موجة “الحرقة” يطرح جملة من التساؤلات!

أوضح الخبير في علم الاجتماع سمير حليمي، في تصريح لـــ”أخبار الوطن”، أنه “بعد أن أثّر الارتفاع المتواصل والسريع لعدد الإصابات بفيروس كورونا في أوروبا وفي الجزائر على رحلات الهجرة السرّية، بداية مارس الماضي، حيث تم تسجيل تراجع هجرة الجزائريين عبر قوارب الموت نحو الضفّة الشمالية للبحر الأبيض المتوسّط بشكلٍ لافت،عادت مؤشرات الحرقة إلى الارتفاع مجددًا خاصة في الأسابيع الأخيرة وهو الأمر الذي يطرح جملة من التساؤلات”.

وأضاف حليمي، يقول: “في مارس الماضي، خلت معظم بيانات وزارة الدفاع الوطني الصادرة بشكلٍ شبه يومي من أيّة معلومة تتضمّن إحباط حرس الحدود لهجرات سرّية لجزائريين نحو أوروبا، باستثناء مرة واحدة على ما أذكر وكان ذلك في 12 مارس عندما تم إحباط محاولة هجرة 16 شخصًا كانوا متجهين نحو أوروبا، وحتى وسائل الإعلام الوطنية والأوروبية خاصة الإيطالية والإسبانية لم تورد أيّ أخبار عن توقيف حراقة جزائريين بسواحلها.

وأرجع حليمي سبب إعراض الجزائريين،خلال بداية تفشي كورونا،  عن الحرقة إلى أوروبا إلى “الهلع والخوف الذي مسّ الجزائريين كغيرهم من سكان العالم، خاصّة مع ارتفاع نسب الإصابات والوفيات في إسبانيا وإيطاليا، حيث أشارت الفيديوهات التي ينشرها جزائريون مقيمون في أوروبا إلى حجم انتشار الوباء هناك، خاصّة في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، وكذا هروب آخرين من هناك والعودة إلى أرض الوطن في هذه الفترة خوفًا من وصول العدوى إليهم،في توقيف مؤقت لهجرتهم،فضلًا عن إجراءات المراقبة المشددة التي اتخذتها الدول الأوربية على حدودها لتطويق جائحة “كوفيد-19″، ومنع أي شخص من دخول بلد معين حتى وإن كان من دول الاتحاد الأوروبي، بعد قرار غلق الحدود الذي اتخذته عدة بلدان”.

وتابع حليمي:”أقول توقيف مؤقت لأنه وبمجرد ما تحسنت الأوضاع الصحية وأعادت معظم الدول الأوروبية فتح حدودها وعودة الحياة الطبيعية تدريجيًا استأنفت قوارب الموت هجرتها وإبحارها نحو المجهول، رغم استمرار الجزائر في غلق أجوائها وحدودها البرية والبحرية،و هو وضع مشابه لما حدث خلال الأشهر الأولى للحراك الشعبي، حين تم تسجيل تراجع ظاهرة (الحرقة)،بعد أن كان الجزائريون يأملون في تحسن الأوضاع،لكن سرعان ما عادت الهجرة السرية بقوة،و لعل الأمر اللافت في قوافل (الحراقة) أنها لم تعد تقتصر على الشباب وذوي المستوى التعليمي البسيط فقط بل حتى الشيوخ والجامعيين بل الأدهى والأمرّ هو تسجيل هجرة أسرًا بأكملها بينهم حتى الرُضع، وهو أمر خطير يؤكد أن الجزائري بات لا يصدق الوعود، لكن للأسف هؤلاء (الحراقة) باتوا أكثر اقتناعًا من ذي قبل بأن “الهربة من هذه البلاد هي الي تسلّك”،مبرزًا أن الأسباب التي تقف وراء لجوء الجزائريين إلى (الحرقة) مازالت قائمة، كالبطالة وتدهور مستوى المعيشة والبحث عن الحرية. وفي بعض الأحيان مجرد صعوبة إيجاد مسكن لمغادرة البيت العائلي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن انتشار وباء “كوفيد 19″ زاد من عدد المهاجرين انطلاقًا من الجزائر كما من تونس، وهو ما يعني أن قوارب الموت مرشحة للارتفاع أكثر قريبًا”.

رئيس جمعية “الهربة ماتسلكش” عبد الكريم ساحلي:

 جهات خفيّة تزرع بذور اليأس في نفوس الجزائريين!

قال عبد الكريم ساحلي رئيس جمعية “الهربة ماتسلكش” التي تُعنى بالحراقة، في تصريح لــ”أخبار الوطن”، إن ظاهرة (الحرقة) أخذت أبعادًا ومنعرجات خطيرة! فرحلات الموت التي ارتفعت وتيرتها في الآونة الأخيرة أخذت منحى تصاعديًا خطيرًا جعل عدد من الدول الأوروبية تضغط على الحكومة الجزائرية من أجل وقف تدفق قوافل (الحراقة)على سواحلها.

وأضاف ساحلي أن “الحرقة ” أصبحت لا تقتصر على الشباب في مقتبل العمر بل امتدت إلى النساء والأطفال والرضع وعائلات بأكملها،  فأضحى المشهد مأسويًا وسوداويًا ومؤلمًا للغاية خاصة وأن هؤلاء الذين يفكرون في الهجرة من الجزائر نحو أوروبا يموت نصفهم غرقًا والبعض يتم اعتقاله في تلك الدول لعدة سنوات في ظروف مزرية والبعض الآخر لا يجد ضالته المنشودة في الدول التي كان يعتقد – توهمًا- أنها أرض الأحلام والفردوس المفقود ويعاني الأمرّين ويفقد أهم صفة في الإنسان وهي الكرامة والشرف، ليعود مجددًا في التفكير في العودة مرة أخرى إلى الوطن”.

و تابع ساحلي “عودة قوارب الحراقة الجزائريين إلى الإبحار نحو السواحل الأوروبية بقوة أعادت الحديث عن الإحباط واليأس والقنوط، شباب في سن الزهور بل وأسر كاملة تُلقي بنفسها إلى التهلكة، ترغب في الهلاك في أعماق البحر أو فوق الأراضي الأوروبية وتأبى الموت في أحضان الوطن،أي مأساة أكبر من هذه،رغم أن الجزائر تم انتخاب رئيس جديد فيها تعهد ببناء جزائر جديدة بسواعد جميع أبنائها دون استثناء. ورغم أن الرئيس تبون يسعى جاهدًا للإيفاء بكل وعوده وهو صادق في ذلك لكن – ربما- بقايا العصابة أو جهات ما خفية لا تريد الخير للجزائر والجزائريين تعمل على وضع الملح على جراح الوطن وزرع بذور اليأس في نفوس الجزائريين خاصة منهم فئة الشباب.

لقد بتنا نصبح ونمسي على أخبار جثث يلفظها البحر بشكل يكاد يكون يومي ومئات المفقودين،و كأن الجزائر في حرب ضروس قد تأتي على الأخضر واليابس لتصبح ظاهرة (الحرقة) مأساة حقيقية للشعب وللحكومة على حد سواء، أصابت الجزائر في مقتل”.

و أفاد ساحلي بأن “الشباب الحرّاق الذي يدفع حتى 100 مليون سنتيم نقدً مقابل الوصول إلى السواحل الأوروبية، كان بإمكانه- ولا أقول عليه- استثمار تلك الأموال في مشاريع لضمان عيشًا كريمًا له ولأسرته عوضًا عن المغامرة بحياته وماله في رحلة محفوفة بالمخاطر قد تنتهي به بالغرق وبعائلته بالحزن والرابح الأكبر هم عصابات المتاجرة بالبشر، فما ربح هؤلاء الحراقة الذين شعارهم ( الهربة تسلّك)،أي “هربة”؟ ومِنْ مَنْ؟ أنهم كالمستجر من الرمضاء بالنار، فهنا في الجزائر- على الأقل – هو بين ظهراني أهله وإذا مات وجد من يدفنه وليس في أوروبا حيث يعيش حياة الذل والهوان ويموت موتة لا يرضاها العدو لعدوه “.

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية عبد الحميد راسم:

 ارتفاع وتيرة “الحرقة” مفتعل وليس بريئا!

يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية عبد الحميد راسم،في تصريح لــ”أخبار الوطن”، أن الارتفاع المخيف في أعداد الحراقة نحو السواحل الأوروبية في الآونة الأخيرة يوحي للرأي العام الوطني والدولي أن حجم الرفض للوضع الحالي في الجزائر كبير ويزداد كبرًا يومًا بعد آخر. ورغم أن السلطة الحالية لا تتحمل كل المشاكل التي تتخبط فيها البلاد لأن الكثير منها نتاج تراكمات الماضي وتركة النظام السابق،إلا أن الجزائريين الذين شاركوا في الحراك الشعبي الذي أطاح بالعصابة صدموا بأن لا شيء تغيّر نحو الأحسن ولهذا كان الخيار الوحيد المتاح أمام بعضهم هو الهجرة ومغادرة هذا الوطن الذي بات لا يسعهم ولا يلبي تطلعاتهم”.

وأضاف راسم أن “الرئيس تبون وأعضاء حكومته تماطلوا نسبيًا – ربما- في الإعلان عن إجراءات وقرارات “شعبية”- رغم الظروف الصحية والاقتصادية المحيطة- تُعيد الاطمئنان إلى نفوس الجزائريين الذين تنفسوا الصعداء بعد نجاح حراكهم في إسقاط نظام بوتفليقة لكن سرعان ما أصيبوا بالضيق وصعوبة في التنفس بعد مرور عام ونصف على حراكهم و9 أشهر عن انتخاب تبون رئيسا للبلاد، ولكن الأمور لم تتغير بل تزداد سوءًا”.

وكشف راسم “أن عودة رحلات (الحرقة) بهذه القوة والكثافة هي بفعل فاعل وليست بريئة -في اعتقاده؛ فمصالح الأمن نجحت في تفكيك شبكات تنظيم رحلات(الحرقة)،  كما تمكنت مصالح مكافحة الجرائم المعلوماتية من خلال رصدها وتعقبها صفحات التواصل الاجتماعي التي تروج لهذه لرحلات بشكل أو آخر من الإسهام في إحباط عدة عمليات هجرة سرية.  وأوقفت مئات المتاجرين بالبشر وضبطت في حوزتهم أموال معتبرة”. وأشار المتحدث إلى أن “(الحرقة) أصبحت تُدر أرباح كبيرة للشبكات الإجرامية التي تستغل المشاكل اليومية للشباب من خلال ترويج الأكاذيب عن جنّات أوروبا، بهدف إقناع الزبائن بالهجرة مقابل دفع الكثير من الأموال، حيث إن الشخص الواحد الذي يرغب في الهجرة عليه دفع ما بين 50 و70 مليون سنتيم والقارب الذي يسع 10 أشخاص يركب فيه 20 شخصا لهذا الكثير من رحلات هذه القوارب تنتهي بالغرق في البحر قبل الوصول إلى الجنة التي تحولت إلى جحيم”.

وأفاد راسم مبينا: “قد يكون الوضع العام في البلاد المتسم بالضبابية – حتى الآن – سببًا من أسباب (الحرقة)، لكنه – قطعًا – ليس أهم الأسباب،بل إن عصابات المتاجرة بالبشر تقف وراء 90 بالمائة من رحلات الهجرة غير الشرعية لتحقيق الكسب السريع. وتعمل هذه الشبكات الإجرامية على استغلال الشباب الذي يعاني من مشاكل ما في بلاده وإقناعه بضرورة الهجرة إلى أوروبا التي تصورها لهم بأنها جنان فوق الأرض، فهناك شباب قرر الهجرة فقط لأنهم فشل في علاقات غرامية،و أخرون هاجروا لأنهم لم ينجحوا في دراستهم وآخرون لم يتحصلوا على سكن أو منصب عمل أو فقط لمشاهدة مباراة الكلاسيكو بين البارصا وريال مدريد!”.

الوسوم
اظهر المزيد

عمار قردود

صحفي جزائري مختص في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق